مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: رئيسة الاستخبارات الأميركية السابقة..العالم رهينة رجل بلا مكابح



في حوار بالغ الخطورة نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في الثامن والعشرين من سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين، تحدثت أفريل هاينز، المديرة السابقة للاستخبارات الوطنية الأميركية، إلى رولا خلف، رئيسة تحرير الصحيفة. لم يكن الحوار مجرد شهادة لمسؤولة غادرت موقعها، بل نافذة نادرة على عقل القوة الأكبر في العالم، وعلى الطريقة التي يمكن بها لقرار شخصي واحد أن يغير مصير دول وشعوب وقارات.

أخطر ما قالته هاينز أن الحرب العالمية الثالثة لم تعد احتمالًا بعيدًا، بل أصبحت «سيناريو ممكنًا» إذا عجز العالم عن بناء نظام يدير الصراعات قبل أن تنفجر. وهذه العبارة لا تصدر عن مراقبة من الخارج، بل عن مسؤولة أمضت قرابة عشرين عامًا داخل منظومة الأمن القومي الأميركي، وكانت تقدم للرئيس جو بايدن إحاطته الاستخباراتية اليومية.

ترسم هاينز مشهدًا لعالم تتراجع فيه القواعد قبل أن تتراجع الأسلحة. المؤسسات الدولية تضعف. الصراعات بين الدول تتسع. الديمقراطية تتحول في بعض المجتمعات إلى سلّم يصعد عليه المستبدون. والدبلوماسية تفقد صوتها وسط ضجيج المدافع. وفوق هذا كله، تزداد صعوبة السيطرة على أسلحة الدمار الشامل. كأن العالم لا يسير إلى الحافة فقط، بل يهدم في طريقه كل الحواجز التي يمكن أن تمنعه من السقوط.

لكن العبارة الأشد اتصالًا بمصير منطقتنا كانت وصفها لطريقة اتخاذ القرار لدى دونالد ترامب. تقول هاينز إن الرئيس الأميركي يثق بحدسه أكثر من ثقته بالخبرات التي تقدم إليه. وهنا لا نتحدث عن طبع شخصي لرئيس، بل عن خلل يمكن أن يصبح خطرًا عالميًا. فحدس الرئيس الأميركي قادر على فتح جبهة، أو إغلاق باب تفاوض، أو منح حليف ضوءًا أخضر، أو ترك شعب كامل يدفع ثمن رواية وصلت إلى البيت الأبيض قبل أن تصل إليه الحقائق.

في حديثها عن الحرب على إيران، تصف هاينز القرار بأنه «خطأ استراتيجي». وتكشف أن ترامب تأثر برواية إسرائيلية رجحت انهيار النظام الإيراني، بينما غاب المسار المؤسسي الذي كان ينبغي أن يضع التحذيرات كاملة أمامه. وهكذا قد تبدأ الحروب، لا لأن السلام صار مستحيلًا، بل لأن رواية جذابة سبقت الحقيقة إلى مكتب الرئيس، ولأن حليفًا عرف كيف يخاطب غرائزه، بينما أخفقت المؤسسات في مخاطبة عقله.

وما يحدث في إيران لا يبقى داخل إيران. فأي حرب واسعة هناك ستصل أصداؤها سريعًا إلى الخليج والبحر الأحمر وباب المندب. وستظهر آثارها في أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وحركة التجارة، وإيرادات قناة السويس، ثم تنتهي في الأسواق المصرية وعلى موائد المصريين. فالمدافع البعيدة لا تبقى بعيدة طويلًا، خاصة عندما تمر سفن العالم من أمام أبوابنا.

وفي غزة، كانت هاينز شديدة الحذر، لكنها قالت ما يكفي. فقد أقرت بأن ترامب استطاع، بسبب صعوبة التنبؤ بتصرفاته، أن يمتلك نفوذًا على إسرائيل لم يستخدمه بايدن بالطريقة ذاتها. والمعنى الواضح أن واشنطن لم تكن عاجزة تمامًا عن كبح إسرائيل، لكنها لم تستخدم كل ما تملكه لوقف التدمير الواسع للقطاع. والعجز قد يخفف المسؤولية، أما امتلاك القدرة والامتناع عن استخدامها، فيجعل الصمت جزءًا من الجريمة.

وتكشف هاينز أن التهديد النووي الروسي خلال حرب أوكرانيا لم يكن مجرد ابتزاز سياسي. فقد رصدت الاستخبارات الأميركية اتجاهات داخل نظام بوتين تضغط نحو تنفيذ تهديد محدود، ربما بتفجير في الغلاف الجوي أو باستخدام صغير في ميدان القتال. أي إن العالم اقترب من لحظة كان يمكن فيها كسر الحاجز النووي، ثم الدخول إلى منطقة لا يعرف أحد كيف يمكن الخروج منها.

أما حديثها عن الصين وتايوان، فيهمنا بقدر لا يقل عن بقية الملفات. تخشى هاينز أن يرى الرئيس الصيني شي جين بينغ في أسلوب ترامب فرصة لعقد صفقة تبتعد فيها واشنطن تدريجيًا عن تايوان. ولن تبقى نتائج ذلك في شرق آسيا، لأن المنطقة تقع في قلب التكنولوجيا وسلاسل التوريد والتجارة الدولية. وأي اضطراب هناك سيصل إلى مصر في صورة واردات أغلى، وتجارة أقل، وضغط جديد على قناة السويس والاقتصاد المصري.

خلاصة هذا الحوار أن العالم لم يعد محكومًا بالمؤسسات وحدها، بل بأمزجة القادة وحدسهم ومخاوفهم وصفقاتهم. وفي عالم كهذا، لا يليق بالعرب أن يبقوا مجرد أرض تمر فوقها الجيوش، أو فاتورة تسددها الشعوب بعد انتهاء صفقات الكبار. أما الخطر الأكبر، فليس فقط أن تقع حرب عالمية ثالثة، بل أن تبدأ الحرب بحدس رجل بلا مكابح، ثم يكتشف العالم متأخرًا أن الحدس كان خاطئًا، وأن الثمن لا يمكن استرداده.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى