العالم العربي

ما بعد «اليونيفيل».. الجيش اللبناني أمام تحديات التسليح والمراقبة والانتشار في الجنوب

تتجه الأنظار إلى قدرات الجيش اللبناني على تولي مسؤوليات أمنية أوسع في جنوب البلاد، مع اقتراب بدء الانسحاب التدريجي لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» نهاية عام 2026، وسط تقديرات بأن المهمة تتطلب منظومة متكاملة تتجاوز مجرد زيادة التسليح أو أعداد الجنود.

وجاءت هذه القضية في صدارة اجتماع تحضيري عُقد في باريس، الخميس، بمشاركة مسؤولين لبنانيين وفرنسيين وأردنيين ودوليين، لبحث احتياجات الجيش وقوى الأمن الداخلي، تمهيدًا لمؤتمر دولي مرتقب لدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية.

انسحاب تدريجي لـ«اليونيفيل»

وبموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 الصادر في أغسطس 2025، مُددت ولاية «اليونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 ديسمبر 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجية ومنظمة وآمنة تمتد عامًا، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة المسؤولة عن توفير الأمن في جنوب البلاد.

وأكد الرئيس اللبناني جوزاف عون خلال اجتماع باريس أن لبنان لا يبحث عن مساعدة مؤقتة، وإنما عن شراكة طويلة الأمد لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، مع وضع خريطة طريق وجدول زمني واضحين للمؤتمر الدولي المرتقب.

وشدد عون على أهمية تجنب حدوث فراغ أمني في الجنوب خلال المرحلة الانتقالية.

بدوره، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة التي يُفترض أن تتولى المسؤولية الأمنية في الجنوب، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

وفي 19 سبتمبر الجاري، أكد قائد «اليونيفيل» اللواء ديوداتو أبانيارا أهمية ضمان انتقال سلس للمسؤوليات الأمنية قبل بدء الانسحاب، مشيرًا إلى استمرار التنسيق مع الجيش اللبناني والجهات الأممية للتحضير للمرحلة المقبلة.

احتياجات تتجاوز السلاح

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد بهاء حلال إن المؤشرات الصادرة عن اجتماع باريس تشير إلى أن المسألة تتجاوز تسليح الجيش، وتتعلق بإعادة بناء قدرته على تولي الوظيفة الأمنية التي كانت «اليونيفيل» تؤدي جانبًا منها في الجنوب.

وأوضح أن الدعم المطروح يرتبط بوجود خطة انتشار لبنانية واضحة وقابلة للتنفيذ، بحيث تقترن المساعدات المالية والتجهيز والتدريب بقدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ مهامها ميدانيًا.

وأشار إلى وجود طروحات دولية تربط تعزيز قدرات الجيش بمراحل أداء قابلة للقياس، تبدأ ببناء قدرات الوحدات ثم الانتشار، وصولًا إلى الانتقال التدريجي للمسؤوليات الأمنية، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني وجود شروط تعاقدية معلنة من الدول المانحة.

المراقبة والاستطلاع أبرز الفجوات

وبحسب حلال، فإن الجيش يحتاج إلى «منظومة قدرات كاملة»، تشمل تعزيز القدرة على الانتشار والسيطرة، وزيادة قدرات الوحدات القتالية والهندسية واللوجستية، وإنشاء نقاط ثابتة ومراكز للقيادة والسيطرة، إلى جانب تطوير شبكات المراقبة والاتصالات.

ووضع الاستطلاع والمراقبة ضمن أبرز الفجوات التي تواجه المؤسسة العسكرية، مشيرًا إلى الحاجة إلى طائرات مسيرة ورادارات ومعدات للمراقبة الإلكترونية واتصالات آمنة تسمح ببناء صورة عملياتية مستمرة لما يجري في الجنوب.

كما تشمل الاحتياجات، وفق تقديره، الآليات المدرعة ووسائل النقل والمعدات الهندسية وتجهيزات إزالة الألغام والتعامل مع الذخائر غير المنفجرة، إلى جانب وسائل حماية القوات، محذرًا من أن الانتشار دون قدرات كافية للحركة والحماية قد يتحول إلى «وجود رمزي».

قدرات استخبارية مستقلة

ويرى حلال أن تعزيز الاستخبارات العسكرية يمثل عنصرًا أساسيًا في أي ترتيبات أمنية جديدة، معتبرًا أن تولي الجيش مسؤولية القرار الأمني على الأرض يتطلب امتلاكه قدرات استخبارية وطنية مستقلة.

وقال إن هذه القدرات يفترض أن تمكن الجيش من اكتشاف مواقع السلاح ورصد الأخطار القادمة من الجانب الإسرائيلي ومتابعة تحركات المسلحين.

وأضاف أن القدرة على تنفيذ القرار السياسي تمثل «العقدة الأكبر»، موضحًا أن المعدات والتسليح لا يكفيان وحدهما، وأن تنفيذ أي قرار يتعلق بحصر السلاح يتطلب غطاءً سياسيًا وقواعد اشتباك واضحة وسلسلة قيادة موحدة وإطارًا قانونيًا يسمح للجيش بتنفيذ مهامه.

باريس محطة تحضيرية

من جانبه، وصف المحلل السياسي والكاتب الصحفي وجدي العريضي اجتماع باريس بأنه محطة تحضيرية لدعم لبنان، ولا سيما المؤسسة العسكرية، معتبرًا أنه لا يمكن وصف الاجتماع في حد ذاته بالنجاح أو الفشل.

وأشار إلى اهتمام أردني وفرنسي بدعم لبنان والجيش، لكنه رأى أن ملف الدعم يرتبط بتعقيدات أمنية وسياسية إقليمية تتجاوز الداخل اللبناني.

سلاح «حزب الله» والانسحاب الإسرائيلي

ويربط العريضي مستقبل دعم الجيش وتسليحه بعدة ملفات، في مقدمتها سلاح «حزب الله» ومستقبل الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان.

وكانت الحكومة اللبنانية قد اتخذت في يوليو 2026 قرارًا بإنهاء الوجود العسكري لـ«حزب الله» وحصر استخدام القوة بيد الدولة، بينما ظل تنفيذ نزع السلاح موضع خلاف سياسي وأمني.

وتوقع العريضي، في قراءته للمشهد، ألا يسلم «حزب الله» سلاحه إلى الدولة، مستندًا إلى مواقف معلنة لنواب ومسؤولين في الحزب، كما استبعد انسحاب إسرائيل من الجنوب في المدى المنظور.

وأشار إلى أن تحركات الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تركز على حشد المساعدة الدولية للبنان، معتبرًا أن حجم الدعم الذي يمكن أن تقدمه الدول المانحة للجيش يرتبط أيضًا بالموقف الأمريكي.

وأضاف أن مشاركة السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى في الاجتماع التحضيري بباريس تعكس، وفق تقديره، أهمية الدور الأمريكي في تحديد مسار الدعم ومؤتمر الدول المانحة المرتقب.

وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار المواجهة في جنوب لبنان، والخلاف بشأن سلاح «حزب الله»، ومستقبل الوجود الإسرائيلي، بالتزامن مع الاستعداد لمرحلة ما بعد «اليونيفيل»، التي تضع الجيش اللبناني أمام مهمة أمنية وعسكرية واسعة تتطلب، وفق الخبراء، موارد وتسليحًا وقدرات استخبارية ولوجستية وغطاءً سياسيًا يسمح له بتولي المسؤوليات الميدانية في الجنوب.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى