
في أزمنة الفتن والاضطرابات السياسية، لا تكون المشكلة دائمًا في نقص الأفكار أو غياب المشاريع، وإنما قد تكون في غياب المنهج الذي يحكم الأفكار والمشروعات، ويضبط طريقة التفكير واتخاذ القرار والتعامل مع الخصوم والحلفاء والجمهور.
فالعالم السياسي المعاصر يعيش حالة غير مسبوقة من تدفق المعلومات وسرعة تداولها، وتداخل الحقيقة بالدعاية، وتراجع المسافة بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والشائعة، حتى أصبح الإنسان قادرًا على إصدار حكم سياسي كامل خلال دقائق، وربما على واقعة لم يقرأ عنها إلا عنوانًا أو شاهد منها مقطعًا مبتورًا. وفي مثل هذه البيئة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: ماذا نريد أن نفعل؟ وإنما: كيف نفكر قبل أن نفعل؟
ومن هنا تبدو «اللاءات العشر» المستخلصة من سورة الكهف قابلة لأن تُقرأ قراءة تتجاوز حدود الوعظ الفردي إلى فضاء الحياة العامة والسياسة. فهي، إذا أُعيد إسقاطها على الواقع السياسي، تقدم ملامح لمنهج يمكن أن يساعد على صناعة إنسان سياسي أكثر اتزانًا، وأقل اندفاعًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين المبدأ والمصلحة، وبين الولاء المشروع والتبعية العمياء. إنها ليست وصفة لتحقيق الانتصار السياسي السريع، وإنما محاولة لبناء الإنسان الذي يستطيع أن يدخل ميدان السياسة دون أن يفقد عقله أو أخلاقه أو إنسانيته.
البداية من القاعدة التي ربما تبدو بسيطة، لكنها في المجال السياسي من أكثر القواعد صعوبة: لا تمارِ فيما لا علم لك به. فالسياسة المعاصرة تعاني من ظاهرة خطيرة تتمثل في استعداد الجميع للحديث في كل شيء، والحكم على كل شيء، وتفسير كل حدث، حتى عندما لا تتوافر المعلومات الكافية. ومع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح الخبر يصل إلى الملايين قبل أن تتاح فرصة التحقق منه، وتصبح الرواية الأولى أحيانًا أقوى من الحقيقة التي تأتي بعدها. وقد تتحول الإشاعة إلى موقف، والموقف إلى حملة، والحملة إلى قناعة عامة.
ولذلك فإن أول ما يحتاجه العقل السياسي هو التواضع المعرفي؛ أن يعرف الإنسان حدود ما يعرف، وأن يمتلك الشجاعة ليقول: لا أعلم، أو لم أتحقق بعد، أو إن الصورة لم تكتمل. فليس كل ما يقال حقيقة، وليس كل ما يبدو واضحًا يكون كذلك، والسياسي الذي لا يعرف حدود معرفته قد يصبح خطرًا على نفسه وعلى من حوله قبل أن يكون خطرًا على خصومه.
ومن هذه القاعدة تأتي القاعدة التالية بصورة طبيعية: لا تأخذ علمك من كل أحد. فالمشكلة في عصر المعلومات لم تعد في ندرة المعرفة، وإنما في كثرتها واختلاط مصادرها. هناك الخبير، وهناك الناشط، وهناك المؤثر، وهناك صاحب المصلحة، وهناك من يقدم معلومة صحيحة في سياق مضلل، وهناك من يصنع رواية كاملة من أجل التأثير في الرأي العام.
ومن ثم فإن بناء الموقف السياسي يحتاج إلى ثقافة التحقق، وإلى القدرة على سؤال المصدر عن مصدره، وتمييز الخبر عن التحليل، والتحليل عن الدعاية، والرأي عن الحقيقة. والسياسة التي لا تمتلك جهازًا معرفيًا مستقلًا تصبح أسيرة للمعلومات التي يقدمها لها الآخرون، وقد تجد نفسها في النهاية تتخذ قراراتها بناءً على واقع لم يكن موجودًا أصلًا إلا في فضاء الدعاية.
وحين يتحول التفكير السياسي إلى تخطيط للمستقبل، تظهر «لا» ثالثة لا تقل أهمية: لا تنس مشيئة الله وأنت تخطط للغد. وليس المقصود هنا تعطيل التخطيط أو الاستسلام للانتظار، وإنما إدراك أن الإنسان مهما امتلك من أدوات التحليل لا يستطيع أن يحيط بالمستقبل إحاطة كاملة. فالسياسة مليئة بالمفاجآت والتحولات التي لا تدخل في الحسابات المسبقة؛ تحالفات تتغير، وأزمات تظهر فجأة، وأنظمة تتبدل، ومجتمعات تعيد تشكيل أولوياتها، وأحداث صغيرة قد تفتح مسارات تاريخية لم تكن في حسبان أحد.
ولذلك فإن الإيمان بأن المستقبل ليس ملكًا كاملًا للإنسان ينبغي أن ينتج تخطيطًا أكثر مرونة وتواضعًا، لا تخطيطًا أقل كفاءة. خطط للمستقبل، وابنِ السيناريوهات، واستعد للمفاجآت، لكن لا تتعامل مع الخطة كما لو كانت قدرًا لا يتغير.
غير أن السياسة لا تختبر فقط قدرة الإنسان على التخطيط، وإنما تختبر أيضًا قدرته على المحافظة على قيمه عندما تلوح أمامه المكاسب. وهنا تأتي «لا» رابعة: لا تستبدل أهل الخير بزينة الدنيا. ففي المجال السياسي كثيرًا ما تكون لحظة الاختبار الحقيقية عندما يتعارض المبدأ مع المصلحة، أو الكفاءة مع الولاء، أو الاستقلال مع القرب من مراكز القوة.
وقد تنجح بعض المشاريع في الوصول إلى مكاسب سريعة عندما تستبدل أهل الكفاءة بأصحاب النفوذ، أو تستبدل المواقف المبدئية بمكاسب مؤقتة، لكنها تدفع بعد ذلك ثمنًا باهظًا من رصيدها الأخلاقي والثقة بها.
والسياسة التي تخسر أصحاب النزاهة والكفاءة من أجل مكاسب عاجلة قد تكسب جولة، لكنها تخسر قدرتها على الاستمرار.
ومن هنا تأتي «لا» خامسة: لا تطع أهل الغفلة. وفي المجال السياسي يمكن أن تُقرأ هذه القاعدة بوصفها تحذيرًا من الاستسلام لضغط البيئة المحيطة، سواء كانت بيئة جماهيرية أو حزبية أو تنظيمية أو إعلامية. فليس كل ما يريده الجمهور صحيحًا، وليس كل ما يصفق له المتابعون حكيمًا، وليس كل موجة غضب تصلح أساسًا لقرار سياسي.
وفي أوقات الاستقطاب يصبح السياسي معرضًا لأن يعيش داخل «غرفة صدى» لا يسمع فيها إلا الأصوات التي تؤكد قناعاته. وهنا تفقد القيادة معناها؛ إذ يتحول القائد من صانع للقرار إلى تابع للمزاج العام. أما القيادة الحقيقية فهي القدرة على الاستماع إلى الناس وفهم غضبهم ومخاوفهم، دون أن يصبح السياسي أسيرًا لانفعالاتهم، والقدرة أحيانًا على قول ما لا يريد الجمهور سماعه عندما تكون المصلحة العامة تقتضي ذلك.
وبقدر ما تحتاج السياسة إلى الشجاعة في اتخاذ القرار، تحتاج أيضًا إلى فضيلة التريث. ولذلك تأتي «لا» السادسة: لا تستعجل الحكم قبل اكتمال الحقيقة. ولعل هذه من أكثر القواعد إلحاحًا في عصرنا؛ إذ أصبحت المحاكمة السياسية والإعلامية أسرع بكثير من التحقيق، وأصبح الحكم على الأشخاص والمؤسسات والأحداث يصدر أحيانًا قبل أن تظهر الوقائع كاملة.
خبر واحد يمكن أن يصنع متهمًا، ومقطع واحد يمكن أن يصنع رواية، ومنشور واحد يمكن أن يطلق حملة واسعة، ثم تأتي الحقيقة لاحقًا وقد لا تجد من يستمع إليها بالقدر نفسه الذي استمع به إلى الرواية الأولى. ولذلك فإن العقل السياسي الناضج يعرف أن التريث ليس ضعفًا، وأن تعليق الحكم حتى اكتمال المعلومات ليس ترددًا، وأن الاعتراف باحتمال الخطأ في التقدير هو أحد أشكال القوة.
لكن السياسة لا تقوم فقط على التعامل مع الأحداث، وإنما تقوم كذلك على التعامل مع البشر. ومن هنا تأتي «لا» سابعة: لا تؤاخذ الناس بكل زلة. فالمجال العام الذي لا يسمح بالخطأ أو المراجعة يتحول إلى بيئة تنتج الخوف والنفاق، لأن الإنسان عندما يعلم أن كل كلمة قالها في الماضي ستستخدم ضده إلى الأبد، وأن كل خطأ سياسي سيصبح وصمة دائمة، فإنه سيتعلم الدفاع عن أخطائه بدل الاعتراف بها.
والمجتمع السياسي الناضج هو الذي يفرق بين الخطأ المتعمد والجريمة، وبين الاجتهاد الفاشل والفساد، وبين الاختلاف السياسي والخيانة، وبين التراجع عن موقف سابق والنفاق. التسامح مع الخطأ لا يعني إسقاط المساءلة، وإنما يعني أن تكون هناك مساحة للإنسان كي يتعلم ويصحح ويعيد بناء موقفه.
ومن التعامل مع الخطأ نصل إلى التعامل مع الإنسان نفسه، ومن هنا تأتي «لا» ثامنة لا ترهق من حولك. فكم من مشروع سياسي أو تنظيمي لم يسقط بسبب خصومه، وإنما استنزف نفسه من الداخل! عندما تتحول القيادة إلى ضغط دائم، وتصبح الاجتماعات بلا نهاية، والتكليفات فوق الطاقة، والصراعات الداخلية مستمرة، وتصبح قيمة الإنسان مرتبطة فقط بقدر ما يستطيع أن يقدم من جهد، فإن المشروع يبدأ في استهلاك عناصر قوته بنفسه.
القيادة الرشيدة لا تقيس نجاحها بعدد ما تستطيع أن تنتزعه من الناس، وإنما بقدرتها على بناء أناس قادرين على الاستمرار والعطاء. فالإنسان ليس موردًا قابلًا للاستنزاف، والجماعات التي لا تعرف كيف تحافظ على طاقة أفرادها قد تجد نفسها في النهاية بلا طاقات.
ثم تأتي «لا» تاسعة أكثر اتصالًا بتعقيدات التحالفات السياسية والعلاقات الإنسانية: لا تفارق الناس، واعرف متى تنتهي الصحبة. فالسياسة بطبيعتها تقوم على التحالفات والشراكات، لكنها أيضًا تقوم على اختلاف المصالح وتغير الظروف. وليس كل تحالف قابلًا للاستمرار إلى الأبد، وليس كل شراكة سياسية ينبغي أن تتحول إلى علاقة أبدية.
لكن المشكلة ليست في انتهاء التحالف، وإنما في الطريقة التي ينتهي بها. فهناك فرق كبير بين أن تنتهي شراكة سياسية وبين أن تتحول إلى خصومة شخصية، وبين أن تختلف مع حليف وبين أن تبدأ في تشويه تاريخه، وبين أن تتباعد المواقف وبين أن يصبح الطرف الآخر عدوًا يجب إلغاؤه. السياسة الناضجة تعرف كيف تبدأ الشراكات، وكيف تديرها، وكيف تنهيها بأقل قدر ممكن من الكراهية والانتقام.
أما «لا» العاشرة، فهي أعمق هذه اللاءات وأكثرها اتصالًا بجوهر العلاقة بين الدين والسياسة: ولا تشرك بعبادة ربك أحدًا. وإذا أُسقطت هذه القاعدة على المجال السياسي، فإنها تحذر من أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان عندما يتحول الولاء للمشروع أو الجماعة أو الحزب أو القائد إلى ولاء مطلق.
فحين تصبح الجماعة فوق النقد، والقائد فوق المساءلة، والتنظيم فوق المراجعة، والمشروع السياسي معيار الحق والباطل، فإن السياسة تتحول تدريجيًا إلى منظومة مغلقة تمنح البشر من القداسة ما لا ينبغي أن يكون للبشر. وهنا يفقد الإنسان قدرته على قول «لا» عندما يكون قوله واجبًا، ويتحول الاختلاف من حق طبيعي إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والمراجعة إلى تمرد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع سياسي ليس أن يختلف معه الآخرون، وإنما أن يفقد هو القدرة على مراجعة نفسه. فلا قائد معصوم، ولا حزب يملك الحقيقة كاملة، ولا جماعة فوق النقد، ولا مشروع سياسي يحق له أن يتحول إلى بديل عن الضمير والعقل والدين. وكلما ازدادت قداسة الأشخاص والمشروعات، تقلصت مساحة الحرية داخل الجماعة، وأصبح الانحراف أكثر صعوبة في الاكتشاف وأكثر كلفة في التصحيح.
وعندما نجمع هذه اللاءات العشر، نجد أنها لا تقدم مجرد مجموعة من النصائح المتفرقة، وإنما ترسم ملامح لعقل سياسي مختلف. عقل لا يتحدث فيما لا يعلم، ولا يبني مواقفه على مصادر مجهولة، ولا يتعامل مع المستقبل بغرور، ولا يبيع مبادئه بالمكاسب، ولا يصبح أسيرًا للجمهور، ولا يستعجل الحكم، ولا يحول كل خطأ إلى جريمة، ولا يستنزف من يعملون معه، ولا يحول نهاية التحالف إلى بداية للعداء، ولا يمنح الأشخاص أو التنظيمات قداسة تجعلها فوق النقد.
وهذه المنظومة تبدو شديدة الأهمية في عالم سياسي يعاني من الاستقطاب الحاد، وتراجع الثقة، وتضخم المعلومات المضللة، وتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للصراع السياسي والنفسي في الوقت نفسه. فالأزمة السياسية المعاصرة ليست أزمة مؤسسات فقط، وإنما هي أيضًا أزمة إنسان: إنسان يتلقى المعلومات، ويفسرها، ويتخذ موقفًا، ويختار حليفًا، ويختلف مع خصم، ويقرر متى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يتمسك بموقفه ومتى يراجعه.
ولذلك ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه الحركات والأحزاب والتيارات السياسية اليوم ليس: كيف ننتصر؟ وإنما: كيف ننتصر دون أن نفقد أنفسنا؟ وكيف نحافظ على المبادئ دون أن نتحول إلى أسرى لها كما نفهمها نحن؟ وكيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء؟ وكيف نحافظ على الانتماء دون أن يتحول إلى تبعية؟ وكيف نبني مشروعًا قادرًا على الاستمرار دون أن يتحول إلى صنم سياسي؟
في زمن الفتن، لا يحتاج العالم فقط إلى سياسيين أكثر ذكاءً، وإنما إلى سياسيين أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على ضبط الغضب، وأكثر احترامًا للحقيقة، وأكثر استعدادًا لمراجعة الذات، وأكثر وعيًا بحدود القوة. فالمشكلة ليست دائمًا في أن يمتلك الإنسان مشروعًا سياسيًا؛ المشكلة أن يعرف كيف يحمل هذا المشروع دون أن يحمله المشروع نفسه إلى التعصب، أو الغرور، أو الاستبداد، أو فقدان البصيرة.
وهنا تكمن القيمة السياسية العميقة للاءات العشر: إنها لا تعلم الإنسان كيف يهزم خصمه، بقدر ما تعلمه كيف لا يهزم نفسه. ولا تقدم وصفة للسيطرة على الآخرين، بقدر ما تقدم منهجًا للسيطرة على نزوات الذات: نزوة المعرفة الكاملة، ونزوة امتلاك الحقيقة، ونزوة السلطة، ونزوة الانتقام، ونزوة التقديس، ونزوة الانتصار بأي ثمن.
ولعل هذا هو الدرس الأكثر احتياجًا إليه في السياسة اليوم: أن المستقبل لا تصنعه فقط قوة المشاريع، وإنما تصنعه أيضًا أخلاق أصحابها، ونضج عقولهم، وقدرتهم على الاختلاف، واحترامهم للإنسان، واستعدادهم لمراجعة أنفسهم. فحين تتحول السياسة إلى صراع دائم على من يملك الحقيقة، يخسر الجميع؛ أما حين تتحول إلى مجال للتنافس في خدمة الإنسان وحماية المجتمع وتحقيق العدل، فإن الاختلاف يصبح مصدر قوة لا سببًا للانهيار.
إن «اللاءات العشر» في هذه القراءة ليست دعوة إلى الانسحاب من السياسة، وإنما دعوة إلى دخولها بوعي مختلف؛ سياسة تعرف أن الحقيقة أكبر من الجماعة، وأن الإنسان أكبر من الخلاف، وأن المبدأ لا يُباع، وأن الخصم ليس بالضرورة عدوًا، وأن الخطأ لا يلغي الإنسان، وأن القوة لا تعني القدرة على الإيذاء، وأن أعظم انتصار قد يكون أحيانًا أن تخرج من المعركة محتفظًا بعقلك وقلبك وضميرك.
ففي زمن الفتن، قد لا يكون السؤال: من انتصر سياسيًا؟ بل من استطاع أن يبقى إنسانًا وهو يمارس السياسة؟







