ملفات وتقارير

​عقيدة «بولس» المزدوجة: كيف يُستدعى «عدم التدخل» لشراء الوقت وتُفرض «الوصاية» لإسقاط الدول؟

«الديمقراطية موضع تقدير دائماً، لكن سياستنا هي عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى».
بهذه العبارة الملهمة في ظاهِرِها، والبراغماتية حتى النخاع في جوهرها، يُلخص مسعد بولس، مستشار الإدارة الأمريكية، العقيدة الخارجية الناشئة لواشنطن. عبارةٌ تتنقل عبر القارة الأفريقية كالزئبق؛ تتكيف مع التضاريس الجيوستراتيجية، وتتبدل معانيها بتبدل حدود الدول ونوع المصالح المقترنة بكل إقليم.
في دول دول الساحل الأفريقي — مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر — تصبح هذه الجملة سيفاً مسلطاً لحماية «واقعية المصالح». هناك، حيث استولت المجالس العسكرية على السلطة بإنقلابات صريحة وقوة السلاح، يتعامل المستشار الأمريكي مع ضباط الانقلابات بصفة رؤساء دول أَمْرٍ واقع، ويلتقي بهم لتنسيق ملفات الأمن والتعدين ومواجهة النفوذ المتمدد. يتحول مبدأ «عدم التدخل» هنا إلى غطاء دبلوماسي مريح يبرر للواشنطن براغماتيتها، ويتيح لها القفز فوق الشعارات البرّاقة للديمقراطية وحقوق الإنسان لمزاحمة القوى الدولية الأخرى على نفوذ المنطقة ومواردها التعدينية.
لكن، بمجرد أن تعبر هذه العقيدة الحدود الشرقية للساحل باتجاه السودان، تختفي هذه المرونة الدبلوماسية تماماً. تُطوى راية «عدم التدخل» ويُوضع المبدأ على الرف بذريعة عدم مشروعية «من يحكم بقوة السلاح». في السودان، الدولة ذات السيادة، والممثلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تُفرض القيود على رئيس مؤسستها العسكرية الرسمية ووزير خارجيتها، بينما يُصاغ الخطاب السياسي بشرط فرض خطط سياسية محددة حول كيفية إدارة البلاد وتحديد من يحق له الحكم.
وهنا يكمن الانفصام؛ فحالة السودان تُمثل صراعاً بين مؤسسة دولة رسمية وميليشيا مسلحة (قوات الدعم السريع)، بينما حالة الساحل تُمثل ضباطاً أطاحوا بحكومات مدنية واستولوا على السلطة. والتفسير لهذا التناقض الصارخ لا يكمن في نصوص القانون الدولي ولا في الحرص على التجربة الديمقراطية، بل في شبكة المصالح واللابيات الإقليمية والدولية المعقدة في واشنطن. إن حركة واشنطن في ملف السودان تتأثر بشكل مباشر بالحسابات السياسية لشركائها الإقليميين ورغبة بعض القوى الفاعلة في الحفاظ على ورقة “الميليشيا” وتفادي انهيارها الكامل لمنع حسم الصراع عسكرياً لصالح الجيش، وهو ما يُترجم عملياً عبر الضغط الدائم لفرض وقف إطلاق النار وتثبيت المعادلة السياسية والميدانية لصالح أطراف لا تمتلك شرعية رسمية.

هل ينطبق مبدأ «عدم التدخل» على ليبيا؟
إذا كانت الإجابة تأتي من سلوك تحركات بولس السياسية في الملف الليبي، فإن التناقض يصل إلى أوجِهِ.
ففي ليبيا، يتلاشى شعار “عدم التدخل” ليحل محله تدخلٌ مباشر في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري. يسعى بولس بخطوات متسارعة هندسة صفقة خاطفة تهدف إلى تسويق وترسيخ موقع القيادات العسكرية في الشرق، وعلى رأسهم صدام حفتر، لإعطائه دوراً محورياً يقوده لترؤس المجلس الرئاسي ضمن ترتيبات ما يُسمى مسار 4+4
وهذا المسعى يحمل في طياته عدة مفارقات وتساؤلات جوهرية:

إسباغ الشرعية على حساب التقارير الدولية: تأتي هذه الترتيبات المتعجلة برغم وجود العديد من التقارير الدولية والأممية والتحقيقات التي تشير إلى تورط صدام حفتر في شبكات التهريب للنفط والغاز بشكل مباشر ، ناهيك عن التطورات الأجهزة الأمنية مؤخراً وما تداولته الأنباء بشأن تورط صدان في الخلية التخريبية بطرابلس واستهداف مصفاة الزاوية لخلط الأوراق السياسية والأمنية.

شعار الاستقرار ومصالح الشركات: يتغطى الدعم الموجه لشرعنة النفوذ العسكري بذرائع “تثبيت الاستقرار وأمن الاستثمار الأمريكي”. وكما يحدث في الساحل، يتم التعامل مع الفاعلين الجدد بقوة الأمر الواقع بدلاً من التمسك بالشرعية الدستورية أو الانتخابية.

صناعة خريطة الحكام: بين محاولة «إنقاذ الميليشيا المتمردة» في السودان عبر فرض إيقاف الحرب لمنع انهيارها، وبين هندسة تنصيب شخصيات عسكرية نافذة في ليبيا كصدام حفتر عبر ترتيبات إقليمية عاجلة، تتضح معالم “العقيدة الجديدة”: الديمقراطية مجرد شعار مرن يُستدعى لعرقلة الخصوم، ويُستبعد لصالح الحلفاء.

في النهاية، تكشف العبارة التي افتتح بها بولس تصريحاته أن «عدم التدخل» ليس مبدأً أخلاقياً مستقراً، بل هو مجرد أداة دبلوماسية مطاطة. إنها ساسة تُفصّل حوافها على قياس خريطة النفوذ والمصالح؛ فتصبح “عدم تدخل” ووقوفاً مع الأمر الواقع في الساحل، وتتحول إلى “تدخل فج” ووصاية وتوجيه وتأشيرات محظورة في السودان وليبيا.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى