
لي مع جنوب السودان حكايات
كنت سفيراً لمصر في أوغندا، وأتابع عن قرب المفاوضات الحاسمة في ” ماتشاكوس” في كينيا، من خلال إتصالات مستمرة مع سفيرتنا في نيروبي السفيرة / نيرمين وفيق، وكذلك مع الصديق العزيز السفير سراج الدين حامد سفير السودان في أوغندا، والذي كان يسافر بشكل دوري في مأموريات إلي متشاكوس للإنضمام إلي وفد السودان في المفاوضات، بوصفه خبير قانوني متميز.
وكان كلما عاد إلي كمبالا يتصل بي كي نلتقي سواء لديه أو في دار سكن السفير المصري في أوغندا، في أي ساعة من ساعات الليل أو النهار، وأعرف منه تفاصيل ما دار، ونتناقش سوياً في الجدوي القانونية لكل بند من بنود الاتفاق.
وكنت قد التقيت أيضاً مع زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان / جون جارانج أثناء زياراته لأوغندا ولقاءاته مع الرئيس يوري موسيفيني.
وكان يؤكد لي أنه أكثر حرصاً علي وحدة السودان من حكام الخرطوم، وأهداني كتاباً له يتضمن رؤيته لسودان واحد ديمقراطي.
كما سمعت منه عن أمور ربما لن يحن أوان الكشف عنها (ومن أسف أن هذا القائد توفي أثناء عودته من أوغندا إلي جوبا في حادث طائرة الرئاسة الأوغندية المروحية)
وبطبيعة الحال كانت القاهرة تتلقي معلومات مفصلة عن كل ذلك، حيث أن مصر لم تحضر تلك المفاوضات التي أشرفت عليها لجنة من منظمة الإيجاد الإفريقية وشاركت فيها كل من كينيا، وأوغندا وأثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، بالإضافة إلي ممثلين لكل من أمريكا وبريطانيا والنرويج، كما شارك بنشاط في الصياغات وتقريب وجهات النظر خبراء من كل من جنوب إفريقيا وسويسرا.
ويتضح من التشكيل السابق هيمنة شبه كاملة لدول كانت تدعم وبشكل واضح الحركة الشعبية لجنوب السودان، وبعضها كانت تمد المتمردين بالمعدات والأسلحة وتشجع علي الإنفصال مثل أثيوبيا وأوغندا وكينيا
كان غياب مصر عن الحضور حتي كمراقب مثاراً لتساؤلات، وربما لم يحن الأوان أيضاً للكشف عن الأسباب
وقرب إنتهاء المفاوضات في كينيا، نجحتُ في الحصول علي نصوص مشروع “بروتوكول متشاكوس” كاملة قبل التوقيع عليها، وكانت الخلافات لا تزال قائمة حول مجموعة من مواده.
وأتذكر أنني أمضيت ليلة كاملة في دار السكن مع السفير السوداني الصديق نتبادل الرأي القانوني حول كيفية التخلص من المواد التي تمثل بالفعل تمهيداً للإنفصال، مع الحفاظ في نفس الوقت علي مبدأ “حق تقرير المصير” بوصفه حقاً مشروعاً.
آتذكر أننا فكرنا في إقتراح إطالة الفترة الإنتقالية، وأن يشمل الإستفتاء شمال وجنوب السودان علي إعتبار أن المصير يتعلق بكل سكان السودان، وحقيقة وجود أعداد كبيرة من أهل الجنوب تعيش وتعمل في الشمال.
كما رأيت إضافة بعض الدول العربية/الإفريقية إلي هيئة مراقبة الاتفاق وترتيبات الوحدة
وقمت بإرسال كل ما تقدم إلي القاهرة (ولم تكن هناك أي معلومات حول مشروع البروتوكول قد تسربت) وأرفقت تعليقاً مختصراً بملاحظاتي القانونية عليها، متوقعاً أن يلاقي ذلك تقديراً ما.
لكنني فوجئت برسالة من الوزير المحترم / أحمد ماهر تقول بإختصار: ” أنت سفير لمصر، ولست مستشاراً قانونياً للوفد السوداني!”
قيل فيما بعد: ” ليت حكومة السودان قد أخذت بالملاحظات ”
وفي مذكراتي الكثير حول ما دار خلال تلك الفترة ( ضاع جزء منه للأسف في زحمة التحرك والإنتقال عبر السنين ) ومنه لقائي مع السفير السوداني سراج الدين يوم 21 يوليو 2002 بعد أن تم توقيع بروتوكول متشاكوس في اليوم السابق (بتعديلات طفيفة بناء علي المقترحات) ويومها قلت للسفير السوداني أن ” إنفصال جنوب السودان قد تم التوقيع عليه أمس، والباقي مجرد تفاصيل ”
وقد تم فيما بعد توقيع إتفاقية السلام الشامل في ” نيفاشا ” ( 9 يناير 2005 ) الذي قاد إلي الإستفتاء والإنفصال فيما بعد
وكانت مهمتي في أوغندا قد انتهت، وعدت للقاهرة لتولي إدارة السودان (وهي من أهم الإدارات المستقلة عن التقسيم الجغرافي لقطاعات الوزارة) وكانت الإستراتيجية التي أعددتها للعلاقات مع السودان ملخصها:
” أن نتعامل مع السودان كله وكأن الإنفصال لا ينبغي أن يتم، ونتعامل مع جنوب السودان وكأن الإنفصال قائم بالفعل”
وقد أسست تحركاتي علي هذه القاعدة، ومنها مثلاً زيارة إلي جنوب السودان لتعيين قطعة أرض تخصص لبناء قنصلية مصرية في جوبا، وإصطحابي لخبراء من وزارة الكهرباء لتوقيع إتفاق لإنشاء محطة لتوليد الكهرباء في مدينة “واو” بطاقة 11 ميجاوات تقريباً.
فضلاً عن مباحثات للتعرف علي مطالبهم سواء استقلوا عن الشمال ام استمروا ضمن دولة واحدة
وقابلت خليفة جارانج القائد سيلفا كير ميارديت ومجموعة من قيادات الحركة الشعبية، وقمت برفع علم مصر علي قطعة الأرض التي وافقوا علي تخصيصها لقنصلية مصر، لنحقق بذلك سبقاً دبلوماسياً علي الدول الأخرى..
لم يتوقف إهتمامي بالشأن السوداني حتي بعد تقاعدي، وكم آلمتني الأخبار المحزنة عن الحرب الأهلية التي تجددت داخل السودان ( آو ما تبقي منه) وشاهدت مناطق كنت قد قمت بزيارتها مثل دارفور ( وكانت لنا فيها مستشفي ميداني تتحمله مصر بشكل كامل )
كان أهل السودان يحيطون بالوفد المصري في كل مكان، بحب وترحاب واضح، بعض هؤلاء الآن ربما أصبحوا ضحايا ذلك الإقتتال الداخلي الغبي.
ومؤخراً لا حظت بعض التصرفات من حكومة جنوب السودان مثل توقيعهم علي الاتفاق الإطاري لحوض النيل في أكتوبر 2024 (وهو ما تتحفظ علي بعض مواده مصر والسودان)
وحاولت قراءة ما يصدر عن حكومة الجنوب وأنا علي ثقة إن العلاقات بين مصر وجنوب السودان متينة، وأننا نواصل الإسهام في مشروعات البنية الأساسية للجنوب، واعتقدت أن هناك تنسيق ما معهم في هذا الشأن، للعمل علي تعديل تلك المواد التي تعد غير مناسبة (حتي بالنسبة لجنوب السودان بإعتبارها أيضاً دولة مصب / ومعبر)
ولكن فوجئت مؤخراً بتصريح لوزير الطاقة والسدود الجنوب سوداني / آغوك ماكور ماكور الذي قال فيه ” إن حكومة جوبا تمضي قدماً في خطط بناء سد فولا قرب الحدود مع أوغندا “مؤكداً: ” أن بلاده لا ينبغي أن تخشي تطوير مشروعاتها المائية بصفتها إحدي دول حوض النيل ” ثم ( وهذا ما لم يكن مفهوماً ) أشار إلي أن “دول الحوض بما فيها مصر تنفذ مشروعات مائية … وبوصفي وزير للطاقة أؤكد أننا مستعدون لبناء سدنا “!
والواقع أن هناك الكثير مما يمكن قوله في هذا الموضوع، ولكن هناك الأكثر مما يتعذر البوح به.
تصريح الوزير الجنوب سوداني يبدو منفصماً عن سياق العلاقات بين البلدين، ويحمل لغة ” غير سودانية ”، وخطاباً سمعنا مثله من قبل، وغني عن الذكر أن موضوع سد فولا علي النيل الأبيض أو غيره، يمكن التوصل فيه إلي ترتيبات تساعد الأشقاء، ولا تضر بمصر أو السودان، ومصر قد أسهمت مؤخراً في بناء سد ” جوليوس نيريري ” في تنزانيا، بما يؤكد مصداقية مصر في التعاون مع دول الحوض في مشروعات التنمية بما في ذلك السدود بما لا يخالف القانون الدولي، وربما يكون من اللازم التواصل مع الأشقاء في جنوب السودان لأننا في نسق إستراتيجي واحد، فكلانا في نفس القارب حيث أن جنوب السودان في نهاية الأمر دولة مصب، فضلاً عن إنطباق الإتفاقات مع السودان وفقاً لقاعدة توارث المعاهدات …
لابد من سرعة إغلاق النوافذ أمام مثل هذه الزوبعة الطارئة التي تحمل سموماً لا يجوز أن تدخل البيت المصري / السوداني الواحد، والذي يستند علي أسس عميقة في التاريخ، ويتطلع إلي آفاق أرحب من التعاون في المستقبل..







