مقالات وآراء

خالد شوكات يكتب: خاتمة.. ماذا بعد؟

“كتبت هذا الكتاب، ليس دفاعًا عن العشرية في تفاصيلها، كما يمكن للقارئ أن يتأكد من ذلك بسهولة، إذ لم أقصّر أبدًا في ذكر عيوبها ونقد التجربة البشرية التي تضمنتها، سواء على مستوى السياسات والممارسات، أو حتى الشخصيات التي أدارتها. لكنه كان دفاعًا عنها في مرجعيتها المبدئية، التي قدّمت لتونس فرصة إقامة نظام ديمقراطي يقدّس الكرامة الإنسانية، ويحترم الحريات وحقوق الإنسان، ويقدّم للتونسيين، بوصفهم مواطنين لا رعايا، المجال لاختيار من يمثلهم في مؤسسات الحكم من خلال انتخابات شفافة ونزيهة، ربما لم يعرف العالم العربي بأسره مثيلًا لها، كما يجعل التداول السلمي على السلطة ممكنًا، في سياق نموذج عزّ نظيره في المنطقة.
كما أردت، خصوصًا من خلال إصراري على ربط هذه التجربة التونسية في الانتقال الديمقراطي بالتجارب المقارنة التي عرفها العالم طوال نصف القرن الماضي، التأكيد على «طبيعية» هذه التجربة، سواء في التحديات التي واجهتها، أو في الانتكاسة التي انتهت إليها بعد عشر سنوات من صمودها في وجه ما بدا وكأنه عناد للتاريخ والجغرافيا. فما عشناه نحن التونسيين لم يكن، خلافًا لما اعتقده كثيرون ربما، مخالفًا لطبائع الأمور، خصوصًا في ظل الانتظارات والآمال الكبيرة التي عُلّقت على التجربة. بل إن ما شهدته شعوب وبلدان أخرى في سبيلها إلى إرساء الديمقراطية كان أكثر قسوة، وتطلّب تقديم تضحيات أكبر، بلغت في بعض الحالات حدّ السقوط في الحروب الأهلية والفتن الداخلية المدمرة، وهو ما لم يحدث في تونس، ولله الحمد والمنّة.
وقد جاءت فكرة هذا الكتاب في سياق ما لاحظته من هجوم جماعي على «العشرية البيضاء»، التي كانت المحاولة الأكثر جدية والأطول عمرًا في السعي إلى إرساء نظام ديمقراطي تعددي يقطع مع التاريخ الطويل للاستبداد الشرقي بشكل عام، ومع الأنظمة الفردية التسلطية بشكل خاص. فلم يعرف تاريخ تونس السياسي الطويل، الممتد على ما يقارب ثلاثة آلاف عام، تجربة مماثلة في ممارسة الحكم، بدت فيها تونس، من الناحية السياسية على الأقل، وكأنها تنتمي إلى مجال جغرافي مختلف، اقتربت فيه من الدول الأكثر ديمقراطية في العالم.
وقد انعكس ذلك أيضًا في التصنيفات الدولية. فقد أصبحت تونس، وفق تصنيف Freedom House، الدولة العربية الوحيدة التي تحظى بوضع «حرّة» (Free) في تقرير Freedom in the World 2015، بعد اعتماد دستور 2014 وإجراء انتخابات ديمقراطية في العام نفسه. وقد اعتبرت المنظمة آنذاك أن تونس كانت الاستثناء الأبرز في منطقة عربية شهدت، في أعقاب انتفاضات 2011، تراجعًا أو تعثرًا في مسارات الانفتاح السياسي. واستمر تصنيف تونس «حرّة» خلال السنوات التالية، وحصلت في تقرير 2021 على 71 نقطة من أصل 100. لكن تقرير 2022 سجّل تراجعها إلى تصنيف «حرّة جزئيًا» (Partly Free)، بدرجة 64 من 100، وربطت المنظمة هذا التراجع بالإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيّد في 25 يوليو 2021، ومنها تعليق عمل البرلمان وإقالة رئيس الحكومة وتوسيع السلطة التنفيذية.
وهكذا، فإن المسار الذي تكشفه هذه الأرقام لا يعبّر فقط عن تغير في تصنيف دولي، وإنما يقدّم، من زاوية أخرى، مؤشرًا خارجيًا على التحول الذي عرفته التجربة التونسية: من لحظة اعتُبرت فيها تونس استثناءً ديمقراطيًا في محيطها العربي، إلى لحظة بدأت فيها مؤسسات دولية ترصد تراجعًا واضحًا في مستوى الحقوق السياسية والحريات المدنية.
لكن الاستنتاج الأهم بالنسبة إليّ، في مراجعتي لهذه التجربة، فضلًا عن إيماني بأن معاركها الثلاث التي جرى تفصيلها في هذا الكتاب، أي التوازن السياسي، والتوافق الوطني، ومقاومة الشعبوية، ما تزال تشكّل إلى اليوم المعارك الوطنية الكبرى، هو إيماني أيضًا بأنها ستشكّل «مرحلة مرجعية» ملهمة بالمعنى التاريخي.
فالتونسيون بعد العشرية ليسوا هم التونسيين قبلها، ولا حتى التونسيين الذين عاشوا خلالها. فقد كانت الديمقراطية، قبل العشرية، مجرد فكرة نظرية مثالية ربما يصعب تحقيقها، فيما أصبحت، بعد التجربة، حالة تطبيقية جرى من خلالها إدراك نقاط ضعفها وقوتها، وتشخيص الأمراض التي عانت منها، ومظاهر الخلل التي ظهرت عليها، وتبيّن أن علاجها ليس مستحيلًا. وستتأكد مرجعية هذه المرحلة أكثر فأكثر كلما ابتعدنا عنها بالمعنى الزمني، تمامًا كما جرى في بلدان أخرى عرفت تجارب مشابهة انتهت بانتكاسات وانقلابات عليها، لكن بريق تلك التجارب ازداد في أذهان الأجيال اللاحقة، التواقة إلى الحرية والديمقراطية، وأضحت بالنسبة إليها، في رموزها وتوجهاتها العامة، مصدر إلهام.
إن الديمقراطية ليست فقط نظامًا سياسيًا، بل هي منظومة قيمية تقتضي توافر شروط فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية، ربما لم تكن حاضرة، ولو جزئيًا، في الحالة التونسية. وهو ما جعل عملية التحول الديمقراطي منقوصة من الداخل، إذ إن وجود مكونات ممانعة، لدواعٍ متباينة، جعل إمكانية تكتلها في لحظة معينة ضد استمرار التجربة أمرًا ممكنًا. هذا إلى جانب عوامل الممانعة الإقليمية والدولية؛ فتونس لم تكن محظوظة كثيرًا بجوارها.
وبقدر ما بدت لحظة التحول الديمقراطي عامة في المنطقة، مع انفجار ثورات الربيع العربي، بقدر ما بدت موجات الردة هادرة، خصوصًا بعد سقوط القلعة المصرية إثر عودة العسكر إلى حكم المحروسة ابتداءً من جويلية 2013. وقد حوّل ذلك الحالة التونسية إلى استثناء في مجالها الإقليمي، يقتضي الدفاع عن النفس طيلة السنوات اللاحقة، لكنه سرعان ما بدأ ينهار ويستسلم تحت وقع الهجمات المتواصلة عليه، خصوصًا من قبل بعض الدول العربية ذات الوفرة المالية، التي تبنّت عقيدة مناهضة للديمقراطية بصورة فجة وصريحة.
لقد كشفت تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس عن حقائق كبرى لا يمكن إغفالها في أي تجربة قادمة مماثلة، يرتقي حصولها عندي إلى مرتبة اليقين. ولعل أهمها يمكن إيجازه في النقاط التالية:
أولًا: أن نجاح التجربة سيظل رهين قدرة التونسيين على إنتاج «التوافق»، سواء التوافق على قواعد اللعبة الديمقراطية، أو التوافق على الحكم، بما من شأنه توفير الاستقرار السياسي الضروري لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ثانيًا: أن المعركة الفكرية والأيديولوجية والثقافية المتعلقة بالتمكين للقيم الديمقراطية، بعيدًا عن كل نزعة إقصائية أو اجتثاثية، تحت أي مسمى أو شعار، وبعيدًا عن أي مزايدة على المشترك الجامع، هي معركة حاسمة لا تقل أهمية عن بقية المعارك السياسية والتنموية الضرورية لترسيخ الديمقراطية.
ثالثًا: أن مكافحة الشعبوية يجب أن تكون أولوية ثابتة على أجندة المجتمع والدولة، خصوصًا في ظل المتغيرات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، التي جعلت الرأي العام عرضة للتلاعب والتوجيه والتسطيح والتتفيه. وهو ما يقتضي تعبئة عامة مستدامة تنتصر للعقلانية والاعتدال والتعايش والتسامح، وسواها من القيم الضرورية لتحصين المجتمع والدولة من الانحرافات والانتكاسات.
رابعًا: أن التحصين التشريعي والمؤسساتي للنظام الديمقراطي، خصوصًا القضاء الدستوري، ضرورة بنيوية لا يمكن تركها أو التساهل فيها أو تأجيلها تحت أي حجج أو مبررات أو مصالح ضيقة.
خامسًا: أن الأحزاب السياسية ليست مؤسسات هامشية يمكن تركها للصدف والأقدار، بل عليها أن تكون في قلب اهتمامات الدولة، وأن تحظى بالعناية المطلوبة، على اختلاف تياراتها واتجاهاتها، وفقًا لتمثيليتها الشعبية، وأن تتوافر لها الموارد الكافية للقيام بواجباتها، سواء الفكرية أو السياسية أو المؤسساتية. فالمنظومة الحزبية ركن أساسي في البناء الديمقراطي.
سادسًا: أن يحظى الإعلام أيضًا باهتمام السياسات العامة، وأن تُلزم وسائله باحترام المواثيق الأخلاقية والمهنية، وأن يكون ممثلوه شركاء حقيقيين في البناء الديمقراطي، خصوصًا بعدما تبيّن لأهله مجددًا أن الضرر الذي لحق به من الانقلاب لا يقل عن ذلك الذي لحق ببقية أطراف العملية الديمقراطية.
سابعًا: أن الإصلاحات التي يجب أن تطال مؤسسات القوة الصلبة، ومن أهمها المؤسستان العسكرية والأمنية، يجب أن تكون عميقة وبنيوية وشاملة، فقد تبيّن أن الإصلاحات السطحية أو الشكلية غير ذات جدوى.
ثامنًا: أن اختيار القانون الانتخابي في غاية الأهمية، وأن قانونًا انتخابيًا لا يفرز أغلبية قادرة على الحكم، وبمقدورها تحقيق الاستقرار السياسي والتقدم في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية، قد يصب في مصلحة القوى المناهضة للديمقراطية.
تاسعًا: أن تحصين المجتمع المدني من خلال توفير الموارد الوطنية والمحلية لمنظماته، بما يكفيه شرور الاختراقات الخارجية، ويمكّنه من القيام بوظائفه التعديلية في مواجهة بقية السلطات، مسألة حيوية تسد العديد من منافذ الشرور والأذى.
عاشرًا وأخيرًا: أن عدم اقتران الانتقال الديمقراطي بمشروع حضاري وطني يهدف إلى إحداث نهضة تنموية شاملة ومستدامة، تثمن موقع تونس الجغرافي الفريد في قلب المنطقة والعالم، وتستثمر في طاقاتها البشرية الخلاقة والمبدعة، هو نقيصة كبرى يمكن أن تكرّس مجددًا ذلك الانطباع السلبي الذي يسّر مهمة الانقلاب، والقائل بأن الديمقراطية قرين عدم الاستقرار والتراجع التنموي.
فالمشروع الحضاري الوطني هو تجسيد لذلك الطموح الكبير الذي لم يغادر العقل السياسي التونسي على مر الأجيال، وعلى الأقل منذ أن طرح التونسيون، والعرب والمسلمون عمومًا، سؤال: لماذا تخلّفنا وتقدّم غيرنا؟ ذلك السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة منذ القرن التاسع عشر، ولا يزال حاضرًا، بأشكال مختلفة، في وعينا السياسي والحضاري.
إن الانقلاب الذي أطاح بالعشرية، وقام بتشويهها لتأسيس شرعية حكمه على أنقاضها، هو بلا شك محنة كبرى قد تكون تكلفتها باهظة. ولكن التاريخ علّمنا أن في قلب كل محنة منحة يجب الانتباه إليها، وأن تحويل الانتكاسة إلى فرصة للتصحيح يظل ممكنًا لدى الشعوب النابهة، والشعب التونسي منها.
ولقد أحببت أن تكون رسالة هذا الكتاب على هذا النحو: رسالة أمل في قدرة الوطن على النهوض، وثقة في أبناء الوطن، وقدرتهم على تحويل الهزائم إلى انتصارات، والانكسارات إلى فرص رائعة للوقوف والانطلاق نحو المستقبل من جديد”.

*النص هو خاتمة كتابي الأخير “العشرية البيضاء”.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى