
خطرت لي فكرة قد تبدو للوهلة الأولى مجنونة، ولكنني كلما تأملتها وجدتها امتداداً منطقياً لفلسفة الديمقراطية نفسها.
تقوم الديمقراطية، في أبسط معانيها، على أن من يخضع للقرار ينبغي أن يكون شريكاً في اختيار من يصنعه، وأن السلطة لا تكتسب شرعيتها إلا من المحكومين بها، وأن من يملك حق إصدار القرار يجب أن يخضع للمحاسبة عن نتائجه.
وقد ارتبط النموذج الديمقراطي الذي قدمته الولايات المتحدة للعالم — رغم ما شابه من تناقضات وأخطاء — بالمؤسسية، والفصل بين السلطات، وتداول الحكم، وحرية التعبير، وحق المواطن في اختيار ممثليه ومحاسبتهم. وأسهم نجاح هذا النموذج، سياسياً واقتصادياً وعلمياً، في منحه جاذبية عالمية جعلت كثيراً من الشعوب تتطلع إليه وتسعى إلى الاقتراب منه.
وبانتصار النموذج الغربي في الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفيتي، أصبحت الولايات المتحدة القوة الأكثر تأثيراً في العالم، لا عسكرياً وسياسياً فحسب، بل اقتصادياً وتكنولوجياً وثقافياً أيضاً.
ومن هنا يبدأ سؤالي:
إذا كان الرئيس الأمريكي قادراً، بقرار واحد، على التأثير في حياة مئات الملايين من البشر خارج الولايات المتحدة، أفلا يكون لهؤلاء البشر حق ما في اختياره أو مساءلته؟
الرئيس الأمريكي لا يقرر للأمريكيين وحدهم؛ يستطيع أن يبدأ حرباً في قارة أخرى، أو يفرض عقوبات تُفقر شعباً لم يشارك في انتخابه، أو ينسحب من اتفاقية للمناخ فتتحمل البشرية كلها النتائج. ويستطيع أن يغير تحالفات دولية، أو يمنع دواءً أو تكنولوجيا، أو يعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة، أو يقرر من يدعم ومن يحاصر ومن يعترف به ومن يعزله.
كذلك يمكن لقرار اقتصادي يصدر في واشنطن، أو لتغيير في سعر الفائدة الأمريكية، أن يرفع تكلفة الديون، ويضغط على العملات، ويزيد أسعار الغذاء والطاقة في دول تبعد آلاف الأميال عن الولايات المتحدة. فالدولار لم يعد مجرد عملة وطنية أمريكية، بل أصبح جزءاً من الجهاز العصبي للاقتصاد العالمي.
والتكنولوجيا الأمريكية بدورها أصبحت حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية في وسائل التواصل، ومحركات البحث، والذكاء الاصطناعي، وتداول المعلومات، وتشكيل الوعي، بل وفي الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا.
لقد أصبحت أمريكا — بمؤسساتها وعملتها وجيشها وشركاتها وتقنياتها وثقافتها — جزءاً من نسيج العالم. ومع ذلك، عندما يأتي موعد اختيار رئيسها، يتحول العالم كله إلى متفرج على انتخابات ستؤثر نتائجها فيه، من دون أن يمتلك صوتاً أو وسيلة حقيقية للمحاسبة.
أليست هنا مفارقة تستحق التأمل؟
إن الديمقراطية الأمريكية تقول إن من يتأثر بالسلطة يجب أن يشارك في اختيارها، لكنها تقصر هذا الحق على المواطن الأمريكي، رغم أن دائرة تأثير السلطة الأمريكية أصبحت أكبر كثيراً من حدود المواطنة الأمريكية.
وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه العجز الديمقراطي العالمي: سلطة عالمية في آثارها، ولكنها وطنية في مصدر شرعيتها.
قد يهتم الناخب الأمريكي، وهو يمارس حقه المشروع، بقضية الضرائب في ولايته، أو بالتأمين الصحي، أو بأسعار الوقود والهجرة والإجهاض وحيازة السلاح. لكنه في اللحظة نفسها يشارك في اختيار شخص قد تؤدي قراراته إلى حرب أو حصار أو انهيار اقتصادي في دولة أخرى. أما المواطن الذي قد يفقد عمله أو دواءه أو أمنه نتيجة تلك القرارات، فلا يملك أي صوت في اختيار صاحبها.
وبالطبع، قد يعترض البعض قائلاً إن الرئيس الأمريكي ليس رئيساً للعالم، وإن مسؤوليته الدستورية هي تجاه الشعب الأمريكي وحده. وهذا اعتراض صحيح من الناحية القانونية؛ فالمواطن الأمريكي هو الذي يدفع الضرائب، ويلتزم بالقوانين، وقد يخدم في الجيش، ولذلك يكون من حقه وحده، وفق الدستور، انتخاب رئيس دولته.
لكن صحة هذا الاعتراض دستورياً لا تُبطل السؤال أخلاقياً وفلسفياً. فالقضية ليست أن يحصل كل إنسان في العالم غداً على بطاقة انتخاب أمريكية، ولا أن تتحول الانتخابات الأمريكية إلى اقتراع عالمي تتحكم فيه الدول الأكثر سكاناً. فمثل هذا التصور يثير مشكلات تتعلق بالسيادة، وباختلاف المصالح، وباحتمال التدخل المنظم في شؤون دولة مستقلة.
حلول ومقترحات للمساءلة العابرة للحدود:
لكن إذا كان التصويت العالمي المباشر غير واقعي، فهل يعني ذلك أن يستمر العالم بلا صوت وبلا مساءلة؟
أعتقد أن جوهر الفكرة ليس مشاركة العالم حرفياً في انتخاب الرئيس الأمريكي، بقدر ما هو البحث عن وسائل تجعل السلطة العابرة للحدود خاضعة لمحاسبة عابرة للحدود.
إجراء اقتراع عالمي استشاري: يتزامن مع الانتخابات الأمريكية، لا تكون نتائجه ملزمة دستورياً، لكنه يكشف للمرشحين وللرأي العام كيف ينظر العالم إليهم وإلى برامجهم.
عقد مناظرة انتخابية مستقلة: تُعنى بالسياسة الخارجية وتأثيرها في الشعوب الأخرى، لا حول مصالح الناخب الأمريكي وحده.
تقوية المؤسسات الدولية: وإعادة بناء منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي، بحيث لا تستطيع قوة واحدة الانفراد بقرارات تمس البشرية كلها.
إنشاء آليات محاسبة: تتيح للدول والشعوب المتضررة عرض قضاياها ومحاسبة أصحاب القرارات المتعلقة بالحروب والعقوبات والمناخ والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي.
ولا يقتصر هذا المبدأ على الولايات المتحدة وحده؛ فكل قوة يتجاوز تأثيرها حدودها ينبغي أن تتسع دائرة مساءلتها بقدر اتساع نفوذها، سواء أكانت دولة كبرى، أم مؤسسة مالية دولية، أم شركة تكنولوجية تتحكم خوارزمياتها فيما يراه مليارات البشر ويعرفونه ويصدقونه.
خاتمة:
السؤال إذن أكبر من شخص الرئيس الأمريكي، وأعمق من انتخابات تجري كل أربع سنوات. إنه سؤال عن مستقبل الديمقراطية ذاتها:
هل تستطيع الديمقراطية أن تظل حبيسة الحدود الوطنية، بينما أصبحت القوة والاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات والمناخ عابرة لكل الحدود؟
لقد أصبحت السيادة عالمية في آثارها، لكنها ما زالت قومية في شرعيتها. وأصبح بعض البشر محكومين بنتائج انتخابات لم يُدعوا إليها، ومتأثرين بقرارات لا يملكون الاعتراض عليها أو محاسبة من أصدرها.
ربما لا يكون الحل أن يشترك العالم في انتخاب الرئيس الأمريكي، وإنما أن نتوقف عن قبول وجود أي سلطة عالمية لا تقابلها شرعية عالمية، وأي نفوذ يتجاوز الحدود من دون مساءلة تتجاوزه.
فلا معنى لديمقراطية تتوقف عند الحدود، بينما لا تتوقف السلطة عندها. وقد تبدو الفكرة اليوم حالمة أو مستحيلة، لكن كثيراً من الحقوق التي نعدها الآن بديهية بدأت بسؤال بدا في زمانه غريباً أو مجنوناً.
وسؤالي الذي أطرحه للنقاش هو:
إذا كان قرار يصدره رئيس دولة ما قادراً على تغيير حياتي ومستقبل أبنائي وأمن وطني، فهل أبقى مجرد متلقٍ لسلطته، أم يصبح لي حق ما في اختياره ومساءلته؟
إنه ليس طلباً للمشاركة في حكم دولة أخرى، بل دعوة إلى إعادة تعريف الديمقراطية في عالم لم تعد فيه قرارات الدول الكبرى شؤوناً داخلية خالصة.
فمن يحكم العالم، ولو من دون لقب، ينبغي ألا يختاره بعض العالم وحدهم.







