
على كل سلطةٍ رشيدةٍ أن تبحث عن “أسامة الباز”، فقد صار مهنةً أو مهمةً وليس مجرد شخص له منصب أو موقع متقدم في نظام سياسي، خاصة لدى السلطات التي تتوهم أنها تعرف كل شيء، وتقدر أي شيء، وبوسعها أن تقرر كل الأشياء.
تحدثت مؤخرًا في بودكاست عن حاجة النظام الحاكم الحالي في مصر إلى “شفعاء”، أو “وسطاء” حقيقيين بعيدًا عن حملات “العلاقات العامة” التي تُطلق من وقتٍ إلى آخر، ثم تخمد، دون أن تؤدي أي دور في استعادة ثقة مفقودة، أو تضييق هوة تتسع بمرور السنوات، أو استعادة شعبية نزفت حد الاحتضار.
كان أسامة الباز عند كثير من المعارضين، همزة وصل مع السلطة خاصة في أوقات الأزمات، وكان جسرًا طالما عبر عليه أصحاب المطالب في سبيل تحقيقها، وتعامل معه الكل على أنه ليس مجرد دبلوماسي، صار مستشارًا لرئيس الجمهورية مكلفًا بمهام في السياسة الخارجية، إنما رجل عليه التدخل حين تشتد الأزمات، وتحتدم الكروب في الداخل، ويسوء التفاهم بين المعارضين، أيًا كانت اتجاهاتهم، وبين السلطة السياسية في عهد مبارك.
مطفئ الحرائق
رأيت الدكتور أسامة الباز أول مرة رأي العين عام 1987 في لقاءٍ معه، استضافته كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وكنت طالبًا في أول السنة الثالثة، وفيه شاهدته يحل أول مشكلة بين السلطة والمعارضة، أو بشكل أكثر دقة بين أمن الجامعة وأحد الرموز السياسية لـ”جماعة الإخوان المسلمين”.
قَدَّم الدكتور علي الدين هلال الباز للجالسين، ولم يكن بالطبع مجهولًا لأغلبنا، وما إن انبرى الباز متحدثًا عن التطور الديمقراطي النسبي الذي تشهده مصر، بعد الانتخابات البرلمانية لعام 1987 التي حازت فيها المعارضة عدد مقاعد أكبر من سابقاتها، خصوصًا مرشحي “التحالف الإسلامي”، حتى قام له أحد الشباب في القاعة مقاطعًا: أي تطور ديمقراطي يا دكتور، والأمن يمنع نائبًا بالبرلمان من حضور هذا اللقاء؟ توقف الباز عن الحديث، متوجهًا بسؤال استفهامي إلى صاحب السؤال الاستنكاري: تقصد من؟ أجابه على الفور: الدكتور عصام العريان محجوز عند الباب الرئيسي للجامعة.
سَرَت مسحة خيبة وغضب في وجه الباز، ثم رأيناه يتوجه إلى الدكتور علي الدين هلال قائلًا:ـ أريد قائد حرس الكلية. فأشار هلال إلى أحد المعيدين طالبًا منه استدعاء العقيد شاهر، وكان مكتبه في الطابق الأول على بعد خطوات من مدرج الدكتور خيري عيسى الذي يشهد اللقاء، فنهض مسرعًا إليه، وعاد به. ويبدو أن المعيد قد أخبر الضابط بأن الباز يريده، فانفتح الباب عنه مرتبكًا، وما إن رآه الباز حتى قال له: اذهب فورًا إلى الباب الرئيسي، واصطحب الدكتور عصام العريان إلى هنا.
ولم يمض سوى الوقت الذي يستغرقه الذهاب والعودة هرولة، حتى دخل العريان المدرج فضجت القاعة بالتصفيق، وإذا بالباز يقول له: أرجو أن تقبل اعتذاري، فصفق الجالسون مرة أخرى.
كنا وقتها، نحن طلبة قسم العلوم السياسية، نعلم من لسان أحد أساتذتنا أن الباز قد نصح الرئيس مبارك أن يستضيف في رئاسة الجمهورية والد ووالدة أحد شباب الجماعة الإسلامية الذي قتله فرد أمن عند مسجد الجمعية الشرعية بمدينة أسيوط عام 1986، حتى لا تحسب الجماعة أنها سياسة مقصودة للسلطة وقتها، فنزل مبارك عند نصيحته، واعتذر للأب والأم، وأمر بأن يَحُجَّا على نفقة الدولة، فحُقنت دماءٌ كان يمكن أن تسيل وقتها.
تواضع وحكمة
المرة الثانية التي رأيت فيها الباز كانت في ندوة انعقدت عام 1993، وكنت قد تخرجت في الجامعة، وأنهيت خدمتي العسكرية ضابطًا احتياطيًا، وعملت بالصحافة. جلس الباز في الصف الأخير، وكان يفعل هذا دومًا، وكنت أجلس قبالته، فرأيت رجلًا مفتول العضلات، ممشوق القوام، يقف خلفه، أمام باب القاعة، ولا يكف عن الالتفات يمنة ويسرة، فأدركت أنه حارسه. قمت إليه، وسألته: هل حضرتك حارس الدكتور أسامة؟ هز رأسه قائلًا: نعم. ابتسمت، وقلت له: الدكتور أسامة ليس في حاجة إلى حراسة، كلنا نحرسه. وصل ما قلته إلى سمع الباز، فابتسم، وقال للحارس: يمكنك الجلوس في أي مكان.
وذات مرة، في صيف عام 1997، وأثناء غضبة الصحفيين على الأستاذ مصطفى نجيب رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط، التي عملت بها في شبابي، كنت أمر على الرصيف الأيمن من شارع قصر العيني، ووقع بصري على الدكتور أسامة يمضي على الرصيف الأيسر في اتجاه ميدان التحرير، وقد وضع حقيبته فوق رأسه لتقيه الشمس القادحة، فعبرت الشارع إليه مسرعًا، واستوقفته، وعرَّفته بنفسي، وقلت له: إلى متى ستبقون هذا الرجل في منصبه، والغضب منه يزيد كل يوم، وقد تركت الصحفيين يستعدون لتنظيم اعتصام بالمؤسسة أو بنقابة الصحفيين، وربما يتطور الأمر إلى إضراب عن العمل.
ابتسم، وقال: لا داعي لهذا، عليك طمأنة زملائك بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وقريبًا سيأتيكم خبر مفرح.
كان الباز هو مسعف المحررين الذين يعملون بمكاتب الصحف العربية حين يكون هناك حدث مهم، وسمعنا بعدها عن تغييرات قادمة لرؤساء تحرير الصحف، لكن الأمر تأخر كالعادة في زمن مبارك، ومرت الشهور ثقيلة، حتى جاء مطلع فبراير بالخبر الذي وعد به الباز، فذهب نجيب وحل مكانه الأستاذ محفوظ الأنصاري.
رأيت الباز بعدها وكان يقف أمام ماسح الأحذية في ميدان التحرير، عند إحدى بوابات محطة المترو، وقد وضع إحدى قدميه على الخشبة، والثانية على البلاط، والرجل منهمك في مسح حذائه، دون أن يدري شيئًا عن الرجل الكبير الواقف أمامه. ورأيته مرة أخرى بين الركاب في المترو، وقد تحلق حوله الناس يحدثونه، وهو يُقبل عليهم في اهتمام شديد، ولا يفارق الرضا والامتنان محياه.
كان الباز هو مسعف المحررين الذين يعملون بمكاتب الصحف العربية حين يكون هناك حدث مهم في السياسة الخارجية، لأنه لا يرد سائلًا، ولا يتأفف أو يتضجر أو يتردد في الإجابة عن أي سؤال. وكثيرًا ما كان زميلي المرحوم أشرف الفقي يتصل به، وكان الهاتف المحمول وقتها قد دخل حديثًا إلى مصر، كي يستكمل قصة خبرية لصحيفة “الحياة” اللندنية، فيأتينا صوت الباز المميز هينًا لينًا، لا يترك سائله حتى يجيب عمَّا يريد.
جلس الباز بين ثوار يناير وقال “طول عمري كنت بين الناس”
وسألت المرحوم الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين الأسبق ورئيس مجلس إدارة دار الهلال ذات مرة عن دور الباز في واقعة مقالات الأستاذ محمد حسنين هيكل التي كتبها عام 1982، في أول عهد مبارك لتنشر بمجلة “المصور” التي كان مكرم يرأس تحريرها، فقال: أرسلتها في مظروف إلى الرئاسة لأستئذن في نشرها، فجاء به إليَّ الدكتور أسامة الباز، وأبلغني أن الرئيس يطلب التمهل في نشرها.
كان هذا رفضًا مهذبًا وقتها، وظلت المقالات حبيسة الأدراج حتى نشرها هيكل تباعًا في صحيفة “المصري اليوم” عام 2008. وسألت الأستاذ مكرم عن حال الباز وقت أن رد إليه هذه المقالات، فقال: تصرف كدبلوماسي قدير، لم يكن رفض معاودة الأستاذ هيكل الكتابة يروق له، لكنه لم يكن سوى رسول حصيف، وطلب مني أن أبلغ هيكل بالقرار دون أن أجرح مشاعره، وأن أؤكد له أن هذا أمر مؤقت، وأنه سيعمل على حل المشكلة.
حين جاء الباز إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط في مايو/أيار 2000 مصطحبًا جمال مبارك للقاء الصحفيين، في أول انفتاح نجل الرئيس على الناس، كنت قد سافرت للعمل خارج مصر، لكن سألت من حضروا عما دار، فعرفت أن الباز كان متفهمًا لكل ما طرحه الحاضرون من آراء، بعضها لم يجامل السلطة السياسية، وحافظ دومًا على سمته كرجل لا يسترخص رأسه، ولا يتعالى على الناس.
واعتبر البعض وقتها أن الرئيس، وربما السيدة قرينته، قد أحسنا اختيار الرجل الذي يبدأ معه نجلهما الانفتاح على الناس، فالباز كان له من الرأسمال الاجتماعي الذي يغري أي سلطة بالاستفادة منه.
ومرت سنوات، وترامت أخبار تقول إن ذاكرة الدكتور الباز لم تعد تعمل بالقوة نفسها التي ظلت عليها زمنًا طويلًا، وأن صلته بالسلطة السياسية قد ترققت حتى وقفت على باب الانقطاع، حتى رأيناه قادمًا إلى ميدان التحرير وقت ثورة يناير، وكان كعادته بسيطًا هادئًا، ليجلس بين الثائرين على حافة الكعكة الحجرية، وهو يقول: طول عمري كنت بين الناس.
تفييش الهوامش.. موسم العودة إلى أسطوات مبارك
نطق الباز وقتها بالحقيقة، فهو رجل عاش متواضعًا، مفتوح الصدر والباب، أمام كل من قصده، وطالما لعب أدوارًا مهمة تمتد من تليين الحالة السياسية إن تيبست، إلى إطفاء الحرائق إن اشتعلت، وظل لسنوات جسرًا بين المعارضة والسلطة، وهمزة وصل بين معتنقي مختلف الأفكار السياسية، لا يتحدث، ولا يعمل إلا ما يحقق الصالح العام، حتى حسبناه صاحب دور ومهمة، أو هو في حد ذاته مهنة أو وظيفة يجب توافرها في أي نظام سياسي مصري، طالما لم تنتقل بلادنا إلى ديمقراطية كاملة، بسياقها ومنظومة قيمها وأطرها الحاكمة وإجراءاتها.
المصدر: موقع المنصة







