
بعض حكايات السجون لا تحتاج إلى وصف الزنازين، ولا إلى عدّ القضبان، ولا إلى سماع صرير الحديد.
يكفي أحيانًا أن يسأل طفل:
ماذا يعني عصفور؟
حكى لي الكاتب والمفكر والمعارض السوري الراحل ميشيل كيلو واحدة من أكثر حكايات السجن التي سمعتها وجعًا.
كان معتقلًا، وحيدًا بين أربعة جدران، حين فُتح باب زنزانته ذات ليلة.
لم تكن الحرية وراء الباب.
كان سجانًا بقي في قلبه شيء من الإنسانية.
اصطحبه خلسة إلى زنزانة أخرى بذات الطابق.
وهناك كانت أم اعتُقلت وفي أحشائها جنين !
ولد الطفل في السجن، وبدأ يتعرف إلى الحياة داخل جداران الزنزانه دون غيرها.
قال السجان لميشيل:
احكِ لهذا الطفل حكاية.
وهل هناك أرقّ من أن يحمل أديب لطفل حكاية؟
بحث ميشيل في ذاكرته عن أبسط الأشياء. عن حكاية لا سجن فيها. لا سلطة. لا خوف. ولا قضبان.
اختار عصفورًا.
قال إن عصفورًا كان يقف فوق شجرة.
نظر إليه الطفل وسأله:
ماذا يعني عصفور؟
توقف ميشيل.
حاول أن يشرح.
فجاءه السؤال الأشد وجعًا:
“وماذا تعني شجرة” ؟
هنا انتهت الحكاية قبل أن تبدأ.
لم يبكِ الطفل.
بكى السجان و ميشيل كيلو.
لأنه اكتشف أن السجن لم يحبس جسد هذا الصغير فقط. لقد حبس قاموسه.
سرق منه الأشياء قبل أن يعرف أسماءها.
حجب عنه الشجرة، ثم محا صورتها من خياله.
منعه من مطاردة العصفور، ثم حرمه حتى من معرفة أن في الدنيا شيئًا اسمه عصفور.
وهنا يصبح السجن أكبر من زنزانة.
فالظلم لا يبلغ ذروته حين يضع الإنسان خلف الجدار فقط، بل حين يضع الجدار داخل الإنسان.
تذكرت حكاية ميشيل كيلو عندما قرأت قصة عبد الله رمضان ربيع، نقلًا عن المحامي والحقوقي حسام بهجت.
فجأة شعرت أن الطفل السوري الذي لم يعرف معنى العصفور، وعبد الله الذي دخل السجن فتىً، يقفان على طرفي الحكاية نفسها.
أحدهما سرق السجن منه طفولته قبل أن تبدأ.
والآخر أخذ السجن من شبابه عامًا وراء عام.
اعتُقل عبد الله عام ٢٠١٥.
لم يكن قد بلغ التاسعة عشرة.
كان العمر كله تقريبًا أمامه.
ربيع طويل ينتظر أن يعيشه.
لكن أحد عشر عامًا مرّت.
واليوم يقترب من الثلاثين، وما زال رهن الحبس الاحتياطي.
دخل فتىً يحمل شبابه أمامه. ومضت السنوات. كبر الفتى خلف الأبواب. وكبر معه ملف القضية. وظل باب الحرية أصغر من أن تمر منه كل هذه الأعوام.
الطفل السوري وُلد داخل الزنزانة، فلم يعرف العصفور والشجرة.
أما عبد الله، فقد عرف العصافير والأشجار والشوارع والشمس، ثم عرف كيف يمكن لجدار أن يفصل الإنسان عنها عامًا بعد عام.
واحد لم يعرف العالم لأن السجن سبقه إليه.
وآخر عرف العالم، ثم ابتعد عنه أحد عشر عامًا.
وبين الطفل والفتى بلاد وحدود وسنوات.
لكن بينهما جدار واحد:
أن تتحول الحرية من أصل إلى استثناء، والسجن من استثناء إلى حياة.
وهنا لا تعود الحكاية وجدانية وموجعه فقط.
بل تصبح قانونية أيضًا.
فالحبس الاحتياطي في فلسفته إجراء، لا عقوبة. ضرورة مؤقتة تقدر بقدرها، لا طريقًا جانبيًا إلى عقوبة لم ينطق بها قاضٍ.
والتحريات ليست حكمًا. والاشتباه ليس إدانة. والاتهام ليس عقوبة.
وبين الاتهام والإدانة تقف المحاكمة العادلة. ذلك الجسر الذي لا يجوز للدولة أن تختصره، ولا للمشرّع أن يترك بجواره نفقًا يلتف عليه.
فماذا يبقى من العدالة إذا تحولت مذكرة تحريات من رواية متكررة تستوجب الفحص إلى نهاية تُنفذ كأنها حكم بات؟
وماذا يبقى من معنى «الاحتياط» إذا استطاع أن يأكل أحد عشر عامًا من عمر إنسان؟
وماذا يبقى من قرار إخلاء السبيل إذا ظل مكتوبًا على الورق، بينما يبقى صاحبه وراء الباب؟
القانون ليس عدلًا لمجرد أنه مكتوب.
فالعدل روح تسكن القانون. وإذا غابت الروح، بقي النص واقفًا، وبقي الإنسان مكسورًا تحته.
مات ميشيل كيلو، وبقيت حكايته في قلبي.
ولا أعرف ماذا صار لذلك الطفل.
هل خرج يومًا ورأى شجرة؟
هل مدّ يده إلى جذعها ليتأكد أنها حقيقة؟
هل رفع رأسه إلى السماء، فرأى عصفورًا
هل يتذكر ذلك الرجل الغريب الذي جاءه ذات ليلة ليحكي له عن عالم لم يكن يعرف أسماءه؟
لكنني أعرف أن ميشيل لم يكن يحكي عن عصفور. كان يحكي عن الحرية.
واليوم، حين أتأمل حكاية عبد الله، أفكر في شيء آخر.
العمر أيضًا سجين.
والشباب يمكن اعتقاله.
والسنوات يمكن أن تُصادر دون أن نجد في خزائن الدولة مكانًا نعيدها منه إلى أصحابها.
فالمال المسلوب يمكن رده. بيتي المتحفظ عليه والمغلق بالشمع الأحمر، يمكن فتحه. والحق الضائع ستعيده الايام .
أما عام مضى من عمر إنسان،
فلا قاضٍ على الأرض يستطيع أن يحكم بإعادته.
فكيف بأحد عشر عامًا؟
طفل لم يعرف معنى العصفور.
وفتى دخل السجن قبل التاسعة عشرة، وكاد يعبر شبابه قبل أن يعبر بابه.
وبينهما حكاية واحدة تقول إن الحرية ليست كلمة في الدساتير.
الحرية عمر.
والعمر لا يُستأنف. ولا يُعوّض. ولا يعود.
ولعل أسهل طريقة لكي تشرح لطفل معنى العصفور، وأصدق طريقة لكي تشرح لدولة معنى العدالة، واحدة:





