باص الأحلام في غزة: رحلة صمود تحارب اليأس بين الأنقاض

تحول الإسعاف الفلسطيني إلى مسرح فرح متنقل يعانق مخيمات القطاع الجنوبية والوسطى منذ عام 2024 وحتى شهر سبتمبر من عام 2026، متجاوزا جدران الدمار ليقهر عتمة ثلاث سنوات من حرمان الطفولة أبسط مقومات البهجة. رفضت سيارات طوارئ الهلال الأحمر إلا أن تبدل مسارها الإنساني من نقل الجراح إلى بث عروض الرسوم المتحركة والدمى المصنوعة يدويا عبر مساحات النزوح المكتظة بآلاف الأسر المكلومة. تجوب المركبة المذكورة طرقات الجنوب والوسط بينما تغيب عجلاتها قسرا عن شمال القطاع وتحديداً محافظتي بيت لاهيا وجباليا نظرا لجحيم الأخطار الأمنية القائمة هناك برغم المحاولات الدؤوبة لكسر الحصار المكاني. تبتلع أيام الصغار هناك تفاصيل قاسية بين طوابير المياه وملاحقة شاحنات المؤن البوتيكية والجلوس داخل مدارس تحولت لجحور إيواء بديلة عن فصول الدراسة المفقودة.
انطلق باص الأحلام بعجلات الإسعاف يزرع البهجة فوق أنقاض غزة
تعيش العائلات الفلسطينية واقعاً مررياً تفقد فيه المنازل أي شاشة عرض أو مصدر طاقة كهربائية منذ تفجر الحرب الكبرى، ما جعل ثمن الأجهزة خيالياً وتكلفة تشغيلها معجزة اقتصادية تعجز عن تدبرها الأسر المنهكة. تقود مديرة دائرة الصحة النفسية نفين عبد الهادي جهود المبادرة لتفرض حق المشاهدة كفرض إنساني لا تقبل التنازل عنه عبر زوايا الحكواتي والرياضة والألعاب الشعبية المعادة تدويرها. تواجه المبادرة نفقات تشغيلية باهظة ومسافات وعرة تقيد طموح التوسع وإدخال فعاليات جديدة تليق بحجم الاحتياج الهائل لمئات آلاف الصغار المحرومين من أبسط حقوق الوجود الآمن. تتوسط مخيمات تضم ثلاثمائة أسرة صيحات دهشة الصغار وهم يرون عربات الطوارئ تهدي أبناءهم حلم الكرتون ومساحة للعب المجاني توازي أولوية الغذاء والشراء اليومي.
زغاريد الصغار وأمنيات رهف
تصطف جموع الأطفال من المخيمات المجاورة على وقع مكبرات الصوت ليلتزموا بضوابط العرض بدقة حرصاً على استمرار الشاشة العجيبة في بث الحياة بوجوه أنهكها النزوح والمفاجأة. تستعيد والدة أحد الأطفال سهام غانم مشاهد الحقبة الماضية حين كانت حقائب المدرسة تملأ الأسواق قبل أن تبتلع النيران دفاتر التعليم ويحل محلها فراغ مدمر لا ينتهي بقرار أو أمنية عابرة. وتعبر الطفلة رهف بردة عن ذهولها بمشاهد الكاقو والكرسي الصغير ومنصة اللعب المجمعة في مكان واحد متمنية تكرار زيارة الحافلة كل شروق شمس لتعلم فنون الرسم ومواجهة الواقع. تصر المؤسسة الإنسانية على المضي قدماً رغم ضيق ذات اليد ومرارة الميدان لتثبت أن أطفال فلسطين قادمون بالحياة رغماً عن كل تفاصيل الوجع المحيط.







