
نشرت صحيفة «لوموند» اليوم، الخامس والعشرين من سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، تقريرًا لمراسلها في القاهرة، صامويل فوري، بعنوان «وسط اضطرابات أزمة الشرق الأوسط، الاقتصاد المصري يصمد». ويقدم التقرير قراءة تستحق المناقشة، لما يرصد من قدرة الاقتصاد المصري على استيعاب جانب من الصدمات الإقليمية، والاستفادة من إعادة توجيه بعض مسارات التجارة والطاقة.
أرحب بكل تحسن يعزز سلامة الاقتصاد المصري. ومن موقعي المعارض، أرى أن التقييم الجاد يقتضي الاعتراف بالإجراءات المفيدة، وتحديد حدود أثرها. والتقرير، رغم إشارته إلى المديونية والفقر ومخاطر الطاقة، يمنح تحسن السيولة بالنقد الأجنبي وزنًا أكبر من التحولات المطلوبة في بنية الإنتاج ومستويات المعيشة. وهنا يقع موضع اختلافي الأساسي: القدرة على تمويل الاحتياجات العاجلة مؤشر مهم للاستقرار، لكنها لا تكفي لإثبات تحقق تعافٍ مستدام.
فالاحتياطي النقدي يحتاج إلى قراءته مع التزامات السداد المقبلة، وتغطية الواردات، ومصادر التدفقات التي تدعمه. هناك فارق اقتصادي جوهري بين حصيلة صادرات تتجدد، واستثمار يؤسس طاقة إنتاجية، وقرض يرتب التزامًا لاحقًا، وبيع أصل يحقق تدفقًا غير متكرر. وقد تتحسن السيولة في الحالات الأربع، بينما تختلف آثارها على القدرة المستقبلية للاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.
وينطبق ذلك على تحويلات المصريين في الخارج، التي أبرز التقرير ارتفاعها القياسي. فتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي يعزز جاذبية التحويل عبر البنوك، ويستحق أن يُحسب ضمن مكاسب تصحيح سوق الصرف. لكن تفسير الزيادة يتطلب فصل هذا الأثر عن نمو دخول المغتربين، أو تحويل مدخرات استثنائية، أو عودة بعض الأسر من الخليج. والفرضية الأخيرة، التي ينقلها التقرير عن إحدى المحللات، تحتاج إلى بيانات أوسع قبل اعتمادها تفسيرًا عامًا. وتظل هذه التحويلات ثمرة عمل المصريين ومدخراتهم، ومصدرًا لدعم أسرهم واستقرار بلدهم.
كذلك فإن تنشيط الموانئ وخط سوميد والممرات البرية والبحرية يمثل فرصة حقيقية. غير أن تقييمها يحتاج إلى التمييز بين الطاقة الاستيعابية وحجم التشغيل الفعلي، وبين قيمة البضائع العابرة والإيراد الذي تحصل عليه مصر. والمعيار الأدق هو صافي العائد بعد تكاليف التشغيل والتمويل، ومدى مساهمته في تعويض خسائر أخرى، وقدرته على الاستمرار عندما تستعيد الملاحة مساراتها المعتادة. فجدوى طريق فرضته الحرب قد تتغير مع انحسارها.
وأرى أن القيمة الأعمق لهذه الممرات تتحقق بربطها بالصناعة المصرية وسلاسل التوريد المحلية. تطوير النقل ينبغي أن يخفض تكلفة وصول المنتج المصري إلى الأسواق، ويجذب أنشطة التصنيع والتخزين والخدمات، ويوفر وظائف مستقرة. بهذا المعيار يمكن تقدير عائد البنية الأساسية، وتحديد المشروعات التي توسع القدرة الإنتاجية وتستحق أولوية التمويل.
وفي ملف الدين، لا يكفي عرض نسبته إلى الناتج المحلي. يلزم النظر إلى كلفة الفوائد، وآجال الاستحقاق، وحصة الالتزامات بالعملات الأجنبية، واحتياجات إعادة التمويل. كما أن انخفاض نسبة الدين قد يتأثر بارتفاع الناتج الاسمي، دون أن يعني بالضرورة تراجع العبء على الموازنة. لذلك تظل مراجعة كفاءة الإنفاق العام والعائد الاقتصادي للمشروعات جزءًا أساسيًا من تقييم الصمود، خصوصًا حين تزاحم خدمة الدين الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار المنتج.
أما الحلقة الأقل حضورًا في التقرير فهي بيئة المنافسة. فالاستقرار النقدي لا يحقق كامل أثره إذا بقي المستثمر يواجه تفاوتًا في المعاملة أو غموضًا في القواعد. والإصلاح الليبرالي الذي أدافع عنه يقوم على تكافؤ الفرص، وشفافية التعاقدات، وإخضاع الشركات المدنية والعسكرية العاملة في الأسواق لقواعد موحدة. وتُقاس جدوى التخارج من الأصول العامة بما يضيفه من كفاءة ومنافسة واستثمار، إلى جانب عدالة التقييم وحماية المال العام.
وفي الطاقة، ينبغي فصل أثر ارتفاع الأسعار العالمية واضطراب الإمدادات عن أسباب فجوة الإنتاج المحلي. هذا الفصل ضروري لتحديد ما يمكن للسياسة الاقتصادية معالجته، من انتظام الاستثمار وتنويع الموردين إلى كفاءة الاستهلاك وتوسيع مصادر الطاقة المتجددة. كما أن تحسن إيرادات السياحة يحتاج إلى التمييز بين النتائج المحققة والتوقعات المستقبلية، وقياس القيمة المضافة المحلية ومتوسط إنفاق الزائر، إلى جانب أعداد الوافدين.
ويبقى الاختبار الاجتماعي حاسمًا. انخفاض البطالة يحتاج إلى قراءته مع المشاركة في سوق العمل، وجودة الوظائف، والأجور الحقيقية. وتراجع التضخم يعني تباطؤ ارتفاع الأسعار، ولا يعيد تلقائيًا القوة الشرائية التي فقدتها الأسر. لذلك فإن اكتمال التعافي يستلزم نموًا يرفع الإنتاجية والدخول، وتصل ثماره إلى قطاعات أوسع من المصريين.
أقدّر ما رصده مراسل «لوموند» من عناصر مقاومة، وأرى أن البناء عليها يتطلب إصلاحًا أعمق من إدارة التدفقات النقدية. ما أتمناه لمصر هو أن تتحول قدرتها على اجتياز الأزمات إلى قدرة على تقليل تكرارها وكلفتها. وعندما ينعكس الاستقرار على فرصة العمل ودخل الأسرة وجودة الخدمات، يصبح للصمود الاقتصادي عائد يستطيع المصريون أن يلمسوه في حياته.







