
بعد عشر سنوات من رحلتي الأولى للبحث عن قبر الأستاذ عبد الله النديم، عدت اليوم إلى المكان نفسه.
لم تكن العودة تكرارًا لزيارة قديمة. كنت أحمل أسئلة أكثر، ويقينًا بالوصول أقل، وشوقًا أكبر للحقيقة. لم أذهب هذه المرة منفردًا، اصطحبت معي تمثاله الذي سنزيح الستار عنه في 11 أكتوبر 2026، في الذكرى الـ 130 لرحيله. كأنني اصطحبت تمثاله معي كي يراه وهو في آخر عنوان له، في رحلة رمزية لإعادته من وإلى وطن ظل يسكنه حتى وهو بعيد عنه.
وقفت وأمامي ألفان ومئة وواحد وأربعون شاهدًا مرقمًا. وبينها، في مكان لم نحدده بعد، يرقد النديم. كنت أبحث بعيني عن رقم لا أعرفه لرجل أعرفه وأرى كل يوم بعض ملامحه.
المكان كان يدفعني كل بضع خطوات أن أنسى الأرقام التي مررت بها. المقابر تصعد وتهبط بين الأشجار، ويطل بعضها على البوسفور، حيث يتجاور الحجر مع الماء، والموت مع زرقة لا تنتهي. قلت لرفيقي في الرحلة فهمي السباعي وأنا أتأمل المشهد: إنها مقابر ترد الروح. ولم تكن العبارة مجاملة لجمال المكان؛ هنا يبدو الموت أقل قدرة على إغلاق القلوب والأبواب.
أتأمل الأسماء، ثم أعود إلى البحث عن اسم النديم. شاهد بعد شاهد، اسم بعد اسم، وممر يقود إلى ممر. وبينما تتتبع عيني الحروف والأرقام، كان خيالي يتتبع خطى أخرى.

تخيلت عبد الله النديم يسير في هذه الأنحاء، وتخيلت عمامته ولحيته. جمال الدين الأفغاني، الذي عرفه النديم في الآستانة والتقاه فيها، يسير إلى جواره؛ رجلان عاشا تجربة المنفى، والتقيا في عاصمة كانت تضج بأصوات الإصلاح.
عندها بدا لي أنني لا أبحث عن قبر مصري في مدينة تركية فقط، كنت أبحث عن أثر جسر قديم بين القاهرة والآستانة، عن لحظة تلاقت فيها أفكار إصلاحيين عرب وعثمانيين حول قضايا أكبر من الحدود: فكيف ينهض هذا الشرق؟ وكيف تستعيد شعوبه إرادتها في زمن تتنازعها فيه مطامع الخارج وأزمات الداخل؟.

عدت إلى الشواهد، وإلى السؤال العملي الذي جاء بي: لماذا دُفن عبد الله النديم هنا تحديدًا؟ فمقبرة يحيى أفندي لم تكن مكانًا عابرًا أو عاديًا في الدولة العثمانية؛ فحول الزاوية دُفن عبر القرون رجال دولة وعلماء ومتصوفة وأهل قصر وشخصيات ذات حضور في مجتمعها.
وكلما عرفت أكثر عن المكان، ازداد فضولي تجاه اختيار هذا الموضع لدفن النديم: من اختاره؟ ومن رتّب جنازته؟ ومن وقف هنا يوم نزل جسده إلى التراب؟ ومن صاحب المكان؟
من هو يحيى أفندي الذي حملت الزاوية والمقبرة اسمه، ثم انتهت رحلة زعيم المنفيين إلى جواره بعد أكثر من ثلاثة قرون من وفاته؟.

يحيى أفندي ولد في طرابزون التي يحمل اسمها الآن محمد صلاح. كان مولده في أواخر القرن الخامس عشر، وكان أخًا في الرضاعة للسلطان سليمان القانوني. جاء إلى إسطنبول طالبًا للعلم، ثم صار مدرسًا وعالمًا وصوفيًا وشاعرًا. لكنه لم يفهم التصوف باعتباره هروبًا من الحياة، فظل قريبًا من الناس، حاضرًا في شؤون المجتمع، متصلًا بدوائر الحكم، يكتب وينصح ويختلف.
وأنا أقرأ سيرته وسط المكان الذي صنعه، لم أستطع مقاومة المقارنة بينه وبين النديم. بينهما ثلاثة قرون، ولا يصح أن نمحو اختلاف الزمنين، لكن شيئًا إنسانيًا جمعهما في ذهني: كلاهما عرف قيمة الكلمة حين تخرج من الكتب إلى الناس، وكلاهما اقترب من دوائر السلطة دون أن تكون السلطة هي مصدر قيمته، وكلاهما دفع، بطريقته وفي زمنه، ثمنًا لموقف أو كلمة.
ترك يحيى أفندي التدريس الرسمي بعد خلافات مع رجال نافذين، واختار بشكتاش ليقيم زاويته، وهي أقرب لمنتدى سياسي وثقافي وفكري. ومن حولها نشأ فضاء يلتقي فيه العالم بالمتصوف، وصاحب الحاجة بصاحب النفوذ. وبعد وفاته سنة 1571، بقي المكان حيًا باسمه، ثم صار جواره عبر القرون موضع دفن لشخصيات من دوائر الدولة والعلم والتصوف والمجتمع العثماني.

عدت بعدها إلى مهمتي: أفتش عن شاهد واحد بين ألفين ومئة وواحد وأربعين. لكن المعرفة الجديدة بالمكان جعلت الرقم الذي أبحث عنه أثقل معنى. فإذا كان النديم قد دُفن في هذا الفضاء تحديدًا، فإن موضع قبره قد يحمل معلومة عن مكانته في سنوات الآستانة، لا عن مكان موته فقط.
ومن هنا ولدت لدي ألغاز وأسئلة جديدة: هل كان اختياره للدفن في يحيى أفندي مرتبطًا بمن عرفهم في إسطنبول؟ هل تكشف سجلات الجنازة والدفن أسماء أشخاص من دوائر الإصلاح أو الدولة؟.
وهل يمكن أن يقودنا رقم القبر، حين نجده، إلى سجل يحمل معلومة لم ترد في السير المصرية؟
كنت أبحث عن حجر، فإذا بالحجر يقودني إلى الأرشيف، وهذه هي متعة البحث وألمه: كل إجابة صغيرة تفتح سؤالًا أكبر، وكلما اقتربنا من الرجل اكتشفنا كم تركنا من حياته في الظل.
وبين شاهد وآخر راودتني مفارقة مصرية موجعة؛ قلت لنفسي إن قبرًا كهذا لو وقع عندنا في طريق جسر جديد، أو في مسار توسعة شارع، لربما احتاج هو نفسه إلى حملة لإنقاذه. ابتسمت بحزن، هنا تحرس الأحجار أصحابها قرونًا، وتكبر الأشجار من حولهم دون أن تُقطع، ويبقى البحر أمامهم دون أن يُحجب، أما نحن فنخسر أحيانًا الذاكرة قبل أن نخسر الحجر.
ثم عدت مرة أخرى إلى النديم، إلى الرجل الذي جاء إلى الآستانة منفيًا، لكنه لم يأتِ إليها فارغًا. جاء حاملًا مصر في لغته، وفي غضبه، وفي سخريته، وفي مشروعه للإصلاح. وهناك التقى جمال الدين الأفغاني، وعمل مفتشًا للمطبوعات العربية، ودخل في شبكة من العلاقات الفكرية والسياسية ما زلنا نحاول اليوم إعادة تركيبها من الوثائق والشهادات المتناثرة.

لهذا ازداد حنيني إليه وأنا أمشي؛ لم يكن حنينًا إلى شخصية قرأت عنها في كتاب، كان حنينًا إلى منفيٍّ ظل وطنه حاضرًا فيه أكثر مما كان هو حاضرًا في وطنه، وإلى مصري وجد نفسه بعيدًا عن النيل، لكنه لم يسمح للمسافة أن تنتزع مصر من صوته.
حملت تمثاله بين الممرات، وشعرت للحظة أن المشهد يحمل مفارقة لا تحتاج إلى بلاغة: أنا الذي جئت أبحث عنه كنت أحمله معي! الرجل الذي مات هنا منذ مئة وثلاثين عامًا عاد في صورة جديدة إلى المكان الذي احتفظ بجسده. ولم يكن ينقص المشهد إلا أن نجد الحجر الصحيح، فنضع تمثاله أمام اسمه، وينتهي غياب طال أكثر مما ينبغي.
لكن البحث لم يحسم اليوم؛ لم أصل بعد إلى رقم القبر. ما زالت أمامنا سجلات ينبغي أن تُفتح، وصور قديمة ينبغي أن تُراجع، وجرد علمي للشواهد نحاول الوصول إلى تفاصيله. لذلك لا أريد أن أستبدل نقص الوثيقة بجمال الحكاية.
النديم مدفون هنا، أما موضعه الدقيق فما زلنا نبحث عنه.
وهذا اليقين الناقص هو ما يجعلني أعود. كل معلومة عن يحيى أفندي تساعدني على فهم البيئة التي احتضنت النديم، وكل وثيقة عثمانية نصل إليها تضيف قطعة إلى سنوات الآستانة، وكل خطوة بين الشواهد تضيق، ولو قليلًا، المسافة بين الاسم والقبر.

قبل عشر سنوات كنت أريد أن أعرف أين دُفن النديم، اليوم أريد أن أعرف أيضًا كيف عاش هنا؟ مع من جلس؟ ماذا كتب؟ من أحب ومن خاصم؟ ماذا بقي من أوراقه؟ ماذا قالت عنه الدولة التي راقبته ثم وظفته؟ وكيف عاش مفارقة أن يكون صاحب «الأستاذ» ومطارد السلطات، ثم يصبح في عاصمة الخلافة مفتشًا للمطبوعات العربية؟
أريد الرجل كله، لا قبره وحده. لأن القبر، مهما كان عزيزًا، ليس إلا آخر سطر، وأنا أبحث الآن عن الصفحات التي سبقته.
وحين هممت بالمغادرة، نظرت إلى البوسفور مرة أخرى. السفن تمضي بين الضفتين، فبدا لي الماء نفسه جسرًا يشبه النديم: لا يقيم عند ضفة واحدة، يصل ولا يفصل. وفكرت أن هذه ربما كانت صورة مناسبة لرجل كان مصريًا حتى النخاع، لكنه صار في سنواته الأخيرة واحدًا من جسور الحوار بين الإصلاحيين العرب والعثمانيين.
عندها فهمت أكثر لماذا قلت لصاحبي إنها مقابر ترد الروح؛ لأنها لم ترد إلي روح الموتى، بل ردت إلي روح البحث. كلما أعطتني معلومة منحتني معها سؤالًا، وكلما أغلقت طريقًا فتحت آخر.
وسأعود. بين ألفين ومئة وواحد وأربعين شاهدًا لا يزال هناك شاهد نبحث عنه، وخلف ذلك الشاهد رجل نريد أن نستعيد سنواته الأخيرة، وخلف الرجل حكاية مصرية عثمانية لم تُكتب كاملة بعد.
وسأعود لأن عبد الله النديم، زعيم المنفيين، كلما اقتربت من أثره بدا لي أقل غيابًا وأكثر حضورًا. وكأن الرجل لم يترك لنا قبرًا لنزوره فقط، بل ترك طريقًا طويلًا كي نعيد اكتشافه.







