انتفاضة الأقصى.. خمس سنوات غيّرت فلسطين

مثلت انتفاضة الأقصى واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما امتدت لنحو خمس سنوات شهدت مواجهات واسعة واجتياحات وعمليات مسلحة واغتيالات، وانتهت وقد تغير المشهد السياسي والأمني والجغرافي في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل بصورة كبيرة.
واندلعت الانتفاضة في خريف عام 2000، في وقت كان فيه مسار التسوية يمر بأزمة عميقة، بعد تعثر مفاوضات السلام وفشل قمة كامب ديفيد بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، بالتزامن مع استمرار الاستيطان وتصاعد الغضب في الشارع الفلسطيني.
وجاءت زيارة أرييل شارون، زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك، إلى باحات المسجد الأقصى وسط حراسة أمنية كثيفة لتشعل المواجهات في القدس، قبل أن تمتد سريعًا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وتبدأ المرحلة التي عرفت باسم «انتفاضة الأقصى» أو الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
ولم تكن زيارة شارون وحدها وراء الانفجار، إذ سبقتها سنوات من الإحباط بعد اتفاق أوسلو عام 1993، مع عدم التوصل إلى تسوية نهائية لقضايا القدس والحدود واللاجئين والمستوطنات، وتحول الآمال التي صاحبت بداية عملية السلام إلى حالة متزايدة من الشك والإحباط.
وخلال الأيام الأولى للانتفاضة انتشرت صور المواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية في المدن والمخيمات، وبرزت واقعة الطفل الفلسطيني محمد الدرة ووالده جمال في قطاع غزة، لتصبح صورها واحدة من أشهر المشاهد المرتبطة بالانتفاضة، بينما ظلت المسؤولية عن إطلاق النار موضع خلاف وروايات وتحقيقات متعارضة.
وبمرور الشهور تغيرت طبيعة المواجهة، ولم تعد مقتصرة على المظاهرات ورشق الحجارة، إذ دخلت الفصائل الفلسطينية بقوة على خط الصراع، ووقعت عمليات مسلحة وتفجيرات داخل مدن إسرائيلية، بينما وسعت إسرائيل عمليات الاغتيال والقصف والاجتياح والاعتقال والإغلاق.
وفي فبراير 2001 أصبح أرييل شارون رئيسًا للحكومة الإسرائيلية، ليتولى الرجل الذي ارتبطت زيارته للأقصى بإحدى الشرارات المباشرة للانتفاضة قيادة إسرائيل خلال واحدة من أكثر مراحل الصراع عنفًا.
ووصلت المواجهات إلى ذروة جديدة عام 2002، عندما أطلقت إسرائيل عملية «السور الواقي»، وأعادت قواتها دخول رام الله ومدن ومناطق واسعة في الضفة الغربية.
وحاصرت القوات الإسرائيلية مقر السلطة الفلسطينية في رام الله بينما كان ياسر عرفات بداخله، وشهدت بيت لحم حصار كنيسة المهد لأسابيع، فيما دارت في مخيم جنين واحدة من أعنف معارك الانتفاضة، وسقط قتلى فلسطينيون وجنود إسرائيليون ودُمرت أجزاء من المخيم.
وأعادت إسرائيل وجودها العسكري في مناطق كانت قد انسحبت من أجزاء منها بموجب ترتيبات أوسلو، وانتشرت الحواجز والإغلاقات، كما بدأ في تلك المرحلة بناء الجدار الفاصل، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز ملامح الواقع الجديد في الضفة الغربية.
وفي السنوات التالية استمرت محاولات إعادة المسار السياسي، وطُرحت «خريطة الطريق» دوليًا، لكن المواجهات والعمليات العسكرية والاغتيالات استمرت، وفي عام 2004 اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، ثم عبد العزيز الرنتيسي بعد أسابيع.
وفي نوفمبر من العام نفسه توفي الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في فرنسا بعد نقله من مقره في رام الله، لتنتهي برحيله مرحلة امتدت لعقود من تاريخ منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والصراع مع إسرائيل.
وانتُخب محمود عباس رئيسًا للسلطة الفلسطينية مطلع عام 2005، ثم اجتمع مع شارون في قمة شرم الشيخ في فبراير، حيث أعلن الجانبان وقف أعمال العنف، وهي المحطة التي يعتبرها كثيرون النهاية السياسية للانتفاضة الثانية، رغم عدم وجود تاريخ واحد متفق عليه لنهايتها.
وبعد أشهر، نفذت إسرائيل خطة فك الارتباط من قطاع غزة، وأخلت المستوطنات الموجودة داخله وسحبت وجودها العسكري البري الدائم من داخل القطاع.
وتركت الانتفاضة حصيلة بشرية ثقيلة، مع سقوط آلاف القتلى من الفلسطينيين والإسرائيليين وأعداد أكبر من الجرحى، إلى جانب خسائر اقتصادية واجتماعية ودمار طال مدنًا ومخيمات فلسطينية خلال سنوات المواجهات والاجتياحات.
لكن تأثير الانتفاضة تجاوز الخسائر المباشرة، إذ خرجت السلطة الفلسطينية منها أضعف، وتعزز حضور الفصائل المسلحة وفي مقدمتها حركة حماس، بينما أصبحت الاعتبارات الأمنية أكثر حضورًا في السياسة والمجتمع داخل إسرائيل.
كما فقد مسار أوسلو جانبًا كبيرًا من الزخم الذي صاحب انطلاقه في التسعينيات، وتغير واقع الضفة الغربية مع الجدار والحواجز وإعادة الانتشار العسكري واستمرار الاستيطان.
وبعد أكثر من ربع قرن على اندلاعها، تبقى انتفاضة الأقصى أكثر من مجرد خمس سنوات من المواجهة، فقد شكلت نقطة تحول في القضية الفلسطينية، وانتهت من دون تسوية القضايا التي ساهمت في اندلاعها، من القدس والاستيطان إلى الحدود ومستقبل الدولة الفلسطينية.
انتهت الانتفاضة تدريجيًا، لكن كثيرًا مما صنعته لم ينتهِ، وظلت آثارها السياسية والأمنية والجغرافية حاضرة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حتى اليوم.







