شباك نورمقالات وآراء

الدكتور أيمن نور يكتب: وجوه لا تغيب «يوسف القرضاوي».. رحل الإمام وظل الوسط طريقا

تحل غدا، السادس والعشرين من سبتمبر، الذكرى الرابعة لرحيل الدكتور يوسف القرضاوي، الذي غادر عالمنا عام ألفين واثنين وعشرين عن ستة وتسعين عاما. كتبت عنه قبل أيام في مئوية ميلاده، وأخذني يومها الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي، الذي عاد إلى حريته في اليوم نفسه، إلى مساحة إنسانية بين أب غاب وابن عاد. أما اليوم، فأعود إلى ما بقي في ذاكرتي من الرجل، وإلى ذلك الخيط الذي امتد في مشروعه بين التجديد والوسطية والاعتدال.

التقيت فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي مرات قليلة في السنوات الأخيرة من حياته. لم تكن صحبة طويلة تسمح لي أن أروي عنه ما لم أعشه، لكنها لم تكن لقاءات بلا أثر. أذكر الرجل أكثر مما أذكر الكلام: وقاره الذي لم يكن ثقيلا، وهدوءه الذي لم يكن برودا، وإنصاته الذي كان يكشف أن المعرفة لم تغلق فيه باب الفضول. كنت أمام رجل قطع رحلة بعيدة مع الكتب والناس والحياة، وبقيت عيناه مفتوحتين على زمن يتغير. وبعض اللقاءات لا تقاس بطولها، بل بما تتركه في النفس بعد أن تنتهي.

لم أكن في حضرته فقيها أمام فقيه، ولا صاحب علم شرعي يناقش عالما كبيرا. كنت وما زلت رجل سياسة ليبراليا، جاء من طريق فكري آخر، لكنه يعرف قيمة العقل، ويحترم الاجتهاد، ويؤمن بأن المجتمعات لا تستقيم إذا ابتلع طرف واحد بقية أطرافها. ومن هذه النافذة أرى الدكتور يوسف القرضاوي، وأرى وراءه وجها مصريا سبقه بنحو قرن: الأستاذ الإمام محمد عبده.

لا أضع الرجلين في إطار واحد، فلكل منهما عصره وتكوينه وأدواته، لكنني أراهما على ضفتين من نهر مصري واحد. أراد محمد عبده أن يعيد للعقل مكانه في بيت الدين، وأن يجعل الإصلاح عملا في الأزهر والتعليم والقضاء والمجتمع. ثم جاء القرضاوي في عالم آخر ليعيد وصل الفقه بالواقع، والحكم بمقصده، والنص بالإنسان. كان محمد عبده، في مخيلتي، يفتح نافذة في بيت قديم ليدخل الهواء، وكان القرضاوي يحمل الكتاب من رفوفه إلى حركة الحياة.

هنا أرى قيمة مشروع الدكتور يوسف القرضاوي. فقه المقاصد، وفقه الأولويات، وفقه الموازنات، وفقه الواقع والمآلات والاختلاف، لم تكن مجرد أسماء تضاف إلى مكتبة الفقه، بل محاولة لتوسيع زاوية النظر، كي لا ينفصل الحكم عن حكمته، ولا النص عن واقعه، ولا الجزئي عن الصورة الأكبر.

وأكثر ما جذبني بعين السياسي هو «فقه الأولويات». فالسياسة أيضا تحتاج إلى من يعرف وزن الأشياء. ليست كل المعارك جديرة بأن نخوضها، ولا كل الانتصارات تستحق أثمانها. كم من وطن ربح فيه السياسيون معركة صغيرة وخسر الناس المستقبل، وكم من سفينة تنازع ركابها على المقاعد بينما كان الماء يرتفع تحت أقدامهم. ترتيب الأولويات ليس مهارة فقهية وحدها، بل حكمة للحكم والمعارضة والمجتمع والحياة.

لكن العلامة الأوضح في تجربة الإمام يوسف القرضاوي بقيت عندي هي الوسطية. لا بوصفها وقوفا حسابيا في منتصف الطريق، ولا منطقة باهتة بين لونين، بل قدرة على مقاومة غواية الأطراف: أن تحافظ على الأصل دون تحجر، وتنفتح على العصر دون ذوبان، وتمتلك يقينك دون أن تصادر حق غيرك في يقينه. فالوسطية ليست نصف موقف، والاعتدال ليس نصف شجاعة.

ومن موقعي الليبرالي أجد نفسي قريبا من هذا المعنى، وإن اختلف الطريق إليه. قد أصل أنا إلى الحرية من تاريخ الفكر الليبرالي، ويصل إليها غيري من مقصد شرعي، ويأتي ثالث من تجربة سجن، ورابع من قصيدة. لا تقلقني الطرق المختلفة إذا التقينا عند الإنسان. فالعدل لا يسأل المظلوم عن مذهبه قبل أن ينصفه، والحرية لا تطلب بطاقة فكرية ممن يستحقها، والكرامة لا تنقص لأن صاحبها لا يشبهنا.

وبعد أربعة أعوام فقط على رحيله، يبدو فضاؤنا العربي أكثر احتياجا إلى هذا الصوت. نسمع طائفية تحاول إيقاظ أحقاد كان الأولى أن تبقى في قبور التاريخ، وتعصبا فكريا يلبس أحيانا ثوب الدين، وخطابات تحول الاختلاف إلى خصومة ثم الخصومة إلى كراهية. وقد علمتني السياسة أن التطرف لا يبدأ دائما بسلاح، بل كثيرا ما يبدأ بكلمة تنزع عن المختلف إنسانيته، ثم تتكفل بقية الطريق بما هو أفدح.

لهذا لا أفهم الاعتدال باعتباره فضيلة ناعمة. الاعتدال موقف شجاع في المجتمعات المنقسمة: أن تقف في وجه جماعتك إذا ظلمت كما تقف في وجه خصمك إذا ظلم، وأن تدافع عن حق المختلف لأن حقه جزء من حقك. والوطن، كما عرفته وحلمت به، لا يمكن أن يكون مذهبا واحدا، ولا حزبا واحدا، ولا جماعة واحدة. الوطن بيت لا يصبح وطنا إلا باتساعه لمن يختلفون تحت سقفه.

وهنا تزداد عندي الصلة بين محمد عبده ويوسف القرضاوي. لا نحتاج اليوم إلى نسخة جديدة من أي منهما، فالنسخ نقيض التجديد. ما نحتاجه هو الجرأة التي جعلت الأول يفتح للعقل نافذة، وجعلت الثاني يوسع للواقع مكانا داخل النظر الفقهي. نحتاج إلى روح تعرف أن حماية الأصل لا تكون بتحنيطه، وأن الانفتاح على العصر لا يكون باقتلاع الجذور.

وقبل أيام كتبت عن الصديق الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي عائدا إلى حريته. واليوم، عشية ذكرى رحيل أبيه، أرى الصورة من جهة أخرى: الأب ترك وراءه كتبا واجتهادا ودعوة إلى الوسطية، والابن عاد إلى حياته وقصيدته بعد محنة سلب الحرية. وبين الفقيه والشاعر، وبين كتاب الأب وقصيدة الابن، يبقى الإنسان في نظري هو المتن، وكل ما عداه هوامش مهما كبرت.

وغدا، بعد أربعة أعوام على رحيل الدكتور يوسف القرضاوي، سأحتفظ منه بما احتفظت به من لقاءاتي القليلة معه: وقار بلا استعلاء، وعلم لا يغلق نوافذه، وهدوء لا يحتاج إلى الصراخ. وسأراه في ذلك الخيط المصري الممتد من محمد عبده إلى كل عقل حاول أن يصالح الأصل مع العصر دون أن يخون أحدهما. رحم الله الإمام يوسف القرضاوي. ففي زمن تتكاثر فيه الخنادق، تزداد حاجتنا إلى من يبنون الجسور، وفي زمن يعلو فيه صوت المتطرفين، يبقى الاعتدال أشجع الطرق وأصعبها.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى