
للغربة حيل غريبة؛ تبعدك عن المكان، ثم تعيده إليك في أماكن لم تذهب إليها بحثا عنه. وهذا ما يحدث لي في إسطنبول، حين أزور أحياءها القديمة، ولا سيما بلاط، بحواريها الضيقة وبيوتها العتيقة ومقاهيها الصغيرة. ازدادت شهرة بلاط بعد تصوير مشاهد من المسلسل التركي «الحفرة»، وصارت مقصدا لزوار إسطنبول وأهلها. أما أنا، فأذهب إليها لسبب آخر. أذهب إليها بجسدي، لكن قلبي يسبقني إلى القاهرة. أجلس في مقهى قديم فأرى باب الشعرية، وأدخل زقاقا فتأخذني الذاكرة إلى الموسكي، وأرى دكانا فأستحضر الجمالية. وقد تكفيني رائحة قهوة، أو رجل مسن أمام محل، أو طفل يركض في حارة، كي أجد نفسي في الحسين. كأن للمدن القديمة لغة سرية تقول لي: ما تبحث عنه هنا، تركت بعضه هناك.
في باب الشعرية والموسكي تركت أكثر من عقد من عمري. لم تكونا بالنسبة لي مجرد أصوات انتخابية أو حدود مرسومة على خريطة، بل عالما كاملا له أسماء لا تزال، حين أرددها، كأنني أقرأ خريطة قلبي: النصر، والصوابي، والبنهاوي، وباب البحر، والعدوي، والمنسي، وبركة الرطل، ودرب الإقماعية، وسيدي مدين، والشمبكي، وغيرها من شياخات باب الشعرية. ومن الموسكي التصقت بذاكرتي مناطق الجامع الأحمر، والنوبي، والكوم وغيرها. لم تكن هذه أسماء في كشوف الانتخابات؛ لكل اسم شارع، ولكل شارع وجوه، ولكل وجه بيت، ولكل بيت حكاية.
وكان الطريق ينساب من باب الشعرية إلى الموسكي، ثم الجمالية والحسين والأزهر وخان الخليلي، حتى بدت القاهرة القديمة لي بيتا واحدا متعدد الغرف؛ باب الشعرية غرفة، والموسكي غرفة، والجمالية غرفة، والحسين قلب البيت، والأزهر نافذته المفتوحة على قرون من التاريخ، والحارات والدروب ممراته. لم أكن أشعر أنني أغادر حيا لأدخل آخر، فالناس لا يعيشون داخل الخطوط التي ترسمها الخرائط، والقاهرة القديمة تحديدا لا تعترف كثيرا بهذه الحدود. يكفي أن تمشي فيها حتى تنتقل من زمن إلى زمن، ومن حكاية إلى حكاية، دون أن تشعر أنك عبرت سوى بضعة أمتار.
وباب الشعرية أقدم كثيرا من حكايتي معها. مر بها الخليج المصري، وعرفت في مراحل من تاريخها بيوت الوجهاء والأعيان والعلماء، كما عرفت الأحواش والوكالات والورش والأسواق والحرف. عاش فيها المصري، وإلى جواره اليوناني والإيطالي والأرمني واليهودي، واختلفت الأديان والألسنة والمهن، واتسعت الحارة للجميع. ومنها خرج الفن أيضا؛ ولد فيها محمد عبد الوهاب، وعرفت المنطقة أسماء مثل يعقوب صنوع ونجيب الريحاني وشفيق جلال ومها صبري. وكأن المكان، وسط أصوات الباعة والحرف والورش، كان يحتفظ دائما بنافذة للموسيقى والمسرح والضحك. ولعل هذا أحد أسرار محبتي له؛ كان يشبه مصر التي تمنيتها دائما، مصر التي ترى الاختلاف إضافة لا جريمة، ولا تسأل القادم من أين أتى بقدر ما تسأل ماذا أضاف.
لكن المدن لا تصنعها الحجارة، بل البشر. وحين أفتح خزانة الذاكرة أجد الأستاذ يحيى الطلياوي، والصديق الحبيب الدكتور عادل الركيب، والحاج إبراهيم كمال، والأستاذين المحاميين وحيد الكيلاني وحامد، ومحمود ونبيل النحاس، والحاج إبراهيم وإخوته، وأسرتي النائبين الراحلين عبده جابر وصبحي وهدان، والصديق العزيز الكاتب الصحفي محمد سعد خطاب، والمهندس صلاح. وأرى جيلا جميلا من الشباب كبر أمام عيني وكبرت معه: محمد فؤاد، ابن الشيخ فؤاد رحمه الله وأسرته، وسامي فؤاد وشقيقه علاء، ومحمد جلال، وخالد ليلة، ومحمد برتقانة، والأخ محمد عبد الفتاح الشهير ببلبل، وصبري أبو علم، وغيرهم كثيرون. وأخشى كلما كتبت أسماءهم أن أظلم اسما لم تسعفني به لحظة الكتابة؛ فالورق يضيق، والذاكرة تتعب، لكن القلب أوسع منهما.
وخلف هذه الأسماء وجوه ربما لا تعرفها كتب التاريخ، لكنها صنعت تاريخي مع المكان؛ بائع صافحني ألف مرة، وصاحب مقهى يعرف أين أحب أن أجلس، وسيدة تناديني من شرفة، ورجل يوقفني في الطريق ليحكي، وأم تحمل ورقة مطوية أربع مرات كأنها تحمل ملف مصر كله، وطفل كان يجري خلفنا في حملة انتخابية وربما صار اليوم أبا يمسك بيد طفله في الشارع نفسه. هؤلاء علموني أن السياسة، قبل الخطب والاستجوابات والبرامج، هي أن تعرف وجع الناس بأسمائهم، وأن المشكلة التي تبدو صغيرة في أوراق الدولة قد تكون في حياة صاحبها بحجم وطن كامل.
كنت أتعلم منهم بقدر ما كانوا ينتظرون مني. فالذي يأتي غاضبا يحمل معلومة، والمرأة التي تستوقفك تحمل حكاية، والشاب الذي يختلف معك قد يريك زاوية لم ترها، والعجوز الذي يربت على كتفك دون أن يطلب شيئا يمنحك في لحظة ما لا تمنحه صناديق الانتخابات كلها. هناك فهمت أن تمثيل الناس ليس أن تتحدث باسمهم فقط، بل أن تسمح لأصواتهم أن تغير شيئا فيك. وفهمت أن العتاب أجمل أحيانا من التصفيق؛ فالذي يعاتبك يعتبرك من أهله، أما الغريب فلا يعاتب.
ومن الذكريات التي أحتفظ بها بتقدير خاص أسرة الوزير محمد إبراهيم سليمان، ابن باب الشعرية. حين طُرح أن يخوض الانتخابات، اختار ألا يترشح في باب الشعرية احتراما لوجودي فيها، وذهب إلى دائرة الجمالية، متفاديا صداما لم يكن ضروريا. وأذكر له موقفا آخر أحب أن يبقى مكتوبا؛ فقد كانت مدرسة خليل أغا التاريخية في شارع الجيش، التي تعلم فيها في المرحلة الثانوية، تحتاج إلى ترميم يليق بتاريخها. طلبت منه المساعدة، فاستجاب وساهم من ماله الخاص في إعادة ترميم المدرسة التي حملت جزءا من ذكريات صباه. أحب هذه الحكاية لأنها تمثل السياسة التي أحببتها؛ نختلف ونتنافس، لكن مدرسة قديمة لا ينبغي أن تدفع ثمن خلافنا، وذاكرة مدينة يجب أن تظل أكبر منا جميعا.
أما واحدة من أكثر حكايات باب الشعرية قربا إلى قلبي، فقد بدأت بعيدا عنها، في إحدى كليات جامعة عين شمس. كنت ألقي محاضرة، وكانت لي عادة في كثير من المحاضرات واللقاءات؛ أسأل الحضور: من منكم من باب الشعرية أو الموسكي؟ كنت أحب أن أجد أبناء دائرتي في كل مكان، وأن أعرف إلى أين أخذتهم الدراسة والحياة. سألت يومها، فلم ترفع يد واحدة. وبعد المحاضرة، التف حولي عدد من الفتيات الصغيرات وقلن: يا دكتور، نحن من أبناء باب الشعرية. تعجبت وسألتهن: ولماذا لم تجبن عندما سألت داخل المدرج؟ فضحكت إحداهن وقالت جملة لم أنسها حتى اليوم: «هو حضرتك مش عايزنا نتجوز؟».
ضحكت في البداية، ثم سألتها عن علاقة الزواج بأن تقول إنها من باب الشعرية. قالت إنهن يقلن لزملائهن إنهن من الظاهر أو العباسية، لأن منطقتهن، في نظرهن، ليس فيها ما يستطعن التباهي به؛ لا شوارع واسعة، ولا نواد، ولا أماكن مناسبة يمكن أن يأتي إليها «مشروع العريس»، بينما بيوت كثيرة صغيرة لا تسمح باستضافة مثل هذه اللقاءات، فتضطر الأسرة أحيانا إلى الجلوس معه في أحد المقاهي. قالتها وهي تبتسم، لكنني غادرت الجامعة عاجزا عن اعتبار ما قالته مجرد مزحة. بقي شيء يؤلمني: كيف يمكن لابنة باب الشعرية أن تخجل من أن تقول إنها من باب الشعرية؟ وكيف يعيش جيل فوق تاريخ كبير ولا يعرف أنه يقف عليه؟
فكرت يومها أن المكان لا يحتاج فقط إلى رصف شارع أو إنارة طريق، بل يحتاج أحيانا إلى أن يستعيد ثقته بنفسه. أن يعرف أبناؤه أن ضيق الحارة لا يعني ضيق التاريخ، وأن الشارع البسيط قد يخرج منه رجل تتسع موسيقاه لوطن كامل. ومن هنا جاءني اسم محمد عبد الوهاب، ابن باب الشعرية، الرجل الذي خرج من هذه الشوارع ثم دخل بصوته وألحانه كل بيت عربي تقريبا. أردت أن يعرف الأطفال والشباب أن واحدا من أكبر رموز الموسيقى العربية خرج من المكان نفسه الذي يخجل بعضهم من ذكر اسمه.
وهكذا بدأت فكرة تمثال محمد عبد الوهاب في قلب ميدان باب الشعرية. لم أرده قطعة برونز لتزيين الميدان، بل رسالة إلى تلك الفتاة وصديقاتها، وإلى كل طفل يخرج من حارة ضيقة معتقدا أن الأماكن الكبيرة وحدها تنجب الكبار. أردته أن يقول لهم بصمته: أنا من هنا. وحين جاء يوم افتتاحه، لم يكن بالنسبة لي افتتاح قطعة فنية بقدر ما كان ردا متأخرا على ذلك الحوار الصغير خارج مدرج جامعة عين شمس.
حضر افتتاح التمثال الفنان الكبير فاروق حسني وزير الثقافة، والدكتور علي الدين هلال وزير الشباب، ووزيرة البيئة، والدكتور عبد الرحيم شحاتة محافظ القاهرة، وعدد من كبار الفنانين والشخصيات العامة، بينهم عادل إمام ومحمد صبحي. وسط كل هذه الأسماء كنت أفكر في أولئك الفتيات، وأتمنى لو كانت صاحبة الجملة تقف يومها في الميدان، لأقول لها: هل تستطيعين الآن أن تقولي لزملائك، بشيء من الفخر، إنك من باب الشعرية؟
لكن كلام الفتاة لم يصنع فكرة التمثال وحدها. ظل الجزء الآخر من حديثها يلاحقني: أين يفرح الناس؟ وأين تستقبل الأسرة ضيوفها إذا كان البيت صغيرا؟ وأين يجد شباب المنطقة مكانا محترما يجتمعون فيه؟ في قلب ميدان باب الشعرية كانت هناك قطعة أرض مثلثة تستخدم حظيرة للخراف، يزداد نشاطها كلما اقترب عيد الأضحى، وتزداد معها الروائح وما يصاحبها من مشكلات. حصلنا على الأرض، ونظرت إليها وأنا أتذكر حديث الفتيات: لماذا لا يتحول المكان الذي نخجل منه إلى مكان نفتخر به؟
وهكذا ولد مجمع نور الثقافي، بطابقين في قلب باب الشعرية. لكنه في ذاكرتي كان أكبر كثيرا من مساحة البناء. كان الطابق الأول، في معظم أيام الأسبوع عدا الأربعاء، بيتا للفرح؛ تقام فيه حفلات الزواج والخطوبة، وأحيانا أعياد الميلاد والمناسبات الاجتماعية، مجانا، دون إيجار أو رسوم أو أي مقابل نحصل عليه. كنت أعرف أن مناسبة الزواج في الأحياء الشعبية قد تتحول إلى عبء ثقيل على أسرة محدودة الدخل، فأردنا أن يكون المكان متنفسا لباب الشعرية والموسكي والمناطق المجاورة.
كم من عروس دخلت المكان وهي تحمل فرحتها، وكم من أم جاءت قبل المناسبة قلقة على التفاصيل ثم غادرت وهي تزغرد، وكم من أب استطاع أن يفرح بابنته دون أن يبدأ حياتها الجديدة بدين جديد. وما زلت أتوقف أمام مفارقة المكان؛ قطعة أرض كانت حظيرة للخراف أصبحت مكانا تدخل إليه العرائس. مكان كانت تنشط فيه الروائح في موسم الأضاحي صار يمتلئ بالزهور والموسيقى والزغاريد. لم يكن ذلك تحسينا عمرانيا فحسب، بل جوابا عمليا عن جملة قالتها فتاة صغيرة. لم نغير المكان لأننا بنينا فوقه حجرا جديدا فقط، بل لأننا منحناه وظيفة أجمل في حياة الناس.
ثم يأتي الأربعاء، فيتغير وجه المكان. لا عروس ولا عريس، بل فكرة ورأي وقصيدة وأغنية واختلاف. كان منتدى الأربعاء، وكان لسنوات منبري وقناتي وإذاعتي وصحيفتي. هناك كنت أقول ما أريد مباشرة للناس، ثم أسمع منهم. لم يكن محرر يحذف، ولا شاشة تختصر، ولا عنوان ينتزع جملة من سياقها. وكان البيت مفتوحا لمختلف التيارات السياسية والحزبية والحركات الاحتجاجية، من كفاية إلى السادس من أبريل وغيرها. لم نكن نسأل الداخل: مع من أنت؟ كان يكفي أن يكون لديه ما يقوله. فالبيت الذي لا يتسع إلا لمن يشبه صاحبه ليس بيتا عاما، بل مرآة لا يرى صاحبها فيها إلا نفسه. أما أنا، فأردت للمكان أن يكون نافذة.
مرت من هذه النافذة أسماء كبيرة من مختلف ألوان الحياة العامة. جاءت السيدة جيهان السادات، والصديق الراحل طلعت السادات، وحمدين صباحي، والمهندس أبو العلا ماضي، والأستاذ جورج إسحاق، والشاعر عبد الرحمن يوسف، ورموز من الأحزاب والتيارات والحركات السياسية. بعضهم كان قريبا مني وبعضهم بعيدا، وبعضهم اختلف معي بعد ذلك أو اختلفت معه، لكنني حين أستعيد تلك الأيام لا أتذكر مساحة الاختلاف بقدر ما أتذكر الكراسي التي جمعتنا. فالزمن، حين يهدأ، يصغر المعارك ويكبر البشر.
وللفن والثقافة في هذه الذاكرة مكان دافئ. كان أخي وصديقي الحبيب الليبرالي محمد نوح، رحمه الله، واحدا من أقرب الوجوه إلى المكان وإلى قلبي؛ لم يكن عندي مجرد فنان كبير، بل حالة إنسانية وفكرية ووطنية. وجاء الفنان الكبير فاروق حسني، والمبدع محمد صبحي أطال الله عمره، والراحل الجميل نور الشريف، والحبيب ملك النوبة محمد منير، والفنان الذي ما زال الأقرب إلى قلبي وأذني علي الحجار، ومحمد رشدي، وعبد اللطيف التلباني، وغيرهم كثيرون من الفنانين والمثقفين والأدباء، وأحيانا الرياضيين. كانت بعض الأمسيات تبدأ سياسة وتنتهي فنا، وبعضها يبدأ فنا وينتهي نقاشا في مصر، وكنا نكتشف أن أغنية تستطيع أحيانا أن تقول ما تعجز عنه خطبة، وأن قصيدة قد تكون أكثر سياسة من بيان حزب.
وكان ميدان باب الشعرية في الخارج يمارس حياته الصاخبة، بينما يدور في الداخل حوار حول مصر. تدخل أصوات الباعة أحيانا إلى القاعة، ويصل ضجيج السيارات ونداءات الشارع، فلم أكن أشعر أنها تقطع الندوة؛ كنت أشعر أنها جزء منها، كأن القاهرة نفسها تجلس معنا. لم يكن مجمع نور بالنسبة لي مبنى يحمل اسمي، بل محاولة لأن تكون الثقافة وسط الناس لا فوقهم، وأن تنزل السياسة من المنصة إلى الميدان، وأن يكون الحوار حقا لمن يرتدي البدلة ولمن يأتي من دكانه بثياب العمل نفسها.
واليوم، بعد أن دارت السنوات دورتها، تقف نسخة من تمثال محمد عبد الوهاب بعيدا عن ميدان باب الشعرية، هنا في إسطنبول، داخل معرض «وجوه لا تغيب» في مركز الشرق الثقافي. أمر أمامها أحيانا فلا أرى البرونز. أرى جامعة عين شمس، وأرى الفتيات ملتفات حولي، وأسمع ضحكة تلك الفتاة، ثم أرى الميدان ويوم افتتاح التمثال والناس. أعود بعيني إلى عبد الوهاب فأبتسم للمفارقة. وضعناه في باب الشعرية لنقول لأبنائها: هذا الرجل منكم، فافتخروا بمكانكم. ثم خرجت أنا من مصر، وبعد سنوات جاءت نسخة منه إلي هنا. كأن باب الشعرية، حين طال غيابي عنها، قالت لي: إن لم تستطع أن تأتي، فسأرسل إليك واحدا من أبنائي.
وربما تفسر هذه الحكايات لمن يعيشون حولي اليوم أشياء تبدو لهم صغيرة أو غريبة. لماذا أتوقف أمام مقهى قديم أكثر مما أتوقف أمام مبنى فاخر؟ لماذا تلفتني حارة ضيقة، أو مدرسة قديمة، أو كرسي على رصيف، أو باب خشبي، أو صورة لرجل رحل، أو تمثال؟ ولماذا يمكن أن تسعدني قطعة أثاث قديمة أكثر من أخرى جديدة؟ الأمر ليس ولعا بالقديم لمجرد أنه قديم. أنا أبحث في الأشياء عن البشر الذين مروا بها. مدرسة خليل أغا ليست عندي جدرانا؛ هناك طفل جلس يوما على مقعدها، ثم صار وزيرا، وعاد ليساهم في ترميمها. وتمثال عبد الوهاب ليس برونزا؛ وراءه فتاة كانت تخجل من عنوان بيتها. ومجمع نور ليس طابقين؛ وراءه أب لم يكن يملك مكانا يستقبل فيه عريس ابنته، وعروس أرادت ليلة تليق بفرحتها، وأم أرادت أن تزغرد دون أن تحسب كلفة الزغرودة، وشاب أراد مكانا يقول فيه رأيه، ومختلفان جلسا تحت سقف واحد دون أن يطلب أحدهما من الآخر أن يصير نسخة منه. لهذا أتعلق أحيانا بما يراه الآخرون تفاصيل صغيرة؛ فأنا لا أرى الأشياء وحدها، بل أرى من عاشوا حولها وما تركوه فيها من أثر.
ولهذا أيضا أحب بلاط في إسطنبول إلى هذا الحد. أذهب إليها كل أسبوع تقريبا، ويراني من حولي جالسا أمام فنجان قهوة في حي تركي قديم، ولا يعرفون دائما أين أكون. أرى المقهى التركي فتستدعي الذاكرة مقهى مصريا، وأسمع لغة أخرى فتصل إلى أذني نداءات شارع في باب البحر، وأدخل زقاقا فتقفز إلى رأسي حارة من الصوابي، وأرى دكانا قديما فأذهب إلى الموسكي. قد يكون جسدي في إسطنبول، لكن الذاكرة لا تعترف كثيرا بالجغرافيا؛ تستطيع رائحة واحدة أن تعبر بها البحار، وصوت عابر أن يعيدك عشرات السنين، ووجه لا تعرفه أن يذكرك بإنسان أحببته ولم تره منذ عمر. تلك هي الغربة في أصدق صورها؛ ليست أن تنسى، بل أن تتذكر فجأة، وفي مكان لا ينتظر منك أن تتذكر.
وحين أفكر في العودة يوما إلى القاهرة، لا أتخيل منصة، ولا استقبالا، ولا ميكروفونا. أتخيل قدمي فقط. أريد أن أمشي. أن أدخل باب الشعرية ببطء، وأمر بالنصر والصوابي والبنهاوي وباب البحر والعدوي وبركة الرطل، ثم أعبر إلى الموسكي والجامع الأحمر والنوبي والكوم، وأترك قدمي تقودانني إلى الجمالية والحسين. لا أريد دليلا؛ فالذاكرة ستكون دليلي. أريد أن أرى ماذا فعل الزمن بالمكان، وماذا فعل المكان بأبنائه، وأن أبحث في الوجوه الجديدة عن ملامح وجوه قديمة، وأن أقف أمام أماكن كنت أمر بها مسرعا لأكتشف، متأخرا، أنني كنت أمر بجوار أجزاء من عمري.
أعرف أنني سأسأل عن رجل فيقال لي: رحل. وعن آخر فيقال: كبر ولم يعد يخرج. وعن ثالث سأجد بابه مغلقا، فأقف أمامه لحظة كأنني أحيي غائبا لا أراه. وربما يخرج إلي ابن رجل عرفته، فأبحث في وجهه عن أبيه، أو حفيد فأكتشف فجأة كم مضى من العمر. وربما ألتقي شابا لا يعرفني، أو امرأة لا تتذكر اسمي، أو طفلا يركض في الحارة نفسها التي ركض فيها أبوه. لن أغضب من النسيان؛ فالمدن لا تحفظنا بالطريقة التي نريدها، لكنها تحتفظ بنا في تفاصيلها، كما نحتفظ نحن بها في تفاصيل لا يفهم قيمتها سوانا.
وربما لا يتذكر الناس وجهي، لكن قد يتذكر أحدهم أن رجلا وقف هنا طويلا، أو أن مكانا كان مفتوحا للفرح، أو أن ليلة الأربعاء كانت تجمع المختلفين، أو أن تمثالا أقيم في الميدان ليقول لطفل صغير: لا تخجل من المكان الذي جئت منه. سأمشي وأترك للشارع أن يختبر ذاكرتي. قد أبحث عن دكان اختفى، أو بيت تغير لونه، أو مقهى لم يعد في مكانه، أو طريق ظننته أطول فإذا به أقصر مما حفظته الذاكرة. ولن أحزن لأن الأشياء تغيرت؛ فالحياة التي لا تتغير تموت، أما الأماكن الحية فتبدل وجوهها وتحتفظ بروحها.
ما يزيد على عقد كامل من الزمان كنت فيه نائبا عن باب الشعرية والموسكي. ثم انتهت النيابة، وتغيرت الدوائر، وتبدلت القوانين، وتغيرت السياسة، وتغيرت مصر، وتغيرت أنا. لكن هناك دائرة واحدة لم تستطع السنوات أن تغير حدودها. دائرة لا تظهر في خرائط الانتخابات، ولا تحتاج إلى قرار بتقسيمها؛ حدودها من الذاكرة، وصناديقها في القلب، وأصواتها لا تسقط بالتقادم. هناك اكتشفت أن بعض العلاقات تبدأ بالسياسة ثم تنجو منها، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه السياسي خلفه ليس لافتة تحمل اسمه، بل بابا يظل مفتوحا له في بيت لم يعد يملك فيه صوتا انتخابيا.
في هذه الدائرة يحيى الطلياوي، وعادل الركيب، وإبراهيم كمال، ووحيد الكيلاني، وحامد، ومحمود ونبيل النحاس، وإبراهيم وإخوته، وعبده جابر وأسرته، وصبحي وهدان وأسرته، ومحمد سعد خطاب، والمهندس صلاح، ومحمد فؤاد وأسرة الشيخ فؤاد، وسامي فؤاد وشقيقه علاء، ومحمد جلال، وخالد ليلة، ومحمد برتقانة، ومحمد عبد الفتاح «بلبل»، وصبري أبو علم، وغيرهم كثيرون. بعضهم حاضر، وبعضهم غاب، وبعضهم فرقت بيننا الحياة. وربما أقرأ هذه الورقة غدا فيقفز إلى ذاكرتي اسم فألوم نفسي: كيف لم أذكره؟ والحقيقة أنني لم أنسه؛ خانني السطر، ولم يخنني القلب.
وفي هذه الدائرة أيضا فتاة صغيرة لا أعرف أين أخذتها الحياة. ربما تزوجت، وربما أصبحت أما، وربما تمر اليوم مع أبنائها بميدان باب الشعرية وتشير إلى تمثال محمد عبد الوهاب، دون أن تعرف أنها، بجملة قالتها ضاحكة خارج مدرج جامعي، كانت جزءا من حكايته. وربما دخلت مجمع نور يوما في فرح أو مناسبة، دون أن تعرف أن حديثها كان أحد الخيوط الأولى لفكرته. وهذه من أجمل أسرار الحياة؛ أن نقول كلمة ونمضي، بينما تبقى الكلمة في قلب إنسان آخر، فتكبر وتتحول إلى فكرة، ثم إلى تمثال، ثم إلى بيت للفرح، ثم إلى حكاية تتناقلها الذاكرة.
وحين أعود يوما، لن أبحث عن صورتي على جدار، ولا عن اسمي على مبنى، ولا عن أثر يقول إنني مررت من هنا. يكفيني أن أجد المكان ما زال قادرا على الفرح. أن أرى عروسا تخرج من بيتها، وطفلا يعرف أن محمد عبد الوهاب خرج من هنا، وشابا يستطيع أن يقول رأيه، ورجلين مختلفين يجلسان على مقهى واحد ثم يقوم كل منهما وفي قلبه مكان للآخر. عندها فقط سأعرف أن بعض ما حاولنا أن نفعله لم تأخذه السنوات معها، وأن الأثر الحقيقي ليس ما نكتبه على الحجر، بل ما يبقى في حياة البشر.
سأمشي في باب الشعرية والموسكي بلا صفة قديمة أستعيدها، وبلا منصب أطالب المكان بأن يتذكره. سأمشي كواحد من أهله. أسلم على من أعرف، وأسأل عمن غاب، وأتوقف أمام الأبواب التي أعرفها، وأبحث في وجوه الأبناء عن آبائهم. وربما أصل إلى الميدان، فأقف قليلا أمام عبد الوهاب، وأتذكر تلك الفتاة، وأبتسم. وربما أقول لها في سري، بعد كل هذه السنوات: أتمنى أنك لم تعودي تخجلين من عنوان بيتك. وأتمنى أنك قلت لأبنائك، إن كان لك أبناء، إن الحارات الضيقة قد تنجب أحلاما أوسع من الشوارع الكبيرة، وإن قيمة المكان ليست في اتساع طرقه، بل في اتساع ذاكرته وقلوب ناسه.
أما أنا، فقد تعلمت متأخرا أن الإنسان قد يغادر المكان دون أن يغادره المكان. يحمل شارعا في صوته، ومقهى في عاداته، ووجها في ذاكرته، وزغرودة في أذنه، وأغنية في قلبه. ثم يمضي بكل ذلك إلى بلاد بعيدة، فيظنه الناس وحيدا، بينما تمشي وراءه مدينة كاملة. وربما لهذا لا تكون الغربة مجرد مسافة بين إنسان ووطنه؛ إنها أحيانا ذلك الامتلاء المؤلم بالوطن، حين يصبح بعيدا عن اليد وقريبا إلى هذا الحد من القلب.
لذلك، إذا رأيتموني يوما في بلاط أتوقف أكثر مما ينبغي أمام مقهى قديم، أو أحدق طويلا في زقاق، أو أبتسم لرجل مسن يجلس أمام دكانه، فلا تتعجبوا. ربما لا أكون هناك. ربما أكون في باب الشعرية، أعبر الموسكي إلى الجمالية والحسين، وأمر على مدرسة خليل أغا، وأدخل ميدان باب الشعرية. أسمع من بعيد زغاريد قادمة من مجمع نور، وأصوات مساء الأربعاء، وأغنية قديمة لمحمد عبد الوهاب. وأرى وجوها أحببتها؛ بعضها رحل، وبعضها بقي، وبعضها لا أعرف أين أخذه الزمن.
كنت أظن، في زمن بعيد، أنني صرت نائبا عن باب الشعرية والموسكي. ثم مضى العمر، وفهمت الحكاية على نحو آخر. لم أكن أنا وحدي نائبا عنهما؛ لقد صارتا هما نائبتين عن مصر في قلبي. كلما ابتعدت، أعادتاها إلي. وكلما أثقلتني الغربة، فتحتا لي بابا قديما أدخل منه. وكلما خفت أن يأخذ الزمن شيئا مني، وجدته محفوظا هناك؛ في حارة، أو مقهى، أو مدرسة، أو أغنية، أو وجه إنسان طيب.
دخلت باب الشعرية والموسكي يوما نائبا، ثم خرجت منهما محملا بأهل. والأهل لا تنتهي مدتهم بانتهاء دورة برلمانية، ولا تغيرهم حدود دائرة، ولا تسقط صلتهم بالغربة. ولهذا، وبعد كل هذه السنوات والمسافات، لم يعد يهمني أن أقول إنني كنت نائبا عن باب الشعرية والموسكي. الأصدق أن أقول إنني كنت، وما زلت، واحدا من أهلهما.
وفي بعض أمسيات إسطنبول، حين أعود من بلاط وأمر أمام نسخة تمثال عبد الوهاب، تكتمل الدائرة كلها في لحظة واحدة. أتذكر الفتاة التي أخفت اسم حيها لأنها كانت تخشى أن تخجل منه، وأنظر إلى الرجل الذي خرج من الحي نفسه فصار اسمه جزءا من ذاكرة أمة، ثم أتذكر الأرض المثلثة، وحظيرة الخراف، والعرائس، ومنتدى الأربعاء، والأصدقاء والراحلين، وكل الذين مروا من هناك وتركوا شيئا منهم في المكان. عندها أفهم لماذا بقيت كل هذه التفاصيل حية في داخلي. لم تكن تفاصيل صغيرة أبدا؛ كانت حياتنا نفسها، متنكرة في هيئة أشياء صغيرة.
بعض الأماكن نسكنها زمنا، وبعض الأماكن تسكننا العمر كله. وبعض الأهل يمنحهم لنا الدم، وبعضهم تمنحهم لنا الحياة. وأهل باب الشعرية والموسكي من هؤلاء. دخلت إليهم يوما نائبا، فخرجت منهم واحدا منهم. غادرت المكان، وبقي المكان فيَّ. وابتعدت عنه آلاف الكيلومترات، فصار أقرب.
ولهذا، حين أقول باب الشعرية والموسكي، لا أتحدث عن دائرة انتخابية قديمة، ولا عن صفحة انتهت من حياة نائب سابق. أنا أتحدث عن قطعة من عمري، وعن أهل أحببتهم وأحبوني، وعن القاهرة كما عرفتها من أبواب البيوت والمقاهي والحارات، لا من شرفات السلطة. أتحدث عن مكان علمني أن كرامة الناس قد تبدأ من تفصيل يراه غيرهم صغيرا، وأن الفرح خدمة عامة أيضا، وأن الثقافة يمكن أن تولد في ميدان شعبي، وأن السياسة تصبح أجمل حين تتذكر أنها، في الأصل، حكاية بشر.
وربما يأتي يوم أعود فيه إلى الميدان، فأقف حيث بدأت الحكاية، وأنظر حولي فلا أجد كثيرا مما تركته كما كان. عندها لن أطالب الماضي بأن يعود، ولن أبحث عن صورتي فيه. سأغمض عيني فقط. سأسمع الفتاة تضحك. وأسمع أم عروس تزغرد. وأسمع مساء الأربعاء وهو يمتلئ بالجدل والغناء. وأسمع عبد الوهاب قادما من مكان بعيد في الذاكرة. وأرى وجوه الذين أحببتهم تمر أمامي، واحدا بعد آخر. ثم أفتح عيني، وأنظر إلى المكان، وأقول له ما لم أحتج يوما إلى قوله:
لم أنسك.
وسيكون ذلك كافيا. لأن بعض الأماكن نغادرها، وبعضها يظل ينتظرنا، وبعضها لا يحتاج أن نعود إليه أصلا؛ لأنه يختار، منذ البداية، أن يسافر معنا.
وباب الشعرية والموسكي… هما المكان الذي غادرته بجسدي، ولم يغادرني أبدا.







