حين يتكلم العشق وتصمت الكلمات: أسرار جلال الدين الرومي في ذكرى ميلاده

تستمر الذكرى العطرة لقطب التصوف الإسلامي والعالمي في إثارة التأملات الفلسفية والروحية الواسعة بين مختلف الثقافات البشرية تعبيرًا عن عمق أفكاره الخالدة التي تجاوزت حدود الزمان والمكان منذ ولادته في الثلاثين من شهر سبتمبر عام ألف ومائتين وسبعة ميلادية وحتى وفاته في عام ألف ومائتين وثلاثة وسبعين ميلادية تاركًا إرثًا أدبيًا وفكريًا فريدًا من نوعه يعكس أبعادا إنسانية بالغة الثراء والعمق والصفاء الوجداني عبر مسيرته الطويلة التي قضى جلها في مدينة قونية تحت رعاية سلاجقة الروم.
تحتفل الدوائر الثقافية والفكرية بمسيرة الأديب والفقيه الصوفي الكبير محمد بن محمد بن حسين بهاء الدين البلخي المعروف اختصارًا بمولانا جلال الدين الرومي وسط اهتمام بالغ بمكنوناته الفكرية وأقواله المأثورة التي شكلت عبر التاريخ منارة للباحثين عن الحقيقة المطلقة والسلام الداخلي متجاوزة الأطر التقليدية للنصوص الأدبية لتلامس أعمق مشاعر النفس البشرية وتطلعاتها نحو المطلق والمحبة الخالصة التي لا تعرف التفتت أو الانفصال وفق رؤيته الفلسفية الفريدة في التعبير عن العشق الإلهي والتسليم المطلق للذات الإلهية.
تتضح معالم مدرسة العشق الإلهي بجلاء تام في النصوص المأثورة والمقتطفات الشعرية المنسوبة للقطب الصوفي الكبير حيث يرى أن الوداع الحقيقي يقتصر على أولئك الذين يتعلقون بالمظاهر السطحية بينما يرتفع المحب الصادق بروحه وقلبه فوق مفاهيم الفراق المكاني والزمن ليتلاشى الانفصال تمامًا في حضرة الوصل الروحي المستمر الذي يصاحب الإنسان ليل نهار كأنغام هادئة ومضيئة تحيي القلوب وتمنحها القوة اللازمة لمواجهة تقلبات الحياة ومخاطرها المستمرة دون خوف أو تردد.
تعكس التعبيرات المجازية التي استخدمها الشاعر الفذ في نصوصه طابعًا فريدًا يمزج بين الوجد الصوفي والتأمل الوجودي العميق حيث يصور العشق رفيقًا أزليًا في طريق ممتد بلا بداية أو نهاية يدعو السالكين للاستيقاظ والتحرر من قيود الغفلة بينما يصف العقل البشري بالتحجر أمام قسوة الحوادث مقارنة بصفاء العاشق المستغرق في عوالمه الروحية المطلقة التي تذيب الفوارق وتجعل السالكين هائمين في محبة خالصة تشبه السبات العميق أمام جلال الحقيقة الكبرى ومعانيها الخفية.
تتجسد روعة الأسلوب الصوفي في التعبير عن المكاشفات الروحية من خلال رموزه البليغة عن لص العشق الذي يختبئ على دروب السالكين ليختبر يقظتهم ومقاماتهم الوجدانية في إشارة دقيقة إلى سطوة العشق الإلهي على القلوب الحية التي تسعى للإفصاح عن وجدها قبل أن يفلت المعنى إلى آفاق البادية الواسعة تاركًا خلفه إرثًا لا يزال يلهم ملايين البشر حول العالم في البحث عن المعنى الحقيقي للوجود والمحبة والسلام الإنساني الشامل.







