د. أيمن نور يكتب: المنفى لم يكتفِ بالرجل،امتد لقبره وأوراقه عبدالله النديم (٦من١٥

)
في حياة بعض الكتّاب، تضيع أوراق. أما عبد الله النديم، فكأن الضياع، حيًا وميتًا، كان قدرًا يطارده كما طاردته السلطة.
ضاع منه وطن. وضاعت سنوات. وضاعت كتب. ثم مات في المنفى، وبقي جزء من أوراقه منفيًا بعده.
ولعل أكثر ما هزني، وأنا أواصل البحث عنه بعد مئة وثلاثين عامًا، أنني اكتشفت أن الرجل الذي أبحث عن قبره في إسطنبول، ربما ترك لنا لغزًا أكبر من قبره.
أين ذهبت أوراقه وكتبه؟
تبدأ الحكاية بمشهد يصلح وحده لأن يكون فصلًا كاملًا من رواية حزينة.
الإسكندرية تُضرب في صيف الثورة العرابية. الناس يهربون. والمدينة التي عاش فيها النديم بعض أجمل وأعنف سنواته تتبعثر تحت القصف والخوف.
في ذلك الوقت، كان أبوه يحاول إنقاذ ما يستطيع إنقاذه من تراث ابنه.
تقول الرواية التي نقلها أحمد أمين إن النديم كان قد أنفق قرابة تسعة عشر عامًا في التأليف والكتابة، وإن أباه جمع أوراقه ومؤلفاته في ثلاثة صناديق كبيرة، وشحنها مع الخارجين من الإسكندرية.
وصلت الصناديق إلى كفر الزيات. وكان الازدحام هائلًا. ولكي يستوعب القطار المزيد من الفارين، ألقيت الأحمال من إحدى العربات إلى النيل.
وكانت بينها صناديق النديم الثلاثة.
ثلاثة صناديق فقط. لكنها كانت تحمل، بتعبير أحمد أمين، ثروته العقلية.
توقفت طويلًا أمام هذا المشهد.
فليس كل ما يغرق في الماء يموت في اللحظة نفسها. بعض الأشياء تظل تغرق لأكثر من قرن.
نحن لا نعرف ماذا كان داخل تلك الصناديق. أي كتب اكتملت. أي أفكار لم تصلنا. أي قصائد اختفت. وأي عبد الله نديم آخر كان يعيش بين تلك الأوراق، ولم تتح له فرصة الوصول إلينا.
الكاتب لا يضع الحبر فوق الورق فقط. هو يضع شيئًا من عمره.
لهذا، عندما غرقت الصناديق، لم يغرق ورق.
غرقت سنوات من حياة رجل.
وربما لهذا أصبحت الكتابة، بعد ذلك، مقاومته الأشد عنادًا.
اختفى سنوات طويلة، تتعقبه أجهزة السلطة وتطارده العيون، ويتنقل بين القرى والبيوت والملابس والأسماء.
لكن المفارقة أن الرجل كان يختفي بجسده، ويزداد ظهورًا فوق الورق.
جرجي زيدان ينسب إليه خلال سنوات اختفائه واحدًا وعشرين كتابًا في فنون مختلفة.
واحد وعشرون كتابًا يكتبها رجل لا يستطيع أن يخبر الناس أين ينام.
رجل تضيق حوله الجغرافيا، فيوسع داخل رأسه العالم.
كان الخوف يطارده من قرية إلى قرية. وكان هو يرد عليه من صفحة إلى صفحة.
وبعد نحو قرن من رحيله، اجتمع في القاهرة عدد من كبار الباحثين ليعيدوا قراءة هذا الرجل.
انعقدت ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن عبد الله النديم في مايو سنة ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، ثم صدرت أبحاثها في كتاب سنة ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين.
والقيمة الحقيقية لهذا الكتاب، في تقديري، أنه لم يكتف بالبحث عن النديم في أحداث الثورة أو في سيرته السياسية.
بحث عنه داخل أدواته.
كيف كان يفكر؟ كيف كان يكتب؟ كيف كان يصل؟ وكيف استطاع أن يجعل الفكرة السياسية التي تبدو بعيدة عن حياة البسطاء جزءًا من حديث المقهى والدكان والقرية؟
وهنا وجدت مفتاحًا جديدًا لفهم النديم.
فقد درست ألفت-الروبي عنده ما سمته بلاغة التوصيل والقص. ودرس محمود فهمي حجازي رؤيته اللغوية.
وتوقف محمد عوني عبد الرؤوف أمام المستويات المختلفة للغته. ودرست مديحة دوس استخدامه للعامية المصرية.
وتقود هذه القراءات، رغم اختلاف مداخلها، إلى معنى واحد بالغ الأهمية:
موهبة النديم الكبرى لم تكن أنه يعرف ماذا يقول فقط، بل أنه يعرف كيف يجعل الناس يسمعونه.
وهذه موهبة سياسية قبل أن تكون أدبية.
كثيرون يعرفون الفكرة. وقليلون يعرفون كيف ينقلونها. وأقل منهم من يستطيع أن يجعل الإنسان البسيط يشعر أن الفكرة التي يسمعها ليست درسًا يُلقى عليه، بل جزء من حياته هو.
كان النديم يفهم هذه المعادلة بالفطرة.
لم يكن يكتب عن الناس من فوق. كان يدخل إليهم. يجلس بينهم. يتحدث بلغتهم. ثم يرفع اللغة معهم، بدل أن يستخدمها حائطًا يفصلهم عنه.
الفصحى عنده لم تكن استعراضًا.
والعامية لم تكن تنازلًا.
كان يتحرك بينهما كما يتحرك رجل يعرف الطريق من البيت إلى الشارع، ومن الشارع إلى المنبر.
صنع من المسافة بينهما جسرًا.
والقص عنده لم يكن زينة أدبية.
كان وسيلة لفهم السياسة.
بدل أن يشرح الظلم في صفحات من التنظير، كان يجعل الظالم والمظلوم يتكلمان. وبدل أن يقدم درسًا مجردًا في الحكم، كان يصنع موقفًا يرى القارئ نفسه داخله.
ويبدو بعض ما كتبه، من هذه الزاوية، سابقًا لزمانه.
حوارًا صحفيًا قبل أن تستقر فنون الحوار. ومشهدًا مسرحيًا داخل المقال. وحكاية قصيرة تحمل فكرة سياسية كاملة.
ولهذا رأت دراسات مؤتمر القاهرة في تجربته جانبًا مبكرًا ومهمًا من تطور السرد واللغة الصحفية الحديثة.
وهنا نفهم لماذا كان النديم مزعجًا للسلطة أكثر من عشرات المثقفين الأعلى منه صوتًا في الكتب.
السلطة لا تخشى دائمًا أكثر الناس علمًا. أحيانًا تخشى أكثرهم قدرة على تحويل المعرفة إلى وعي عام.
أن تأخذ فكرة لا يعرفها إلا عشرة، وتجعل عشرة آلاف يفهمونها. أن تنزل بالدستور من رفوف الكتب إلى المقهى. وأن تجعل معنى الوطن مفهومًا لمن لم يقرأ كتابًا في السياسة. وأن تحول الكلام عن الحقوق من لغة النخب إلى إحساس طبيعي لدى الناس بأن لهم نصيبًا في بلادهم.
هنا يصبح الكاتب أكثر من كاتب.
يصبح حلقة وصل بين الفكرة والجمهور.
وربما لهذا كان منفاه الأخير في الآستانة أكثر قسوة مما يبدو على الورق.
فمأساة النديم لم تكن في أن يبتعد عن مكان فقط. كانت في أن يبتعد عن الجمهور الذي صنع لغته من أجله.
الرجل الذي عرف طريقه إلى المصري في قهوته ودكانه وحقله، أصبح بعيدًا عن البيئة التي جعلت لصوته معناه.
ومن غرائب الأقدار أنه انتهى موظفًا في عالم المطبوعات، بعد حياة كان فيها هو نفسه موضوعًا للرقابة والمطاردة.
لكن الوظيفة تستطيع أن تمنح الإنسان مرتبًا. ولا تستطيع أن تمنحه وطنًا.
وتستطيع أن توفر له مقعدًا. ولا تستطيع أن تعيد إليه الجمهور الذي كان وجوده جزءًا من معنى الكتابة.
لذلك لا أرى السنوات الأخيرة في الآستانة مجرد فصل أخير هادئ في حياة ثائر متعب.
أراها نوعًا آخر من المنفى.
منفى الصوت بعيدًا عن آذانه التي عرفته.
وكان النديم، حتى في هذا المكان، عاجزًا عن تعلم الصمت.
كتب.
وخاصم.
ودخل في معارك.
وظلت الكلمة، إلى آخر الطريق، طريقته في إثبات أنه ما زال موجودًا.
**ثم مات.**وهنا بدأت الحكاية الأكثر غموضًا.
يعدد جرجي زيدان مؤلفات النديم الضائعة، ويتوقف أمام عمل مذهل.
ديوان شعر يقترب من عشرة آلاف بيت.
ثم يضيف عبارة لا تزال تطاردني منذ قرأتها:
«وهو الآن محجور عليه في الآستانة».
عشرة آلاف بيت.
ليست أوراقًا قليلة سقطت من ملف. ولا قصيدة نسيها ناشر.
إنها عمر أدبي كامل تقريبًا.
ومع ذلك، لا نعرف اليوم أين انتهى.
وحدها عبارة «محجور عليه» تكفي لفتح عشرات الأبواب.
من حجر عليه؟ ولماذا؟ وأين وضع؟ وهل كان الحجر إجراءً رسميًا؟ وهل بقي الديوان كاملًا؟ وأين ذهبت أوراقه بعد ذلك؟
لا أملك حتى الآن وثيقة تسمح لي بإجابة قاطعة.
ولن أملأ فراغ الوثيقة بخيال جميل.
لكن المفاجأة أن جرجي زيدان لم يكن الخيط الوحيد.
هناك شهادة أخرى أكثر قربًا من أسرة النديم.
رشيد رضا سجّل لقاءه في الإسكندرية بالسيد عبد الفتاح النديم، شقيق عبد الله.
وأهداه عبد الفتاح الجزء الأول من «سلافة النديم».
ثم أخبره بما هو أهم.
قال إن كتب أخيه لم تعد من الآستانة، وإنها كانت عند الشيخ محمد ظافر، وإنها لم تسلم إليه بسبب صدور أمر بفحصها.
هنا تتغير المسألة.
لم نعد أمام جملة منفردة في كتاب.
لدينا طريقان مختلفان يصلان إلى المكان نفسه.
جرجي زيدان يقول إن ديوانًا ضخمًا كان «محجورًا عليه في الآستانة».
وشقيق النديم يقول، في الرواية التي نقلها رشيد رضا، إن كتب أخيه بقيت هناك ولم تسلم بسبب أمر بفحصها.
لا أقول إن الروايتين تتحدثان بالضرورة عن الأوراق نفسها.
ولا أقول إننا عرفنا الآن أين توجد.
لكن من الصعب أن نمر على هذا التقاطع وكأنه مصادفة لا تستحق التحقيق.
والأكثر إثارة أن الحكاية بدأت بأب يحاول إنقاذ كتب ابنه، وانتهت بأخ يحاول استعادتها.
الأب وضعها في ثلاثة صناديق. فضاعت في الطريق.
والأخ طلبها من الآستانة. فلم تعد.
أب في أول الحكاية.
وأخ في آخرها.
وبينهما رجل تفرقت أوراقه كما تفرق وطنه.
عندها فقط أدركت أن العبارة التي نكررها عن «فكر عبد الله النديم» تحتاج إلى قدر من التواضع.
فنحن لا نعرف كل فكره.
نحن نعرف ما نجا من فكره.
بعضه نجا من الماء. وبعضه من المطاردة. وبعضه جمعه شقيقه عبد الفتاح وصديقه محمود واصف في «سلافة النديم».
أما بعضه الآخر فلا نعرف إن كان قد ضاع إلى الأبد، أم أنه لا يزال نائمًا في ملف أو خزانة أو فهرس تحت اسم لم نبحث عنه جيدًا.
وقد ذكر زيدان نفسه أن جامعي «السلافة» لم تصل إليهما من رسائله الأدبية إلا أربع عشرة رسالة، بعد جهد طويل.
لهذا تغير معنى رحلتي.
بدأتها أبحث عن قبر عبد الله النديم.
والآن أجدني أبحث عن عبد الله النديم نفسه.
عن الرجل الذي لم يصل إلينا كاملًا.
عن أوراقه. عن سجل الفحص. عن أثر الشيخ محمد ظافر في هذه الحكاية. عن ملفات المطبوعات. وعن واحد وعشرين كتابًا كتبها رجل كان يهرب من السلطة، فيما كانت أفكاره ترفض الهرب.
وبين ثلاثة صناديق ابتلعها النيل…
وكتب بقيت في الآستانة…
وديوان من عشرة آلاف بيت اختفى أثره…
أشعر أن حملة «مئة وثلاثون عامًا والنديم منفيًا» اكتسبت أمامي معنى جديدًا.
فإعادة النديم إلى وطنه لا تعني فقط أن نبحث عن قبره.
ولا أن ننقل رفاته، إذا ثبت مكانها وأمكن ذلك.
هناك عودة أخرى ربما تكون أهم.
أن نعيد إلى مصر ما نستطيع العثور عليه من عقله.
أن نبحث عن الكتاب قبل أن نكتب عنه.
وعن الورقة قبل أن نبني عليها الرواية.
وعن صوته، قبل أن نتحدث باسمه.
فالمنفى الذي بدأ بإبعاد الرجل عن وطنه، لم يكتفِ بالرجل.
امتد إلى قبره. وإلى أوراقه. وإلى كتبه. وإلى صوته. وإلى أجزاء من ذاكرته.
وبعد مئة وثلاثين عامًا، ربما أصبح واجبنا ألا نكتفي برثاء ما ضاع، بل أن نذهب وراء ما لم نتأكد بعد أنه ضاع.
فربما لم تختف أوراق عبد الله النديم كلها.
وربما لم يبتلعها الزمن كما ابتلع النيل صناديقه الأولى.
ربما بقي منها شيء، في درج أو ملف أو خزانة قديمة…
ينتظر فقط أن نناديه باسمه الصحيح.







