مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: الزند جنازة بصوتين

في السادس والعشرين من سبتمبر 2026، رحل عن عالمنا المستشار أحمد الزند، عن عمر يناهز الثمانين عامًا. وبينما نعته وسائل الإعلام الرسمية والمؤسسة القضائية بعبارات التبجيل المعتادة “خسارة للقضاء” و”أفنى عمره في خدمة العدالة” كان المشهد على منصات التواصل الاجتماعي مختلفًا تمامًا سخرية، وتهكم، بل وابتهاج صريح لا يخفي فرحه.

حين يموت رجل، فيصلي عليه فريق ويهتف آخر لرحيله، فإن هذا الانقسام نفسه هو أدق شهادة على مسيرته.

من “الأسد” إلى “الرجل الغاضب”

لم يكن الزند شخصية عابرة وُلد عام 1946 في قرية بسيطة بمحافظة الغربية، لوالد كان يعمل حلاقًا تخرج في كلية الحقوق بجامعة الأزهر، وتدرّج في السلك القضائي حتى انتخب رئيسًا لنادي القضاة عام 2009، وأعيد انتخابه عام 2012.

وفي هذا الموقع بالذات، تحوّل إلى واحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ القضاء المصري الحديث.

في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، ظهر الزند في صورة المدافع عن “استقلال القضاء”، معارضًا بشدة الإعلان الدستوري ومشروعات قوانين السلطة القضائية، حتى لُقّب بـ”أسد القضاة” آنذاك، كان يُنظر إليه كحصن يواجه تغوّل السلطة التنفيذية على القضاء.

لكن هذا اللقب لم يدم طويلًا فبعد تغيّر المشهد في يوليو 2013، تحوّل الزند بسرعة إلى أحد أشد أذرع السلطة الجديدة حدّة وعبارته الشهيرة عن “السادة والعبيد” في إشارة إلى القضاة والمواطنين جرحت مشاعر ملايين المصريين.

رجل أفنى عمره في الدفاع عن كرامة القضاء، اختار أن يعرّف نفسه بأكثر لغة طبقية صارخة يمكن أن تصدر عن مسؤول .

الجملة التي لا تُنسى “السادة والعبيد” قد كشفت عن نبرة تعالٍ، فإن مقابلة تلفزيونية في مارس 2016 اخترقت الخطوط الحمراء كلها.

عندما سُئل عما إذا كان ممكنًا سجن صحفي، قال الزند إنه يستطيع سجن أي شخص يخطئ “حتى لو كان النبي” ثم أدرك زلّته، فقال فورًا “أستغفر الله العظيم”.

في مصر، وفي أي مجتمع مسلم، هذه العبارة لا تحتاج إلى شرح ليست خلافًا سياسيًا ولا موقفًا فكريًا إنها لحظة تلامس المقدس، ومهما حاول التفسير بـ”اقتطاع السياق”، فقد نُقشت في الذاكرة الجماعية وخلال أقل من 48 ساعة، أُعفي من منصبه كوزير للعدل.

الموت مرآة


أصوات “الشماتة” التي ارتفعت بعد رحيله لم تأتِ من فراغ فقد تعددت الاتهامات الموجهة إليه الاستيلاء على آلاف الأفدنة بأسعار زهيدة (5 جنيهات للفدان) وإعادة بيعها بملايين، وتنظيم مزادات صورية للاستيلاء على المال العام، وخطاب دموي يطالب بإعدام الخصوم السياسيين.

لم نعرف مصير هذه القضايا قانونيًا، لكنها في الوعي العام شكلت الوجه الآخر لصورة الزند.

وبين هذين الصوتين، لا يصدر الحكم من وسائل الإعلام ولا من منصات التواصل، بل من شيء أهدأ وأقسى الذاكرة الجماعية.

فالنعي الرسمي يكتب تاريخ المناصب، أما السخرية الشعبية فتكتب تاريخ الأثر والرجل الذي جمع في حياته بين “أسد القضاة” و”السادة والعبيد” لم يكن بحاجة إلى محكمة لتُصدر حكمها عليه؛ فقد أصدر الناس حكمهم بأنفسهم، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ بما رآه أو دفعه ثمنًا.

قد يقول قائل إن الموت يستوجب الصمت واحترامًا للميت، لكن الموت أيضًا مرآة لا ترحم، تكشف ما أخفاه النعي الرسمي.

فحين يرحل رجل ويُصلّي عليه فريق ويهتف آخر لرحيله، فالمشكلة ليست في الميت وحده، بل في مسيرة صنعت هذا الانقسام، وفي خطاب زرع هذه الجروح، وفي مؤسسة سمحت لرجل أن يتحول من حامٍ لاستقلال القضاء إلى رمز للغة الطبقية والتسلط.

لقد رحل الزند، لكن الأسئلة التي طرحها وجوده على الساحة العامة لم ترحل معه كيف يتحول مدافع عن العدالة إلى غريم للعدالة نفسها؟ .

وكيف يُعفي وزير من منصبه بسبب جملة، ثم يُنعى بعد سنوات بعبارات التبجيل؟ .

وأي ذاكرة وطنية تختار أن تحتفظ بالمناصب وتنسى الجراح؟

في جنازة بصوتين، لا يودَّع رجل واحد، بل يودَّع عصر كامل بأسئلته العالقة ولا يبقى من الميت سوى ما فعله، ولا من التاريخ سوى ما اختار الناس أن يتذكروه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى