قضية مقتل ريجيني تعود إلى الواجهة.. أحكام بالسجن لـ3 مسؤولين أمنيين مصريين في القضية

خيّم الصمت التام على عائلة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني ومؤيديه داخل قاعة المحكمة بالعاصمة الإيطالية روما عند النطق بالحكم، في مشهد سادته المشاعر المحتبسة والقمصان والشارات الصفراء التي ارتداها الحاضرون؛ وهو اللون الذي تحوّل على مدار ثمانية أعوام إلى رمز عالمي للمطالبة بالحقيقة والعدالة في واحدة من أكثر القضايا الدبلوماسية والقضائية تعقيداً بين إيطاليا ومصر.
واتهم ممثلو الادعاء في روما في بداية القضية أربعة مسؤولين باختطاف ريجيني وإلحاق “الأذى الجسيم” به، بالإضافة إلى توجيه اتهام إلى أحدهم، وهو الرائد مجدي شريف من المخابرات العامة؛ “بالتخطيط لارتكاب قتل عمد”.

وقال القاضي بيرلويجي باليسترييري، الذي ترأس جلسة استماع أولية، إن هناك أدلة كافية لتوجيه الاتهام إلى الأربعة، وأمر ببدء محاكمتهم في 14 أكتوبر/ تشرين الأول.
وأدانت محكمة الجنايات في روما اليوم الاثنين ثلاثة مسؤولين أمنيين مصريين بتهمة التورط في اختطاف الباحث الشاب، الذي عُثر على جثته على أطراف القاهرة عام 2016 وعليها آثار تعذيب شديد، فيما قضت المحكمة ببراءة متهم رابع من القادة الأمنيين في القضية ذاتها.
بداية الواقعة
تعود وقائع القضية إلى يناير/كانون الثاني 2016، عندما اختفى طالب الدكتوراه في جامعة كامبريدج، جوليو ريجيني (28 عاماً)، في العاصمة المصرية القاهرة أثناء إجرائه بحثاً ميدانياً حول النقابات العمالية المستقلة. وبعد أيام من اختفائه، عُثر على جثته ملقاة على جانب طريق سريع، حيث أظهرت الفحوص الطبية والأدلة الجنائية تعرّضه لتعذيب وحشي وممتد على مدار أيام قبل مقتله.
وقد شهدت المحاكمة، التي جرت غيابياً للمتهمين المصريين بسبب رفض السلطات المصرية تسليمهم أو إفصاحها عن عناوينهم لمباشرة الإجراءات القانونية.
وشملت الإدانة ثلاثة من ضباط وأفراد جهاز الأمن الوطني المصري بتهم تتعلق بالخطف المباشر والتورط في الاحتجاز غير القانوني، كما برّأت المحكمة المتهم الرابع لعدم كفاية الأدلة المباشرة الموجهة إليه.
وبحسب وسائل إعلام فقد تمت المحاكمة وفق تعديلات قانونية إيطالية أتاحت لمحكمة الجنايات الاستمرار في الإجراءات رغم عدم حضور المتهمين، لتجاوز عقبة التعاون القضائي المباشر.
روايات ملفقة وتضليل مصري
في 24 مارس 2016 أعلنت الداخلية المصرية عثورها على متعلقات ريجيني بمنزل شقيقة أحد أعضاء التشكيل العصابى الذي تم استهدافه الليلة السابقة 24 مارس بالقاهرة الجديدة، والذي تخصص في سرقة بعض الأجانب بالإكراه بانتحال صفة ضباط شرطة حيث عٌثر على كارنية منسوب صدوره لوزارة الداخلية «مزور» مثبت عليه صورة أحدهم.
وبعدها بحوالي 10 ساعات، أصدرت الوزارة بيان آخر يكرر ما ورد في البيان الأول، بالإضافة إلى إعلان تصفية 4 من المتهمين ونشر أسمائهم وكيفية القضاء عليهم وتصفيتهم. وفي 25 مارس 2016 إيطاليا ترفض بيان وزارة الداخلية المصرية بشأن قتلة ريجيني. وفي 26 مارس 2016 أمرت النيابة المصرية بحبس زوجة وشقيقة المتهم بقتل الشاب الإيطالي ريجيني 4 أيام على ذمة التحقيق، وذكرت النيابة تأكيدهم أن الحقيبة المعثور عليها بمحل إقامتهم وبها متعلقات ريجيني، أحضرها المتهم قبل يوم من تصفيته.

وفي أثناء التحقيقات أقر وزير القضاء المصري آنذاك أحمد الزند بأن الطب الشرعي المصري قدّم تقريرًا حقيقيًا لإيطاليا، مؤكدًا أن ما جاء في التقرير عن ريجيني هي الرواية التي يعلمها الجميع، ولا يمكن إخفاؤها، وأضاف أن لا شئ يبرر الكذب والخطيئة على الإطلاق، وأننا بالوزارة مستعدون لتحمّل الثمن السياسي والأعلى من السياسي عن التقرير.
وجاءت تصريحات الزند ضمن حوار تسبب في إعفائه من منصبه بعدها بيومان في 13 مارس، بقرار من رئيس الحكومة بعد اتهامه بالإساءة للنبي محمد،، وقد تم تقديم بلاغ ضده للنائب العام بخصوص تصريحاته في قضية ريجيني والتي حملت إشارات إلى احتمال تورط جهة شرطية بحسب مقدم البلاغ.
ردود الأفعال
وامتزجت ردود الأفعال داخل القاعة وخارجها بين الشعور بالارتياح الصدور الجزئي للعدالة، وبين الحسرة على غياب المتهمين عن منصة القضاء، وواصل والدا جوليو، كلاوديو وباولا ريجيني، ارتداء اللون الأصفر الذي رافقهما في كل الجلسات والفعاليات الدولية، مؤكدين أن الحكم يُعد “خطوة حاسمة لإثبات الحقيقة والتأكيد على أن كرامة ابنهما وحقه في العدالة لن يُسقطا بالتقادم”.

اعتبر محامو العائلة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية (مثل العفو الدولية) أن الحكم يُمثّل انتصاراً قانونياً ومعنوياً يكسر حاجز الإفلات من العقاب، مشددين على أن المعركة القادمة تتمثل في تنفيذ أحكام القضاء وملاحقة المحكوم عليهم دولياً عبر “الإنتربول”.
وخيم الحزن والصمت داخل القاعة لحظة تلاوة القاضي لقرار الحكم، قبل أن تتحول المشاعر إلى تضامن واسع من الحضور الذين رفعوا اللافتات المطالبة بإنهاء الملف بشكل كامل ومحاسبة كل من تورط في الجريمة.
تداعيات الحكم
يُشكل هذا الحكم محطة مفصلية في مسار العلاقات الإيطالية-المصرية، حيث أثارت القضية منذ بدايتها توترات دبلوماسية حادة شملت استدعاء السفراء وتجميد بعض أشكال التعاون الأمني والاستخباراتي:
ولطالما أكدت النيابة العامة المصرية في بيانات سابقة رفضها للاتهامات الإيطالية، مشيرة إلى أن تحرياتها لم تصل إلى أدلة قطعية تُثبت تورط المسؤولين الأمنيين، بينما اعتبرت النيابة الإيطالية أن الادعاءات المصرية غير كافية واعتمدت على شهادات وأدلة تتبع للاتصالات والمراقبة.
ويتطلع الشارع السياسي في إيطاليا إلى كيفية تعامل الحكومة الإيطالية مع نتائج الحكم، ومدى الضغط الذي ستماؤسه روما على المستوى الأوروبي والدولي لمطالبة القاهرة بالاعتراف بالحكم أو اتخاذ إجراءات قانونية موازية.
يُذكر أن قضية جوليو ريجيني أصبحت على مدار ثمانية أعوام رمزاً حرّك الرأي العام الأوروبي والعالمي حول ملفات حقوق الإنسان وحماية الباحثين والأكاديميين في الخارج، ويظل النطق بالحكم في روما ختاماً لصفحة قضائية طويلة، وافتتاحاً لمرحلة جديدة من المطالبة بتنفيذ العدالة على أرض الواقع.







