
من أسباب تنامي الإسلاموفوبيا واتساع رقعة التصويت لليمين المتطرف في فرنسا، وربما في أوروبا كلها، مشاهد صغيرة قد تبدو عابرة، لكنها تترك آثاراً عميقة في الوعي الجمعي لمن يعيشها.
في أحد قطارات الضواحي الباريسية، جلس شبانٌ منحدرون من أصول عربية يدخنون الحشيش بلا اكتراث. كانت أحذيتهم مستقرة فوق المقاعد المخصّصة للركاب، فيما كانت نظراتهم تجوب العربة بشيء من التحدّي والعداء. لم يكن أحد يجرؤ على الكلام، إلى أن بادرت سيدة إلى مطالبتهم بإطفاء السجائر، مذكّرةً بأن التدخين ممنوع في وسائل النقل العامة.
انفجر غضبهم وارتفعت أصواتهم، وكادوا أن يعتدوا عليها. ثم حدثت المعجزة حيث اكتشف الشبان، من لهجة السيدة، أنها تنتمي إلى المنطقة الجغرافية نفسها التي ينتمون إليه. فجأة تبدّد الغضب، وحل الاعتذار مكانه، ثم بدأ حديث ودّي سرعان ما اتخذ منحىً آخر. كان “الآخر” محور الحديث. الآخر الفرنسي الأبيض. الآخر الذي لا يستحق، في نظرهم، كثيراً من الاحترام. والمثير للحزن أن السيدة لم تعترض، بل شاركت في النقاش وأضافت إليه. خلال دقائق، تشكلت أمام الركاب صورة مصغرة عن عالم كامل من الانغلاق والكراهية والازدواجية.
كان بقية الركاب صامتين ويراقبون المشهد من خلف الصحف والهواتف وشاشات الحواسيب المحمولة. لكن الصمت لا يعني الفراغ. ففي تلك اللحظات تحديداً كانت أفكار سلبية كثيرة تتكون في الرؤوس، وهي ستعود حتماً للظهور أمام صناديق الاقتراع. فلن يقرأ ركاب ذلك القطار كتب بيير بورديو، ولن يعودوا إلى أبحاث غيره من اللامعين المتخصصين في قضايا الهجرة والاندماج. وهم لن يناقشوا إخفاق الدولة المركزية في سياسات الإسكان والتعليم، ولن يحللوا آثار التهميش الاجتماعي أو البطالة أو العزلة الثقافية. لن يدخلوا في نقاشات مطولة حول مسؤولية الجمهورية الفرنسية التراكمية في إنتاج ضواحيها الفقيرة والغاضبة. كل ذلك قد يكون صحيحاً، وقد يكون ضرورياً لفهم الصورة الكاملة، لكنه لا يغير شيئاً في الانطباع الذي يتشكل أمام العين مباشرة. فالمواطن العادي لا يبني موقفه السياسي استناداً إلى الأبحاث الأكاديمية، إنما يبنيه من التجارب اليومية. من مدرسة أبنائه، ومن الحي، ومن القطار الذي يستقله صباحاً إلى عمله.
المشكلة أن الرأي العام لا يتعامل مع الإحصاءات بقدر ما يتأثر بالصور. وقد تكون صورة واحدة أحياناً أقوى من ألف دراسة
من الإنصاف القول إن هؤلاء الشبان لا يمثلون المهاجرين، كما أن المشجع العنيف لا يمثل جمهور كرة القدم، ولا الفاسد يمثل موظفي الدولة. ففرنسا اليوم تضم ملايين المواطنين والمقيمين من أصول عربية وأفريقية وآسيوية يستيقظون كل صباح للذهاب إلى أعمالهم، ويدفعون الضرائب، ويحترمون القانون، ويساهمون في الاقتصاد والثقافة والحياة العامة. كثيرون منهم يشعرون بالصدمة نفسها التي شعرتُ بها وأنا أراقب ذلك المشهد، لأنهم يدركون أن ثمن هذه التصرّفات سيدفعه الجميع، بمن فيهم الذين لم يرتكبوا أي إثم. بل أول ضحايا هذه السلوكيات هم أبناء الهجرة أنفسهم. فكل شاب يتباهى بازدراء قوانين البلد الذي يعيش فيه يضيف حجراً جديداً إلى الجدار الذي يحاول ملايين غيره هدمه بصبر وجهد يومي. وبينما ينشغل بعض المثقفين بإنكار المشكلة بالكامل، ينشغل اليمين المتطرّف بتعميمها على الجميع، وتضيع الحقيقة بين الإنكار والتعميم.
في عودة سريعة الى هؤلاء الشبان، كانوا يخلطون بين التدين والاستعراض، وبين الشعارات والممارسات. يردّدون أدعية وعبارات دينية لا أعرف لها أصلاً ولا سنداً، فيما كانت رائحة الماريجوانا تنتشر من حولهم. يتحدثون عن الأخلاق وأقدامهم فوق المقاعد، وعن الدين ودخان الحشيش يتصاعد من أيديهم، وعن الهوية والكرامة وهم يمارسون احتقار الآخرين في أبسط تفاصيل الحياة اليومية.
رأيت في ذلك المشهد صورة مصغرة عن أحد أخطر أمراض عصرنا، استخدام الهوية امتيازاً لا مسؤولية، والدين شارة انتماء لا منظومة قيم، والانتماء الوطني أو الثقافي مبرّراً لرفض المجتمع لا جسراً للاندماج فيه. صحيح أن ملايين الفرنسيين من أصول عربية أو مسلمة لا يشبهون هؤلاء الشبان في شيء، وصحيح أن التعميم ظلم فادح. لكن المشكلة أن الرأي العام لا يتعامل مع الإحصاءات بقدر ما يتأثر بالصور. وقد تكون صورة واحدة أحياناً أقوى من ألف دراسة.
المشكلة تبدأ حين يتحول الانطباع إلى يقين، ويصبح الاستثناء قاعدة
من هنا تحديداً تتغذّى الشعبويات الأوروبية. ليس من الكتب ولا من النظريات، بل من التفاصيل اليومية التي تتراكم بصمت. ومن هنا أيضاً تنمو الإسلاموفوبيا، لا بوصفها نظرية فكرية، بل رد فعل على تجارب يراها الناس أو يعتقدون أنهم يرونها. كما ذاك “المسلم” الذي ضرب مضيفة طائرة لانها طلبت منه عدم الصلاة في الممر.
لقد حسم فرنسيون كثيرون مواقفهم من قضية الهجرة والاندماج منذ زمن. لكن التحدّي الحقيقي ليس في إقناعهم بتجاهل ما يرونه، بل في منع تصرفات أقلية صاخبة من أن تتحوّل إلى حكم على ملايين البشر. فحين يُختزل المهاجر في صورة مشاغب في قطار، كما يُختزل الفرنسي في صورة عنصري يكره الأجانب، يخسر الجميع، وتنتصر الشعبوية من كل الجهات.
ركاب القطار هذا الصباح لم يغادروا العربة ومعهم نسخة من بورديو، لكنهم أيضاً لم يغادروا وهم يحملون الحقيقة كاملة. لقد حملوا انطباعاً واحداً من بين آلاف الوقائع الأخرى التي تصنع المجتمع الفرنسي. والمشكلة تبدأ حين يتحول الانطباع إلى يقين، ويصبح الاستثناء قاعدة، وتُحاكم جماعات بأكملها على أفعال أفراد منها.
- المصدر: موقع العربي الجديد الاخباري





