د. أيمن نور يكتب ردًا على مقال د. عادل الركيب «هل يتسع الوطن لأبنائه؟»: بعض الأصدقاء أوطان.. وأنا لن أعود لمصر… لأني لم أغادرها أصلاً

قرأت كلمات الصديق والأخ والطبيب الإنسان الدكتور عادل الركيب عن مقالي «باب الشعرية والموسكي.. المكان الذي حملته معي»، ولم أستطع أن أكملها كما بدأت.
بدأتها قارئا.
وأنهيتها ودمعة في عيني.
ليس فقط لأن الدكتور عادل كتب عن غربتي، أو لأنه تمنى أن يتسع الوطن لأبنائه، بل لأن بعض الكلمات، حين تأتي ممن شاركوك جزءا حقيقيا من العمر، لا تقرأها بعينيك وحدهما.
تقرأها بذاكرتك كلها.
الدكتور عادل الركيب ليس عندي مجرد صديق قديم، ولا رفيقا في بعض الطريق، ولا طبيبا ماهرا عرفت علمه وخلقه.
الدكتور عادل رحلة داخل إنسان.
رجل ترك بصماته على حياتي، وصورته في قلبي، ومكانته في عقلي. ولن أنسى له فضلا شخصيا وإنسانيا كبيرا، بين أفضال كثيرة.
في مطلع التسعينات، حين كنا نحلم بأن نقدم لأهل باب الشعرية شيئا يتجاوز الكلام، فتح الدكتور عادل أمامي باب المستشفى الذي كان يملكه.
لم يقل: سأساعد.
بل سمح لي باستخدام المستشفى نفسه لنحوله إلى مستشفى مجاني لخدمة أبناء باب الشعرية.
وكم يبدو الفارق كبيرا بين من يتحدث عن خدمة الناس، ومن يضع ما يملكه بالفعل في خدمتهم.
هكذا عرفت الدكتور عادل؛ طبيبا يرى في المهنة رحمة قبل أن تكون عملا، وإنسانا يعرف أن أجمل ما نملكه هو ما نستطيع أن نخفف به ألما عن إنسان آخر.
وللدكتور عادل في ذاكرتي موقف آخر لا يقل عندي نبلا.
كان من بين الأسماء التي كان يمكن أن تقدم نفسها بقوة لخوض انتخابات مجلس الشعب عن دائرة باب الشعرية والموسكي عام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين.
وكانت لديه فرص حقيقية وميزات لا يمكن تجاهلها.
هو ابن المنطقة، ولد فيها وعاش فيها جل حياته، ومن عائلة أصيلة ممتدة الجذور في باب الشعرية. وكان أستاذا في جامعة الأزهر، الواقعة على تخوم المنطقة، وله أياد بيضاء على آلاف المرضى الذين عرفوه طبيبا وأستاذا وترددوا على مستشفيات الجامعة.
كانت تلك كلها أسبابا كافية لأن يقول: وهذه فرصتي.
لكنه لم يفعل.
بعقله وحكمته، وبذلك القلب الرقيق الذي عرفته فيه، اختار الدكتور عادل أن يقف إلى جواري.
لم يقف نصف خطوة.
ولم يتحول إلى منافس ينتظر تعثري.
كان سندا في كل شيء، بحب وصدق وفروسية، وبعملية كانت دائما واحدة من أجمل صفاته.
ومع مرور السنوات، تتراجع في الذاكرة أرقام الانتخابات والنتائج واللافتات، ويبقى هذا النوع من المواقف.
فالإنسان قد ينسى من نافسه على مقعد.
لكنه لا ينسى أبدا من كان يستطيع أن ينافسه، فاختار أن يقف إلى جواره.
لهذا، حين قرأت اليوم كلمات الدكتور عادل عن حقي في الحنين، وعن وطن ينبغي أن يتسع لأبنائه، لم أقرأ موقفا سياسيا مجردا.
قرأت الرجل نفسه.
الرجل الذي فتح مستشفاه يوما للفقراء، وكان يستطيع أن يخوض سباقا سياسيا فاختار الصداقة والسند، يفتح اليوم في كلماته نافذة للأمل.
وحين كتب أن الخلاف السياسي لا ينبغي بالضرورة أن يصبح حكما مؤبدا بالغربة، شعرت أن المسافة بين القاهرة وإسطنبول صارت للحظة أقصر كثيرا.
يا دكتور عادل..
اختلفنا واتفقنا، كما يفعل الأصدقاء وكما تفعل الحياة.
مرت السياسة من حولنا، وتبدلت مواقع وأزمنة ووجوه، لكن بقي شيء لا تستطيع السياسة أن تصنعه، ولهذا يصعب عليها أن تهدمه:
العِشرة.
ذاكرة عمر.
ويد امتدت في وقتها.
وموقف بقي بعد أن نسي الناس عشرات الخطب والمعارك.
كتبت يا دكتور عادل أن الإنسان يستطيع أن يخاصم السياسة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يخاصم وطنه داخل قلبه.
وأضيف:
ربما يستطيع الإنسان أن يبتعد عن بيته، لكنه لا يستطيع أن يمنع البيت من الإقامة فيه.
لهذا كتبت عن باب الشعرية والموسكي.
ولهذا أبكي أحيانا وأنا أكتب عن شارع، أو مقهى، أو وجه قديم.
ليس لأنني أعيش في الماضي، بل لأن بعض ما نسميه «الماضي» يظل حيا فينا أكثر من أشياء كثيرة نعيشها كل يوم.
أما مصر، فلم تكن عندي يوما حكومة كي أحبها أو أختلف معها.
مصر أكبر من الحكومات.
وأبقى من الحكام.
وأوسع من خلاف سياسي مهما طال.
هي الناس والشوارع والبيوت والأصدقاء.
وهي مستشفى فتحه الدكتور عادل الركيب يوما للفقراء.
وهي باب الشعرية والموسكي.
وهي صديق كان يستطيع أن ينافسك، فاختار أن يسندك.
وهي كل إنسان نختلف معه، ثم نكتشف في لحظة إنسانية صادقة أن ما يجمعنا أعمق كثيرا مما فرقت بيننا السياسة.
شكرا يا دكتور عادل.
شكرا لأنك لم تكتب عن سياسي بعيد عن وطنه.
كتبت عن صديق تعرفه.
وشكرا لأنك ذكرتني، من حيث لا تقصد، بأن بعض ثروتنا الحقيقية في هذه الحياة ليست ما جمعناه، بل من جمعناهم في قلوبنا وجمعونا في قلوبهم.
وأنت يا صديقي وأخي من هؤلاء.
أما باب العودة الذي تمنيت أن يظل مفتوحا، فأنا مثلك أؤمن أن أبواب الأوطان الحقيقية أكبر من أن يغلقها خلاف إلى الأبد.
قد نختلف على السياسة.
وقد تختلف تقديراتنا للماضي والحاضر.
وقد يبقى لكل منا موقفه ورؤيته.
لكن العودة لا تشترط التطابق، والمحبة لا تستلزم الاتفاق، والوطن أوسع من الجميع.
ويبقى بيننا شيء لا يحتاج إلى اتفاق سياسي:
الوطن بيتنا جميعا.
وإذا كانت الغربة قد علمتني شيئا، فهي أن الإنسان قد يغادر وطنه سنوات طويلة، لكنه فعليا ، لم يغادر لحظه، فالوطن إن سكن القلب حقا، لا يمكن ان يغادره.
وأنت يا دكتور عادل، بكلماتك التي أبكتني اليوم، لم تفتح أمامي بابا للذاكرة فقط.
لقد طرقت بابا في القلب ظل مفتوحا كل هذه السنوات.
محبتي وامتناني لك دائما،
يا صديقي وأخي الحبيب الغالي الدكتور عادل الركيب.







