مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب: مؤتمر لاهاي.. «الكومبارس» يبحث عن مسرح جديد

في المسرح، حين يفشل الممثلون في بلدهم، يحاولون البحث عن خشبة أخرى. لكن المشكلة تبقى كما هي: الكومبارس يبقى كومبارس، حتى لو وقف على مسرح أوروبي.

قبل يومين، في هولندا، اجتمعت مجموعة من المصريين في ما سموه “المؤتمر الوطني الأول”. الاسم يوحي بعظمة لا وجود لها.

“مؤتمر وطني” يعني قاعدة شعبية، تمثيل حقيقي، قرارات ملزمة. أما ما حدث في لاهاي، فهو شيء آخر تماماً: مجموعة من الوجوه التي لا يعرفها أحد، تحاول أن تلعب دوراً لم تمنحه إياه أي جماهيرية.

من هم هؤلاء؟

المشكلة الأولى في هذا المؤتمر ليست في أفكاره، بل في من يقفون خلفه. الحديث يدور عن شخصيات لا تملك أي وزن سياسي حقيقي داخل مصر، لا قاعدة شعبية، ولا تاريخ نضالي موثوق، ولا حتى شعبية في الشارع المصري.

هم في الغالب وجوه تعيش خارج مصر منذ سنوات، تتحدث عن “تحرير الوطن” من فنادق أمريكية وأوروبية، بينما الوطن نفسه لا يعرف أسماءهم.

هذا ليس اتهاماً، بل سؤال مشروع: من تمثلون بالضبط؟

إذا كان المؤتمر “وطنياً”، فأين الوطنيون؟

إذا كان “الأول”، فأين كان الآخرون طوال السنوات الماضية؟

وإذا كان يمثل “المعارضة المصرية”، فلماذا لا يعرف أحد من هذه المعارضة سوى اسم أو اثنين لا يمثلان شيئاً؟

مسرحية بلا جمهور

فالمؤتمر في لاهاي يعاني من مشكلة بنيوية: هو يخاطب جمهوراً غير موجود. المصريون في الداخل لا يعرفون عن هذا المؤتمر شيئاً، ولا يهتمون.

المصريون في الخارج، وهم كثر، لم يشاركوا في تنظيمه ولا في حضوره. فلمن يتحدثون؟

الكومبارس في المسرح يحتاج جمهوراً ليصفق. في السياسة، الكومبارس يحتاج قاعدة شعبية ليصدقها. لكن من ينظمون المؤتمرات في فنادق هولندا لا يملكون الاثنين.

ما يملكونه هو شيء واحد: رغبة في الظهور. الظهور الإعلامي، الظهور على الشاشات، الظهور في بيانات صحفية لا يقرؤها أحد.

الفرق بين المعارضة والتمثيل

المعارضة الحقيقية تعني أن تكون جزءاً من الشارع، أن تعرف ما يريده الناس، أن تدفع الثمن في الداخل، أن تكون لديك قاعدة تثق بك.

أما ما يحدث في لاهاي، فهو شيء مختلف: مجموعة من الأشخاص يجتمعون في بلد آمن، يتحدثون عن “إسقاط النظام” و”بناء المستقبل”، ثم يعود كل واحد منهم إلى حياته الطبيعية، بينما المصري في الداخل يدفع الثمن وحده.

هذا هو جوهر الاختلاف: المعارضة الحقيقية تعارض من الداخل، وتدفع الثمن في الداخل.

أما الكومبارس، فيعرض من الخارج، ويجمع التصفيق من الخارج، ويختفي حين ينتهي المشهد.

لماذا يفشل هؤلاء دائماً؟

السؤال ليس لماذا فشل مؤتمر لاهاي، بل لماذا يفشل هذا النوع من المؤتمرات دائماً.

الجواب بسيط: لأنها لا تملك شيئاً تقدمه. لا برنامج واقعي، لا استراتيجية قابلة للتنفيذ، لا فهم لما يحدث في مصر. كل ما تملكه هو الخصومة، والخصومة وحدها لا تبني وطناً.

ثم إن هناك مشكلة الثقة: حين يقف شخص في هولندا ويقول “أمثل المصريين”، فأي مصريين بالضبط؟

المصري الذي يعمل في مصنع في المحلة؟

المصري الذي ينتظر أن يجد قوت يومه؟

المصري الذي لم يسمع باسمك أصلاً؟

هؤلاء لا علاقة لهم بهذا المؤتمر، ولا بهؤلاء الأشخاص.

الستار لن يسدل

فالمشكلة الحقيقية ليست في مؤتمر واحد في هولندا.

المشكلة في العقلية التي تنتج هذا النوع من المؤتمرات: عقلية تعتقد أن المعارضة مسألة بيانات، وأن السياسة مسألة ظهور، وأن الوطن مسألة خطب.

المعارضة ليست منصباً، ولا مؤتمراً، ولا بياناً صحفياً. المعارضة موقف، وتاريخ، وقاعدة. وكل هذا لا يُبنى في فنادق لاهاي.

قد يسمون أنفسهم “المؤتمر الوطني”، لكن الوطن لا يعرفهم، والشعب لا يعرفهم، والتاريخ لن يتذكرهم.

سيبقون كومبارس في مسرحية لم يشاهدها أحد، على خشبة لم يقف عليها سوى أنفسهم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى