شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: القبر الذي خدعني توقيعه. النديم في ذكراه ال130 (2من15)

قبل نحو عشر سنوات وقفت في مقبرة يحيى أفندي في بشكتاش أمام شاهد عثماني قديم. كنت أبحث عن عبد_الله_النديم. وكان قلبي أسرع قليلًا من عين الباحث. قرأت في أسفل الحجر كلمة واحدة. النديم. كانت كافية يومها كي أستريح. فأنا أبحث عن النديم واسمه أمامي. التقطت صورة إلى جوار الشاهد وغادرت مطمئنًا إلى أنني عرفت أخيرًا أين انتهت رحلة خطيب الثورة العرابية وزعيم المنفيين.

مضى عقد كامل. وعدت إلى المقبرة هذه الأيام استعدادًا للذكرى المئة والثلاثين لرحيله. لكن بعض الأخطاء لا تكشف نفسها فورًا. تنتظرنا طويلًا حتى نعود إليها بعيون أخرى. رأيت كلمة «النديم» على شاهد آخر. ثم على شاهد غيره. وهنا بدأ اليقين القديم يتشقق. بحثت أكثر حتى جاءت المفاجأة التي أضحكتني بقدر ما أوجعتني. النديم الذي قرأته قبل عشر سنوات لم يكن اسم صاحب القبر. كان توقيع الخطاط الذي كتب الشاهد.

والأغرب أن البحث العلمي جاء ليمنح هذه المفارقة دليلها. فالباحثة التركية طوبا_روهنكيز_أزاكلي أعدت في جامعة مرمرة دراسة موسعة عن شواهد مقبرة يحيى أفندي. ثم نشرت بحثًا متخصصًا عن توقيعات الخطاطين على تلك الشواهد. أحصت فيه تسعة وسبعين شاهدًا يحمل توقيعات خطاطين. وبين الأسماء يظهر خطاط باسم «نديم» على الشاهد رقم ألف وأربعمئة واثنين وستين. لكنه شاهد مصطفى صائب بك المتوفى سنة ألف وتسعمئة وواحد وعشرين. أي أن كلمة «النديم» التي قد تراها أسفل حجر ليست بالضرورة اسم من يرقد تحته.

كأن الحجر انتظر عشر سنوات ليقول لي بهدوء. ارجع إلى البداية. وهذه المرة لا تكتف بما تحب أن تراه.

ومن هذه الخديعة الصغيرة بدأت الرحلة من جديد. خلال الساعات الأخيرة بدأت أطرق أبوابًا سبق أصحابها أن اقتربوا من الرجل أو من قبره. تواصلت عبر صديق مشترك مع الكاتب والصحفي بلال_فضل. وبلال ليس عابرًا في هذه الحكاية. فقد سبق إلى الطريق نفسه وكتب سلسلة حملت عنوان «البحث عن قبر النديم». وفي رحلته استعان بالمؤرخ عمرو_عبد_العزيز_منير. وهو أحد مؤسسي حملة بدأت سنة ألفين وتسعة تحت عنوان جميل ما زال صالحًا للحياة. «بصوتك عبد الله النديم يعود للوطن».

ومن كتابة بلال_فضل ظهر خيطان لا أريد أن يضيعا. الأول أن عمرو_عبد_العزيز_منير أعطاه طرف خيط في رحلة البحث. والثاني أن فردًا من أسرة النديم كان قد تواصل مع الحملة. ثم عاد بلال سنة ألفين وواحد وعشرين ليضيف خيطًا أكثر إثارة. قال إن كاتبًا صديقًا يقيم في إسطنبول أخبره بأنه استطاع الوصول إلى قبر النديم. لكنه لم يسمه. ومن هنا أبحث الآن عن هذا الكاتب. أين وقف. ماذا رأى. هل التقط صورة. هل احتفظ برقم أو علامة أو اسم موظف في المقبرة. فربما تكون بين يديه القطعة الناقصة من الخريطة.

وتواصلت كذلك مع الكاتب والصحفي التركي محمد_زاهد_جول. وكانت إضافته مختلفة. لفت نظري إلى أن زاوية يحيى أفندي ليست مجرد مقبرة تاريخية. المكان نفسه ارتبط عبر القرون برجال دولة وعلماء وأهل قصر وشخصيات من دوائر التأثير العثمانية. وهذا يمنح دفن عبد_الله_النديم هناك معنى يتجاوز مصادفة المكان. فربما يخبرنا القبر عن مكانة الرجل في الآستانة بقدر ما يخبرنا عن نهايته.

وسأتواصل خلال الساعات المقبلة مع الكاتب والمفكر عمار_علي_حسن. فهو أيضًا دخل هذه الحكاية من باب الوجدان قبل الأرشيف. زار إسطنبول مؤخرًا. وسأل عن قبر النديم. ثم عاد حزينًا لأن من سألهم لم يتفقوا على مكانه. وفي أغسطس الماضي كتب قصيدته الجميلة «منسي في إسطنبول» مهداة إلى خطيب الثورة العرابية.

وأتمنى بعد التواصل معه والاتفاق المناسب أن تتحول روح هذه القصيدة في حملتنا إلى عمل غنائي أصلي يليق بذكرى زعيم المنفيين. فبعض السير لا تكفيها المقالات. تحتاج إلى صوت. وإلى لحن. وإلى ذاكرة تعرف كيف تغني. لكنني سأبحث مع عمار_علي_حسن أيضًا عن أي اسم صادفه أو رواية سمعها أو شخص قابله في رحلته. فربما يحمل هو الآخر طرفًا من الطريق.

وعلى الطرف التركي تقف طوبا_روهنكيز_أزاكلي. درست شواهد المقبرة في رسالة ماجستير بجامعة مرمرة سنة ألفين وتسعة. وتعمل اليوم في جامعة كوجالي. وأريد الوصول إليها مباشرة لمعرفة إن كانت صور الجرد القديم أو ملاحظاتها الميدانية تحمل اسم عبد_الله_النديم أو وصفًا يمكن أن يقود إلى موضع قبره.

هكذا لم تعد أمامي مقبرة فقط. صار أمامي بشر وذكريات ووثائق متفرقة. بلال_فضل. عمرو_عبد_العزيز_منير. محمد_زاهد_جول. عمار_علي_حسن. طوبا_روهنكيز_أزاكلي. وخلف الجميع أرشيف عثماني ضخم لم يقل كلمته بعد.

ولهذا اتسعت رحلتي. لم أعد أبحث فقط عن رقم قبر. أبحث عن الرجل نفسه. عن أوراق عبد_الله_النديم التي بقيت في الآستانة. عن كتبه التي ربما لم تصل إلى مصر. عن مراسلاته. عن التقارير التي كتبت عنه. عن سنوات عمله مفتشًا للمطبوعات العربية. عن علاقته بـجمال_الدين_الأفغاني. عن الأوراق التي قيل إنها بقيت بعد موته لدى محمد_ظافر. وعن أي أثر طوته السياسة أو الرقابة أو الزمن.

لذلك أوجه دعوة مفتوحة إلى كل باحث مصري أو تركي يعرف الأرشيف العثماني. وإلى المتخصصين في قراءة الوثائق العثمانية. وإلى الباحثين في الأوقاف التركية وسجلات المقابر القديمة. وإلى أسرة عبد_الله_النديم وأقاربه إن بقي لديهم شيء من الأوراق أو الصور أو الذاكرة. لا أبحث عن رقم يوضع فوق خريطة فقط. أبحث عن جزء من تاريخ مصر ظل في المنفى.

لقد مات عبد_الله_النديم بعيدًا عن وطنه. لكن الأكثر قسوة أن تبقى بعض حياته نفسها بعيدة عنه. أن تبقى الأوراق في مكان. والذاكرة في مكان. والقبر بلا رقم في ذاكرتنا. والرجل حاضرًا في كتب التاريخ وغائبًا عن الطريق المؤدي إليه.

أما كلمة «النديم» التي خدعتني على الحجر قبل عشر سنوات فلم أعد غاضبًا منها. ربما أدت مهمتها متأخرة. أوقفت بحثي مرة. ثم أعادته اليوم من البداية. وهذه المرة لن أكتفي بكلمة في أسفل شاهد.

أريد الاسم كاملًا. والقبر كاملًا. والرقم. والسجل. والأوراق. والحكاية للسنوات النفي الاجباري للراحل عبد_الله_النديم.

لا فقط توقيع الخطاط. ولا ظل الاسم. ولا وهم الوصول.

فأحيانًا يكون الخطأ الصغير هو الباب الذي ندخل منه إلى الحقيقة الكبيرة. وأحيانًا يبدأ العثور على رجل من الاعتراف بأننا لم نعثر عليه بعد.

غداً باذن الله نستكمل رحله البحث عن عبد الله النديم.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى