مقالات وآراء

ساسية بكاري تكتب: حرب الاختناقات.. ما القطعة الصغيرة التي قد تغيّر مسار حرب إيران؟

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائمًا في عدد الصواريخ التي يمتلكها كل طرف، بل أحيانًا في قطعة صغيرة لا يستطيع إنتاج الصاروخ من دونها.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«نقطة الاختناق» وهي الحلقة التي تعتمد عليها سلسلة الإنتاج كلها، بحيث يؤدي تعطلها إلى إبطاء المنظومة أو وقفها مهما بقي لدى الدولة من مال أو مصانع أو مخزونات.

بعد نحو سبعة أشهر من الحرب على إيران، يبدو التفوق العسكري الأمريكي الإسرائيلي واضحًا في القوة الجوية والتكنولوجيا والاستخبارات والقدرة على الوصول إلى أهداف داخل الأراضي الإيرانية. لكن استمرار الحرب يكشف سؤالًا أكثر أهمية من حساب عدد الصواريخ والمنصات التي دُمّرت.

أين توجد الحلقة التي إذا تعطلت تتراجع قدرة الخصم على إعادة إنتاج قوته؟

هذه ربما هي الحرب الخفية خلف الحرب الظاهرة.

فإيران عادت إلى إنتاج صواريخ باليستية بكميات محدودة اعتمادًا على مكونات موجودة لديها واستمرار العمل داخل منشآت محصنة وتحت الأرض. والأهم هنا ليس أن طهران صنعت صواريخ جديدة، بل أن تدمير المخزون لم يساو تدمير القدرة على الإنتاج.

وهذا يغيّر طريقة قراءة الحرب.

إذا دمرت ضربة عشرات الصواريخ لكن خطوط التجميع بقيت تعمل، فإن الخسارة يمكن تعويضها. أما إذا بقيت الصواريخ في المخازن لكن انقطع مكوّن أساسي لا يمكن استبداله، فقد يتباطأ الإنتاج كله وتتحول الخسارة من مؤقتة إلى بنيوية.

لذلك قد تكون المعركة الحقيقية ليست على الصاروخ نفسه، وإنما على سلسلة الأشياء التي تجعله ممكنًا. أنظمة التوجيه، والمكونات الإلكترونية، والمواد الصناعية، والوقود، والآلات الدقيقة، والتمويل، وشبكات الاستيراد، والخبرات البشرية.

وهنا تصبح العقوبات والنفط والتجارة جزءًا مباشرًا من الحرب العسكرية.

إيران لا تحتاج إلى تصنيع كل شيء داخل حدودها، لكنها تحتاج إلى إبقاء عدد كاف من الحلقات الحرجة مفتوحًا. فإذا استمرت قنوات التمويل والتجارة والوصول إلى التكنولوجيا، تستطيع امتصاص جزء من خسائرها وإعادة تشغيل دورة الإنتاج.

أما إذا نجح خصومها في إغلاق هذه الحلقات الواحدة تلو الأخرى، فقد يصبح تعطيل مورد أو قناة مالية أو مكوّن تقني أكثر تأثيرًا من قصف مخزن كبير يمكن تعويضه لاحقًا.

وتزداد أهمية هذه المعادلة عندما ينتقل الضغط من المصنع إلى الاقتصاد الذي يموله.

فاستمرار الإنتاج العسكري يحتاج إلى إيرادات وطاقة وعملة صعبة ونقل وقدرة على الاستيراد. وإذا بدأت هذه العناصر في التراجع معًا، فإن المشكلة لا تعود نقصًا في نوع محدد من السلاح، بل عجزًا تدريجيًا عن إعادة إنتاج القوة بالمعدل الذي تستهلكه الحرب.

وهنا تظهر المفارقة.

القوة العسكرية الحديثة لا تقوم فقط على ما يوجد في المستودعات، بل على ما تستطيع الدولة إنتاجه بعد استهلاك الموجود.

وهذه المشكلة لا تخص إيران وحدها، وإن كان الفارق في الموارد والقدرة الصناعية هائلًا لصالح الولايات المتحدة.

فالحرب الطويلة تستهلك صواريخ اعتراضية وذخائر دقيقة ومنظومات متقدمة، وبعضها يحتاج إلى وقت طويل نسبيًا لتعويضه. ولهذا تسعى واشنطن إلى توسيع خطوط الإنتاج وتسريع تصنيع الصواريخ والمكونات الدفاعية.

لكن الولايات المتحدة لا تخطط لإيران وحدها. لديها التزامات في أوروبا وآسيا ومناطق أخرى، ولذلك فإن كل سلاح يُستهلك في الشرق الأوسط يدخل ضمن حساب أوسع يتعلق بالمخزونات والقدرة على الاستجابة في جبهات أخرى.

وهنا تصبح الحرب سباقًا مختلفًا.

لم يعد السؤال فقط من يدمر أكثر، بل من يستطيع حماية الحلقة التي لا يستطيع الاستمرار من دونها.

بالنسبة لإيران قد تكون نقطة الاختناق في مكوّن مستورد، أو مادة تدخل في صناعة الوقود، أو آلة دقيقة، أو مصدر تمويل، أو خبرة فنية يصعب تعويضها بسرعة.

وبالنسبة للولايات المتحدة قد يكون الاختناق في محركات صاروخية أو مواد دافعة أو خطوط إنتاج تحتاج إلى وقت طويل للتوسع، لا بسبب نقص المال، بل لأن تحويل المال إلى قدرة صناعية إضافية يحتاج إلى مصانع وموردين وعمالة متخصصة.

وهكذا تصبح الحرب الحقيقية أقل وضوحًا من صور الصواريخ والانفجارات.

إنها حرب على سلاسل الإنتاج بقدر ما هي حرب على مخازن السلاح.

لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الصواريخ الموجودة اليوم، بل بقدرة الدولة على إنتاج الصاروخ التالي ثم الذي يليه، والاستمرار في ذلك رغم القصف والعقوبات والاستنزاف.

لذلك فإن عدّ الصواريخ التي أُطلقت أو دُمّرت لا يكفي لفهم اتجاه الحرب.

السؤال الأهم هو أي حلقة إذا انكسرت ستتعطل دورة الإنتاج كلها.

فالحروب الطويلة قد لا يحسمها الطرف الذي يمتلك أكبر مخزون في البداية، بل الطرف الذي يحافظ على سلاسل إنتاجه وتمويله وتوريده، بينما ينجح في ضرب الحلقة الأكثر حساسية لدى خصمه.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال من يملك صواريخ أكثر.

بل من يملك آخر قطعة لصناعة الصاروخ؟

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى