الدكتور أيمن نور يكتب: بيسان عدوان.. وبيت شعر يبحث عن قبر

منذ أيام وأنا أشعر أن عبدالله النديم لم يعد بالنسبة لي شخصية أقرأ عنها، ولا حتى رجلا أكتب عنه. صار رفيق طريق. أذهب إلى مقابر يحيى أفندي فأبحث عنه. أعود إلى بيتي فأفتش في أوراقه.
أستيقظ على خيط جديد يقودني إليه، وأنام وفي رأسي اسم أو وثيقة أو شاهد لم أصل إليه بعد. وربما لهذا أصبح الرجل، بعد مئة وثلاثين عاما من رحيله، حاضرا في يومي على نحو لم أتوقعه.
بدأت علاقتي بهذا القبر قبل نحو عشر سنوات. ذهبت إلى يحيى أفندي أبحث عن النديم، ووقفت أمام شاهد عثماني وجدت أسفله كلمة «النديم».
فرحت يومها كمن وجد صديقا غائبا. التقطت صورة إلى جواره، وغادرت مطمئنا إلى أنني عرفت أين يرقد زعيم المنفيين. ولم أكن أعرف أنني سأعود بعد عقد كامل لأكتشف أن الكلمة التي أسعدتني لم تكن اسم صاحب القبر، بل توقيع الخطاط.
كان اكتشافا محرجا وموجعا، لكنه أيقظ شيئا داخلي. شعرت أنني مدين للرجل بأن أبدأ من جديد. هذه المرة لا أريد قبرا يناسب رغبتي في العثور عليه. أريد قبره هو. بالاسم والرقم والسجل والدليل. وربما لهذا تحولت الأيام الأخيرة عندي إلى رحلة شخصية، تتداخل فيها مشاعر المنفي مع عناد الباحث وحنين المصري إلى رجل سبقه إلى تجربة البعد عن الوطن بأكثر من قرن.
عدت إلى المقبرة مرة أخرى. وهذه المرة حملت معي تمثال عبدالله النديم الذي سنزيح الستار عنه في الحادي عشر من أكتوبر. كان المشهد غريبا ومؤثرا بالنسبة لي. كنت أحمل صورة الرجل بين ذراعي، وأسير بها بين أكثر من ألفي شاهد، بينما جسده يرقد في مكان ما على بعد خطوات مني ولا أعرف أين.
يومها شعرت بشيء يصعب شرحه. لم أعد أبحث عن ميت. كنت أبحث عن رفيق منفى لم ألتقه. رجل عاش قبلي بقرن، لكنني أفهم اليوم شيئا من وجعه لم أكن لأفهمه لو بقيت حياتي كلها داخل مصر. فالمنفى يجعل بعض الكتب شخصية. ويحول بعض السير القديمة إلى مرايا.
وسط هذه الحالة وصلني نص للكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان. قرأته فتوقفت أمامه طويلا. بيسان كاتبة وناشرة فلسطينية عرفت السجن والمنفى والاقتلاع، ولذلك لم تكتب عن النديم من وراء زجاج التاريخ. كتبت عنه وهي تحمل من غربتها ما يسمح لها بأن تسمع غربته.
ربما لهذا شعرت وأنا أقرأها أن النص يقترب من المساحة نفسها التي أقف فيها هذه الأيام. يافا تختلط بالقاهرة. وإسطنبول بفلسطين. ومنفى فلسطينية معاصرة بمنفى مصري رحل سنة ألف وثمانمئة وستة وتسعين. وكأن المنفى، رغم اختلاف الأزمنة والأوطان، يحتفظ باللغة نفسها.
بحثت بيسان عدوان هي الأخرى عن قبر النديم في إسطنبول. سألت وفتشت وواجهتها روايات متعارضة عن موضعه. وعرفت جيدا، وأنا أقرأها، شعور أن تمشي وراء رجل تعرف أنه هنا، لكنك لا تستطيع أن تشير إلى حجر وتقول بثقة: هنا يرقد.
لكن أكثر ما شدني في نصها كان بيتا من الشعر قالت إنه كتب على شاهد قبر مجهول في إحدى مقابر إسطنبول:
«بالأمس عاش غريبا في ديارهم
واليوم مات غريبَ اللحدِ والكفنِ»
قرأت البيت أكثر من مرة. ربما لأن كلمة «غريب» لم تعد بالنسبة لي كلمة أدبية خالصة. هناك كلمات يتغير معناها بعد أن نعيشها. الوطن واحدة منها. والمنفى واحدة. والغريب واحدة.
ثم تذكرت أنني رأيت هذا البيت من قبل وأنا أراجع ما كتبه بلال فضل في رحلته للبحث عن قبر النديم. فقد أشار بلال إلى رواية تقول إن شاهد قبر عبدالله النديم لم يحمل سوى هذا البيت. لكنه وجد رواية أخرى ترجح أنه لم ينقش على القبر أصلا، وإنما كان جزءا من مرثية قيلت في النديم بعد موته.
وهنا شعرت أن الرحلة تسخر منا مرة أخرى بطريقة جميلة.
قبل أيام اكتشفت أن اسم «النديم» الذي قادني إلى قبر خاطئ كان توقيع خطاط.
واليوم أجد بيتا من الشعر قد يكون هو الآخر انتقل من قصيدة إلى قبر لم يكن له.
وكأن كل شيء حول النديم يقول لي: لا تستعجل.
صرت الآن أبحث عن رجل، وعن قبر، وعن أوراق، ثم أضيف إليهم بيت شعر.
بيت شعر يبحث عن قبر.
هل كتب فعلا على شاهد النديم في يحيى أفندي؟ أم رآه شخص على قبر آخر فاختلطت غربتان في الذاكرة؟ أم أنه لم يعرف الحجر أصلا، وظل بيتا في مرثية، قبل أن تمنحه الحكايات قبرا كما منحت القبر قصيدة؟
لا أعرف بعد. وهذا بالضبط ما يجعلني أريد أن أعرف.
حتى الآن لم أعثر على صورة موثقة لشاهد النديم تحمل البيت. ولم أعثر على جرد تركي يربط النص بقبره. ولذلك لن أكرر خطئي القديم. لن أسمح هذه المرة لرغبتي في جمال الحكاية أن تسبق الحقيقة.
سأبحث عن البيت كما أبحث عن القبر. عن أول مرة نشر فيها. وعن قائله. وعن المرثية كاملة إن بقيت. وعن صحيفة قديمة أو كتاب أو سجل يعيده إلى موضعه الصحيح.
والمثير بالنسبة لي أنني كلما تقدمت خطوة في هذه الرحلة وجدت شخصا آخر سبقني أو يسير معي. بلال فضل ترك خيوطا مهمة في بحثه. عمرو عبدالعزيز منير حمل قبل سنوات فكرة عودة رفات النديم إلى مصر. عمار علي حسن جاء إلى إسطنبول يبحث عنه، ثم كتب قصيدته الجميلة «منسي في إسطنبول». محمد زاهد جول جعلني أنظر إلى يحيى أفندي ومكانة النديم في الآستانة بعين أخرى. وأبحاث طوبا روهنكيز أزاكلي أعادتني إلى الشواهد والحروف والأرقام.
ثم جاءت بيسان عدوان تحمل إلي من طريق مختلف بيتا من الشعر وغربة أخرى.
لهذا لم أعد أشعر أن البحث عن النديم مشروعي وحدي. بل أتمنى ألا يكون كذلك. أريده أن يتحول في الأيام المقبلة إلى مائدة ذاكرة نجتمع حولها جميعا. كل منا يضع عليها ما لديه. وثيقة. صورة. رواية. قصيدة. رقما في سجل. أو حتى شكا في رواية قديمة يدفعنا إلى البحث من جديد.
ولهذا فإن الحادي عشر من أكتوبر القادم يحمل بالنسبة لي معنى شخصيا يتجاوز إقامة احتفال. في ذلك اليوم سنزيح الستار في إسطنبول عن تمثال عبدالله النديم، في الذكرى المئة والثلاثين لرحيله، ضمن معرض «وجوه لا تغيب» في مركز الشرق الثقافي.
منذ بدأت إعداد التمثال كنت أفكر في الأمر باعتباره وفاء لرجل أحببته في التاريخ. أما بعد رحلاتي الأخيرة إلى قبره، لم يعد الأمر كذلك فقط. أشعر الآن أنني أستقبل رجلا أعرفه. وأن التمثال ليس قطعة فنية نزيح عنها الستار، بل حضور رمزي لمنفي مصري ظل مئة وثلاثين عاما بعيدا عن أرضه.
لذلك أتمنى أن يكون يوم الحادي عشر من أكتوبر لقاء لكل من سار خطوة في طريق النديم. أدعو بيسان عدوان. وأدعو بلال فضل. وأدعو عمار علي حسن. وعمرو عبدالعزيز منير. وكل باحث مصري أو تركي، وكل من يحمل ورقة أو صورة أو معلومة أو محبة لهذا الرجل.
أريد أن نجلس معا لا لنتبادل الكلمات عنه فقط، بل لنجمع الرجل من شتاته. ربما يأتي أحد بصورة لم نرها. ويأتي آخر بوثيقة. وثالث باسم. ورابع برقم. وربما يأتي شخص لا يحمل إلا بيت الشعر نفسه.
فالتاريخ، مثل المنفى، يبعثر الأشياء. ومهمتنا أن نجمعها.
وأنا أعرف الآن لماذا أصبحت هذه الرحلة شخصية إلى هذا الحد. ربما لأنني، وأنا أبحث عن عبدالله النديم، لا أستطيع أن أفصل تماما بين منفاه ومنافي جيل كامل من المصريين. ولا بين شوقه للعودة وشوق كل من عرف معنى أن يكون الوطن حاضرا في القلب وغائبا عن العين.
قبل عشر سنوات كنت أبحث عن قبر رجل من التاريخ.
اليوم أبحث عن شيء آخر.
أبحث عن الطريق الذي يعيد المنفي إلى وطنه، حتى لو تأخر الطريق مئة وثلاثين عاما.
مات عبدالله النديم غريبا.
ثم صار قبره غريبا.
ثم صار البيت الذي رثى غربته غريبا هو الآخر، يتنقل بين القصيدة والحجر، كأنه أصيب بعدوى المنفى من صاحبه.
ولهذا أريد أن نعيد الأشياء كلها إلى مواضعها.
الرجل إلى ذاكرة وطنه.
القبر إلى خريطته.
الأوراق إلى التاريخ.
والبيت إلى قصيدته.
والمنفي إلى وطنه.
وفي الحادي عشر من أكتوبر، عندما أقف أمام تمثاله وأزيح عنه الستار، أعرف أنني سأفكر في ذلك الشاهد الذي خدعني قبل عشر سنوات. وفي الألفين ومئة وواحد وأربعين شاهدا التي مشيت بينها بحثا عنه. وفي كل من بحث قبلي، وكل من سيبحث معي بعد اليوم.
وسأفكر أيضا في هذا البيت التائه.
«بالأمس عاش غريبا في ديارهم
واليوم مات غريبَ اللحدِ والكفنِ»
وربما كان أجمل ما يمكن أن نصنعه في الذكرى المئة والثلاثين، ألا نكتفي برثاء الغريب.
بل أن نبدأ طريق عودته.
فالمنفى قد يسرق من الإنسان عمرا كاملا.
لكن لا ينبغي أن نسمح له أن يسرق منه الأبد أيضا.







