
شاهدت أبي أخيراً بعد سنوات من الفراق..
هرعت إليه لأرتمي في أحضانه وأتعلق به، وعندما أقتربت اصطدمت بقضبان غير مرئية منعتني من الوصول إليه!!
صرخت مناديا أغلى الناس، وكلما حاولت التقدم منه وقفت تلك القضبان حائلا بيننا!!
أبي سجين.
والأغرب من ذلك كله أنه يرتدي زي شيخ!
لم أصدق عيني في البداية، لكن عندما دققت النظر شاهدت العجب العجاب..
“إحسان عبدالقدوس” يرتدي ملابس رجل دين ويبدو على ملامحه التجهم والضيق وكأن هذه الملابس تقيده..
بالتأكيد هو موحد ومؤمن بالله، لكنه ليس شيخاً..
نظر نحوي في توسل مستنجدا..
“فاتن حمامة”، “لبنى عبدالعزيز” ، “عبدالحليم حافظ”،
أبي سجين أريد فك أسره ما دخل هؤلاء الفنانين في ذلك؟؟
يا رب ارحمني..
أنقذ والدي.
وفجأة تذكرت:
كل هؤلاء الذين ذكرهم أبي من أهل الفن هم أبطال قصصه التي ظهرت في السينما، وأسرعت إلى أفلام والدي القديمة أشاهدها من جديد لعلي أكتشف ما يساعدني على فك أسره..
فيلم “الوسادة الخالية” بطولة “حليم” و”لبنى عبدالعزيز” وقصة الحب الأول الذي يمكن للإنسان أن ينساه إذا وجد الحب الحقيقي في حياته..
وفيلم “أنا حرة” بطولة “لبنى عبدالعزيز” و”شكري سرحان” و جدي “محمد عبدالقدوس”..
وخلاصتها كما يقول أبي: ليس هناك حرية مطلقة..
فالحرية مسئولية وقبل أن تطالب بحريتك أسأل نفسك لأي غرض تريدها؟؟
“كلام في منتهى الحكمة”.
وفيلم “الطريق المسدود” بطولة “فاتن حمامة” ويتحدث عن فتاة شريفة وسط أسرة ومجتمع منحل..
وكل هذه القصص نماذج لها واقع من حياتنا..
كان كاتبنا بارعاً بحق..
فما الذي جرى؟؟
ومن هذا الذي ألبسه زي شيخ؟؟
ولم أكتشف في هذه الأفلام ما يمكن أن ينقذ أبي ويفك أسره وهو يستنجد بي لأنقذه وأنا مشلول الحركة لا أدري ماذا أفعل، وبكيت كثيراً وأنا أتضرع إلى الله بحرارة..
يا رب أنقذ والدي وفك أسره.
وجاءني هاتف رباني يقول القصص القصص..
صوت يرتفع تدريجياً حتى تحول إلى رنين ضخم له أصداء في كل مكان..
إقرأ قصصه..
إقرأ قصصه!
ترى من أين أبدأ القراءة،ولم أجد عناء في معرفة الإجابة..
وضعت نصب عيني القصص التي تحولت إلى أفلام وذكر حبيبي أسماء نجومها، وبدأت بقصة “أنا حرة”، ثم بقية رواياته وحكاياته..
أكتشفت تشويه فظيع من الناشر..
جريمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الأدب كله، الكاتب المبدع ظهر في الطبعات الجديدة رجل دين متجهم بأفكار رجعية متزمتة..
لقد أراد الناشر تحويل قصصه إلى مجموعة مواعظ..
الآن فقط عرفت سر أزمة أبي..
شكراً لك يا رب.
وتم إعلان حالة الطوارئ في أسرة “إحسان عبدالقدوس” رحمه الله..
أقيمت غرفة عمليات ضمتني أنا وأخي “أحمد” وبعض الأصدقاء والكتاب من عشاق والدي وعلى رأسهم صديقنا العزيز “حلمي النمنم” وهو أول من أكتشف التزوير في كتبه..
وقمنا بمراجعة شاملة لأعمال كاتبنا الكبير والدنا العزيز..
ماذا فعلوا بك يا أبي؟؟
كان معك حق عندما تدخلت طلبا النجدة بهدف إنقاذ كتبك، لم تقدر على الصمت وأنت في علياءك.
وبدأت أرى ثمار دفاعنا عن تراث الحبيب الغالي..
شاهدت قيوده تنكسر الواحدة تلو الأخرى..
الحمد لله..
إبتسامته الحلوة عادت إليه..
رائع وهو يبتسم!!.
شكراً يا “مادا” أرجوك أشكر “أحمد” شقيقك وصديقكم “حلمي النمنم”..
“مادا” .. “مادا” ..
هذا هو الاسم الذي كان يناديني به دوماً بدلاً من “محمد”.
قلت له وأنا أتطلع إليه في السماء..
اريد الاقتراب منك وتقبيلك..
أجاب بابتسامته الحلوة وهو سعيد وفرحان: هذا أمر صعب..
فنحن نعيش في عالمين مختلفين تماماً..
لكنني سأرسل لك قبلة من بعيد.
وكانت المفاجأة المذهلة..
انطبعت قبلة أبي على جبيني رغم أنه لم يقترب مني..
اجمل قبلة في حياتي..
كيف حدث هذا؟؟
عجيب ذلك العالم الآخر الذي يعيش فيه أبي.
محمد عبدالقدوس
ملاحظة: هذه القصة كتبتها أوائل التسعينيات من القرن العشرين بعد إكتشاف التزوير الفظيع الذي أحدثه ناشر كتبه بعد وفاته..
وأرجو أن تكون قصتي قد نالت إعجابك.
محمد عبدالقدوس







