
نحن نترك الأثر….. يا بقايا المغول والتتر
حين يعجز الهمجيّ الفكري عن صناعة فكرة… يبدأ بهدم أصحاب الأفكار
بقلم: الباحثة كنانة خلف الكردي
هناك فرقٌ هائل بين إنسانٍ يدخل التاريخ من باب الفكرة، وإنسانٍ لا يجد لنفسه مكاناً فيه إلا وهو يقف على أنقاض الآخرين.
الأول يكتب، يبحث، يبني، يختلف، يجتهد، يخطئ ويصحح.
أما الثاني، فيعيش على هامش إنجازات غيره؛ يراقب، يهاجم، يشكك، يحرّف، ثم يعتقد أنه بذلك أصبح صاحب موقف وفكر.
لا يا سادة… الضجيج ليس أثراً والهدم ليس إنجازا. ،والخصومة ليست فكراً .
لقد عرفت البشرية عبر تاريخها نماذج من القوة التي لم تترك وراءها إلا الخراب. وكان المغول والتتر من أكثر الصور التاريخية حضوراً في الذاكرة حين يُذكر الاجتياح الذي لا يعرف إلا منطق الهدم.
واليوم، لا يحتاج بعض الهمجيين فكرياً إلى سيوف المغول ولا إلى جيوش التتر.
يكفيهم هاتف.
ومنصة.
وقليل من المعرفة.
وكثير من الغرور.
ثم تبدأ الغزوة.
يغزون الفكرة بدل أن يناقشوها، ويغزون صاحبها بدل أن يفندوا حجته، ويغزون سمعته عندما يعجزون عن مواجهة مشروعه.
إنها همجية قديمة… بأدوات حديثة.
الفرق أن المغول كانوا يهدمون المدن، بينما بعض المغول الفكريين يهدمون العقول.
الأول يهدم حجراً.
والثاني يحاول هدم معنى.
والأخطر أن الثاني قد يفعل ذلك وهو يتحدث عن الثقافة، والديمقراطية، والوعي، والنقد، وحرية الرأي.
وهنا تصبح الكارثة أكبر.
لأن الجهل عندما يعرف أنه جاهل يمكن علاجه.
أما الجهل الذي يرتدي ثوب المعرفة، ويتحدث بثقة العارف، ويطالب الآخرين بالصمت، فهذه مشكلة مجتمع بأكمله.
النقد ليس اغتيالاً
أنا لا أخاف من النقد.
بل أؤمن أن صاحب الفكرة يجب أن يكون أول من يقبل أن تُناقش فكرته.
لكنني أرفض أن يُسمى التشهير نقداً ، وأن يُسمى التحريض رأياً ، وأن تُسمى محاولة إسقاط الأشخاص ممارسة فكرية.
ناقش الفكرة.
فند الحجة.
صحح المعلومة.
اكشف الخطأ.
اختلف كما تشاء.
لكن حين تنتقل من مناقشة ما أقول إلى محاولة تحطيم من يقول، فأنت لم تعد ناقداً.
أنت فقط أصبحت جزءاً من المشكلة.
فالإنسان الذي يملك حجة لا يحتاج إلى شتم خصمه.
والباحث الذي يملك دليلاً لا يحتاج إلى تشويه خصمه.
والكاتب الذي يملك مشروعاً لا يحتاج إلى إحراق كتب الآخرين كي يضيء كتابه.
الفكرة القوية لا تخاف من المنافسة.
والفكرة الضعيفة تحتاج دائماً إلى ضحية.
أنا تركت أثراً … ماذا تركتم؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في نهاية كل معركة كلامية:
ماذا تركتم؟
كم كتاباً ؟
كم بحثاً؟
كم مشروعاً؟
كم فكرةً نافعة؟
كم مؤسسةً بنيتم؟
كم عقلاً جعلتموه أكثر وعياً؟
كم مشكلةً ساهمتم في حلها؟
لأن التاريخ لا يحتفظ طويلاً بأسماء الذين أمضوا حياتهم في مراقبة الآخرين.( ينتهون مع انتهاء الترند والمنشور )
التاريخ يحتفظ بمن صنع شيئاً
قد تختلف مع صاحب الأثر.
قد ترفض فكرته.
قد تعتبر بعض قراءاته خاطئة.
لكن لا تستطيع محو الأثر بمجرد كراهية صاحبه.
وهنا تحديداً يفشل الهمجي الفكري.
إنه يريد أن يقنعك بأن إسقاط الشخص يعني سقوط الفكرة.
وهذه مغالطة لا تصمد أمام التاريخ.
فقد يموت صاحب الفكرة وتبقى فكرته.
وقد يغيب الكاتب ويبقى كتابه.
وقد يُهاجم المشروع ويبقى أثره.
وقد يُحاصر الإنسان ويبقى السؤال الذي طرحه مفتوحاً أمام الأجيال.
الزمن لا يحفظ الصراخ
في نهاية المطاف، سيهدأ كل شيء.
ستنتهي المعارك الصغيرة.
ستسقط المنشورات من الواجهة.
سيتوقف الصراخ.
وسيبقى السؤال وحده:
ماذا أنجزتم؟
هناك من يترك كتاباً .
وهناك من يترك مؤسسة.
وهناك من يترك فكرة.
وهناك من يترك موقفاً .
وهناك من لا يترك سوى خصوماته.
وهذا هو الفارق بين صاحب الأثر وصاحب الضجيج.
لذلك لا أملك خصومة شخصية مع من ينتقدني.
لكنه إذا أراد أن يهدم ما أكتب، فليواجه ما أكتب.
وإذا أراد أن يختلف معي، فليختلف مع حجتي.
وإذا أراد أن يثبت أنني مخطئة، فليأتِ بالدليل.
أما تحويل الفكر إلى معركة شوارع، وتحويل الاختلاف إلى اغتيال شخصي ، وتحويل الإعلام إلى ساحة لتصفية الحسابات بالمنشورات والأخبار والإشاعات فليس من الثقافة في شيء.
ذلك ليس نقداً .
ذلك هو الوجه الحديث للهمجية.
همجية لا تحمل سيفاً ،بل تحمل قلماً.
لا تحرق مكتبة، بل تحاول حرق سمعة صاحبها.
لا تهدم مدينة، بل تحاول هدم عقل.
ولهذا سأبقى أكتب.
لا لأنتصر على أحد.
بل لأترك شيئاً يستحق أن يبقى.
أنا لا أريد أن أكون أعلى صوتاً منكم.
أريد فقط أن يكون ما أتركه أطول عمراً من أصواتكم التي حاولت تدميري
فأنتم أحرار في أن تهاجموا.
وأنا حرة في أن أبني.
أنتم اتركوا ضجيجكم.
وأنا سأترك أثري.
وعندما يطوي الزمن صفحات الجميع، لن يسأل أحد:
من شتم أكثر؟
من هاجم أكثر؟
من حرّض أكثر؟
بل سيبقى السؤال القاسي:
من بنى؟ ومن هدم؟
هناك فقط، ستظهر الحقيقة.
نحن نترك الأثر… وأنتم تتركون اثار المغول والتتر.







