
وجّه الدكتور وصفي عاشور أبو زيد رسالة إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، طالب فيها بإعادة النظر في ملف العلماء والدعاة المعتقلين والإفراج عنهم.
وربط أبو زيد دعوته بالظروف التي تمر بها المنطقة العربية والإسلامية، معتبرًا أن المرحلة الحالية تستدعي جمع الطاقات العلمية والدعوية والفكرية والاستفادة من دور العلماء في مواجهة التحديات.
وفيما يلي نص رسالة الدكتور وصفي عاشور أبو زيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..
فإنني أرفع إلى مقامكم الكريم هذه الكلمات في ظروف بالغة الدقة تمر بها المنطقة العربية والإسلامية، وتتسارع فيه ويشتد التحديات المحيطة بالمملكة العربية السعودية وبالأمة كلها.
وهي ساعة تستدعي جمع أسباب القوة واستنفار الطاقات العلمية والدعوية والفكرية، والاستعانة لكل من يستطيع أن يسهم في حفظ الأمة واستقرارها ووحدة كلمتها.
وفي مقدمة ما يلفت النظر في واقعنا اليوم ما يتعرض له أهل السنة في غير موضع من استهداف وضغط ومحاولات لإضعاف مرجعيتهم العلمية والدينية.
وليس المقصود بأهل السنة هنا شعارا مذهبيا يثير الفرقة أو الخصومة، وإنما ذلك الامتداد الأعظم لجمهور الأمة الذي قامت المملكة تاريخيا في قلبه، وكانت بلاد الحرمين إحدى أهم حواضنه ومرجعياته.
وفي مثل هذه اللحظات تظهر القيمة الكبرى للعلماء الربانيين، فهم الذين يحفظون للأمة دينها ووعيها واعتدالها، ويحمون شبابها من الغلو والانحراف، ويصلون حاضرها بأصولها وسوابتها، ويملكون من الرصيد العلمي والتأثير الشعبي ما يجعلهم من أهم عناصر القوة الناعمة للأمة والدولة معا.
ومن هنا يأتي رجاؤنا الصادق إلى مقامكم الكريم بإعادة النظر في أمر العلماء والدعاة المعتقلين الذين طال أمد حبسهم، ودخل بعضهم عامه العاشر بعيدا عن أسرهم وطلابهم وأمتهم.
لقد دفعت أعمارهم وأسرهم وطلابهم سنوات طويلة من هذا الغياب، والأمة اليوم أحوج ما تكون إلى علمهم وكلمتهم وتجربتهم.
إن هؤلاء العلماء من أهل العلم الذين يرجى أن يكون لهم دور كبير في حظ المرجعية السنية والدفاع عن ثوابت الأمة وترشيد وعي أبنائها في زمن تتعرض فيه هذه المرجعية نفسها للاستهداف.
ولا شك أن إطلاق سراحهم وإعادتهم إلى ميادين العلم والدعوة سيكون عوناً للمملكة وقيادتها في هذا المجال، وسيضيف إلى قوتها قوة، وإلى رصيدها الديني والعلمي رصيداً، وإلى التفاف المسلمين حولها سببا جديدا.
والمملكة بما خصها الله به من شرف خدمة الحرمين الشريفين ليست بلدا عاديا في وجدان المسلمين، فهي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وأمنها واستقرارها وقوتها مصلحة للأمة كلها.
ومن ثم فإن العلماء الصادقين سيكونون بإذن الله تعالى من أحرص الناس على أمنها واستقرارها وسلامتها، وعلى مواجهة كل خطر يستهدفها أو يستهدف مرجعية الأمة وهويتها.
قد رفع الله تعالى شأن العلماء فقال سبحانه يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات، وقال جل شأنه إنما يخشى الله من عباده العلماء، وجاء في الحديث الشريف وإن العلماء ورثة الأنبياء.
كما فتح الشر أبواب العفو والصفح وجعلها من أخلاق القوة والفضل فقال تعالى وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وقال سبحانه والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، وصح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم قوله الشريف وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا.
ومن هنا فإننا ندعو مقامكما الكريم إلى العفو عن هؤلاء العلماء والإفراج عنهم وإعادتهم إلى أسرهم وطلابهم وأمتهم، لينهضوا بما ينتظرهم من واجب العلم والبيان والدعوة، وليكونوا عونا للمملكة وقيادتها في مواجهة الأخطار التي تستهدفها وتستهدف أهل السنة ومرجعيتهم.
وإن قرارا كهذا في اللحظة الدقيقة في تلك اللحظة الدقيقة سيكون له صداه الكبير في العالم الإسلامي، وسيدخل الصرور على قلوب الملايين، ويبعث رسالة قوية بأن المملكة تستجمع في ساعة التحدي كل طاقاتها العلمية والدينية، وتسترد علماءها إلى مواقعهم الطبيعية في التعليم والدعوة والتوجيه وحفظ هوية الأمة.
وقد علمنا القرآن الكريم كيف يكون العفو في موضع القدرة؟ فقال على لسان يوسف عليه السلام لإخوته بعد طول ما لقي منهم لا تسريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
يا خادم الحرمين الشريفين ويا سمو وولي العهد، إن الأمة الإسلامية تحتاج إلى علمائها، وأهل السنة يحتاجون إلى علمائهم، والمملكة في هذه الظروف الدقيقة تحتاج إلى كل عالم صادق يستطيع بعلمه وكلمته وتأثيره أن يكون عوناً لها وسنداً لأمتها.
فاجعلوا هذه الأيام أيام عفو، وافتحوا أبواب السجون لهؤلاء العلماء، وردوهم إلى أهلهم وطلابهم وأمتهم، فإن العفو في موطن القدرة عز، وجمع الطاقات في أوقات الأخطار حكمة، وحفظ العلماء حفظ لواحد من أعظم أرصدة الأمة.
نسأل الله تعالى أن يحفظكم وأن يحفظ الحرمين الشريفين، وأن يجنبها وبلاد المسلمين الفتن والحروب، وأن يحقن الدماء ويحفظ العلماء ويجمع كلمة الأمة على الحق، وأن يلهمكم ما فيه خير البلاد والعباد.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وصفي عشور أبو زيد







