مقالات وآراء

كنانة خلف الكردي تكتب: قمع الفكرة حين يكتب الخوف بدلاً عنك

لا تقتلوا السؤال

حين يخاف الإنسان من منشوره… يبدأ الصمت بالانتصار.

ليست أخطر مراحل القمع تلك التي يُغلق فيها فم الإنسان بالقوة، بل تلك التي يتعلم فيها الإنسان أن يصمت قبل أن يتكلم.

حين يصبح المواطن خائفاً من كتابة رأيه، والصحفي متردداً في نشر تحقيقه، والباحث حذراً من طرح سؤال، والمثقف مضطراً إلى مراجعة كل كلمة خوفاً من تأويلها، فإن المشكلة لم تعد في منشور حُذف أو حساب أُغلق؛ بل في تحول الخوف إلى آلية رقابة داخلية وهنا يبدأ القمع الحقيقي.

القمع الرقمي لا يعني فقط الحظر والملاحقة والحذف. قد يكون أكثر نعومة وأشد تأثيراً : أن تجعل الإنسان يشعر بأن التعبير مخاطرة، وأن السؤال قد يُحسب عليه، وأن الاختلاف قد يتحول إلى تهمة عندها لا تحتاج إلى إسكات الجميع يكفي أن يخاف الجميع عندما يصبح الصمت سياسة الدولة تحتاج إلى القانون لحماية المجتمع من التحريض على العنف، والتهديد، والتشهير، وخطاب الكراهية. وهذه حماية مشروعة للمجال العام.

لكن الخطر يبدأ عندما تتحول حماية القانون إلى ذريعة لتضييق مساحة الاختلاف، وعندما يصبح النقد السياسي أو الإداري أو الاجتماعي قريباً من خانة الاتهام لمجرد أنه لا ينسجم مع السائد النقد ليس فوضى والسؤال ليس مؤامرة والاختلاف ليس خيانة.

هذه ليست عبارات مثالية؛ بل قواعد ضرورية لبناء مجال عام صحي.

فالدولة التي لا تسمح إلا بالأصوات المتوافقة معها لا تحصل على استقرار حقيقي؛ بل تحصل على صورة هادئة لواقع قد يكون أكثر اضطراباً مما يظهر أخطر ما يفعله القمع بالفكرة الفكرة لا تختفي عندما تُمنع من النشر قد تختفي من الشاشة، لكنها تبقى في العقول.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ضاق المجال العلني أمام النقاش، اتسعت المساحات المغلقة التي تتداول فيها الأفكار بعيداً عن الحوار المؤسساتي وإذا كانت الدولة تريد معرفة مكامن الخلل، فإن إسكات النقد يحرمها من واحدة من أهم أدوات التشخيص.

الموظف الذي يخشى الحديث لن يكشف الخلل والصحفي الذي يخشى السؤال لن يفتح الملف والباحث الذي يخشى النتيجة لن يطرح الفرضية والمواطن الذي يخشى التعبير سيكتفي بالمراقبة.

وبذلك تتحول الرقابة من حماية للنظام العام إلى عجز عن رؤية الواقع كما هو.

الدولة القوية لا تخاف من السؤال

قوة الدولة لا تُقاس بعدد المنشورات التي حُذفت، ولا بعدد الأصوات التي اختفت من المشهد.

تقاس بقدرة مؤسساتها على سماع النقد، وفرز المعلومات، والرد على الادعاءات، وتصحيح الأخطاء، وتطبيق القانون على الجميع بمعايير واضحة.

الفكرة الخاطئة يمكن تفنيدها والمعلومة المضللة يمكن تصحيحها والادعاء يمكن مواجهته بالوثيقة ،أما تحويل كل اختلاف إلى تهديد، فيخلق بيئة لا يعود فيها الناس يسألون: هل الفكرة صحيحة؟

بل يسألون أولًا: هل من الآمن أن أقولها؟

وهذه لحظة خطرة في حياة أي مجتمع.

لا تقتلوا السؤال

المجتمعات لا تتقدم لأنها متفقة دائماً ،تتقدم لأنها قادرة على الاختلاف دون أن تتحول الخلافات إلى قطيعة، وعلى النقد دون أن يتحول النقد إلى عنف، وعلى التعبير دون أن تتحول الحرية إلى اعتداء على الآخرين.

ولهذا فإن المطلوب ليس حرية بلا مسؤولية، ولا سلطة بلا حدود المطلوب قانون واضح، وحرية مسؤولة، ومؤسسات قادرة على التفريق بين الجريمة والرأي، وبين التحريض والنقد، وبين الكراهية والاختلاف.

فحين تكون الحدود واضحة، يقل الخوف.

وحين يقل الخوف، يتكلم الناس وحين يتكلم الناس، تستطيع الدولة أن تسمع.

وحين تسمع الدولة، تستطيع أن تصحح.

أما حين يصبح الخوف هو المحرر الأول لكل منشور، فإننا لا نحمي الدولة من الأفكار؛ بل نحرم الدولة من فرصة معرفة ما يحدث داخل مجتمعها

أخطر قمع ليس حذف المنشور.

أخطر قمع هو أن يكتب الإنسان منشوره… ثم يمسحه خوفاً .

لأن اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان برقابة نفسه، لا يكون الصمت قد فُرض عليه فقط؛ بل يكون قد أصبح جزءاً من النظام.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى