
سيكون الفرنسيون على موعد مع الانتخابات الرئاسية في حزيران/ يونيو المقبل. وتحضيراً لهذه الانتخابات، يتنافس عدد من ممثلي “اليسار” الفرنسي في انتخابات بين مناصريهم، لكي يتم الاتفاق على ترشيح أحدهم. من يمثل اليسار في فرنسا اليوم؟ وهل من يسار فعلاً؟ أم أن اللبرلة أصابت الجميع في ظل وباء كوني ظهرت نتائجه الأولية في الأزمات الاقتصادية وفي الحروب وفي التقهقر البيئي والمناخي؟ وما هو موقع حزب فرنسا الأبية في هذا اليسار؟
تأسست الأممية العمالية الفرنسية بقيادة جان جوريس سنة 1905، وانقسمت سنة 1920، بعد الثورة البلشفية في روسيا، إلى القسم الفرنسي للأممية الشيوعية من جهة، الذي صار لاحقا الحزب الشيوعي الفرنسي، واستمرت أقلية تمثل التيار الاشتراكي الديمقراطي، بقيادة ليون بلوم، تحت مسمى الأممية العمالية، ليصير اسمها الحزب الاشتراكي الفرنسي سنة 1969 بقيادة فرانسوا ميتران.
ميتران آتٍ من أسرة كاثوليكية يمينية محافظة، وعندما وصل إلى العاصمة باريس في ريعان شبابه، اقترب أكثر من اليمين القومي. حيث انضم إلى منظمة شبابية يمينية قومية معادية للشيوعية باسم “المتطوعين الوطنيين”، وهم جزء من حركة متطرفة تدعى “صليب النار”. ولا توجد معلومات موثقة تُشير إلى انتمائه إلى حركة “العمل الفرنسي” الفاشية حينذاك.
مع الحرب العالمية الثانية واحتلال فرنسا، انضم ميتران إلى إدارة حكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي، التي كان على رأسها المارشال فيليب بيتان. حيث شغل موقعاً إدارياً في إدارة شؤون أسرى الحرب. وكان ككثير من الفرنسيين ميالاً إلى شعارات المارشال بيتان القومية والمحافظة. حتى أنه حصل على وسام سنة 1943 من الإدارة ذاتها. ولكنه بعد ذلك، انضم إلى المقاومة الفرنسية حيث بقي الجدل حول سبب ذلك التحول محل اجتهادات عدة للمؤرخين الفرنسيين. فمن لم يعتبره ناجماً عن وعي أخلاقي، اعتقد بأنه ناجم عن مستوى عال من الذكاء الانتهازي حين شعر بقرب أجل الاحتلال. وبعد التحرير تم انتخابه سنة 1946 كنائب عن اليمين المحافظ. وقام بالميل تجاه اليسار نتيجة لعدائه للجنرال شارل ديغول ومعارضته العنيفة له، مما دفع به للاقتراب من أحزاب اليسار وثم قاد عملية توحيدها ليصبح أمين عام الحزب الاشتراكي سنة 1971. وعنونت حينها صحيفة اللوموند صفحتها الأولى بالقول “رجل اليمين أصبح اشتراكياً، ومعادٍ للشيوعية، تحالف لاحقاً مع الحزب الشيوعي”. ليصير بعد حين أول رئيس “اشتراكي” في الجمهورية الخامسة الفرنسية.
نجح ميتران على مراحل في سحب بساط تمثيل اليسار الفرنسي من تحت أقدام الشيوعيين ليضعها في عهدة الاشتراكيين. وعند وصوله للحكم، كان حضور الشيوعيين في تقلص نسبي حيث تراجعت قوتهم الانتخابية عام 1978 لتصل إلى 21 بالمئة. وفي الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية سنة 1981 حصل زعيمهم جورج مارشيه على 15 بالمئة من أصوات الناخبين. وحينذاك بدأت سياسة ميتران الهادفة لإضعاف الشيوعيين وصولاً للقضاء عليهم. فقد اخترع قالباً يحدّ من انتشارهم تحت مسمّى “اتحاد اليسار”. ومن خلاله، قام بجذب ناخبي الحزب الشيوعي للتصويت للحزب الاشتراكي، قناعة منهم بأن حظوظ الاشتراكية أكبر من الشيوعية في الوصول إلى الحكم في دولة غربية.
بعد الفوز التاريخي للاشتراكيين برئاسة الجمهورية، عمد فرانسوا ميتران إلى دعوة الشيوعيين إلى تقلد مناصب وزارية غير سيادية، أسهمت فعلياً في إضعاف مصداقيتهم أمام ناخبيهم الذين تراجع حضورهم بشكل قياسي في انتخابات 1983 و1984. وبالتأكيد، فقد كان لميتران الدور الرئيسي في إضعافهم، بنقلهم من حركة احتجاجية لها مصداقية في الأوساط الكادحة، إلى شريك في الحكم الذي وإن كان اشتراكي الملامح إلا أنه مارس سياسات أقرب لليمين، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
يُضاف إلى ذلك، عوامل موضوعية أثرت في تراجع الشيوعيين من حيث ارتباط اجندتهم ـ أو الاعتقاد بارتباطها ـ بأجندة موسكو، والتي لم تعد محجّاً لليسار الأوروبي بعد غزو بودابست سنة 1956 وبراغ سنة 1968، من قبل القوات السوفييتية. ومن ثم تراجع النموذج السوفياتي. كما سجلت البنية الاجتماعية تغيراً من حيث تراجع الوزن النسبي للطبقة العاملة. كما لعب السن دوراً من حيث شاخت القاعدة الانتخابية وبدت صعوبة بنيوية في تجديدها. وبعد أن كان الحزب الشيوعي يمثّل القوة المهيمنة على اليسار الفرنسي منذ 1945 تقريباً، أصبح الحزب الاشتراكي هو القائد منذ أواخر السبعينيات. واستطاع ميتران أن يحقق للاشتراكيين ما عجزوا عن تحقيقه لعقود، وهو أن يصبحوا القوة الأولى في اليسار الفرنسي.
غير أن المفارقة اليوم تكمن في أن الحزب الاشتراكي الذي نجح ميتران في تحويله إلى القوة الأولى في اليسار الفرنسي، لم يعد في نظر كثير من ناخبي اليسار حزباً يسارياً بالمعنى الدقيق للكلمة. فالتنازلات المتتالية التي قدمها منذ ثمانينيات القرن الماضي لمنطق السوق، ثم قبوله المتزايد بالسياسات الليبرالية الأوروبية، جعلته أقرب إلى يسار الوسط منه إلى اليسار الاجتماعي الذي دافع تاريخياً عن الطبقات الشعبية والعمالية. أما الحزب الشيوعي الفرنسي، فعلى الرغم من احتفاظه ببعض مواقعه المحلية والنقابية، فإنه لم يتمكن تحت قياداته المتعاقبة من استعادة دوره التاريخي أو تجديد مشروعه السياسي بما يسمح له باستعادة مكانته السابقة.
في هذا السياق، برزت حركة “فرنسا الأبية” بقيادة الاشتراكي السابق جان لوك ميلانشون، بوصفها القوة التي نجحت في استقطاب جزء كبير من الناخبين الذين كانوا يرون أنفسهم تقليدياً ضمن معسكر اليسار الاجتماعي والاحتجاجي. فهو الحزب الذي يرفع اليوم، بصورة أوضح من غيره، شعارات العدالة الاجتماعية، والدفاع عن الخدمات العامة، ومواجهة التفاوت الطبقي، وانتقاد السياسات النيوليبرالية الأوروبية. غير أن هذا الحزب، رغم نجاحه في إعادة الحيوية إلى جزء من اليسار الفرنسي، لا يزال يواجه تحديات جدية تحدّ من قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية. فمن جهة، تبدو علاقته بوسائل الإعلام صدامية أكثر مما ينبغي، بما يسمح لخصومه بتقديمه بصورة كاريكاتورية أحياناً. ومن جهة أخرى، يعتقد بعض المراقبين أن تركيزه المكثف على القضايا الدولية ــ رغم مشروعية كثير من مواقفه ودقتها الأخلاقية والسياسية ــ يأتي أحياناً على حساب الانشغال اليومي بهموم الفرنسيين المعيشية المتعلقة بالقدرة الشرائية والسكن والصحة والأمن والخدمات العامة. لذلك، فإن تحوله إلى قوة قادرة على حكم فرنسا لا يمر فقط عبر صوابية مواقفه، بل أيضاً عبر قدرته على جعل المواطن يشعر بأن مشكلاته اليومية تحتل الموقع الأول في خطابه السياسي.
لقد نجح فرانسوا ميتران في إخراج الحزب الشيوعي من موقع القيادة داخل اليسار الفرنسي، لكنه لم ينجح في توريث الحزب الاشتراكي روح اليسار التي كانت تمنح ذلك المعسكر معناه وقوته. وبعد نصف قرن تقريباً، يبدو المشهد مقلوباً، فالشيوعيون هامشيون، والاشتراكيون باهتو الحضور، فيما يتقدم اليمين واليمين المتطرف مستفيدين من الفراغ الذي تركه تراجع القوى الاجتماعية التقليدية.
هل تستطيع “فرنسا الأبية” أن تعيد بناء يسار شعبي واسع يخاطب هموم الفرنسيين اليومية من دون التخلي عن مبادئه، أم أنها ستبقى قوة احتجاج مؤثرة وعاجزة عن الوصول إلى الحكم؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل اليسار الفرنسي فحسب، بل ربما ستحدد أيضاً شكل الحياة السياسية الفرنسية في السنوات المقبلة.







