
جيل زد جيل بيتا جيل واي جيل ألفا…أسماء لم نكن نسمع عنها حتى وقت قريب. هذه الأسماء هي ترجمة لمواليد أعوام سابقة، تمثل جيل الشباب والمراهقين والأطفال. أخطرها ما يسمى جيل زد وهو جيل الشباب من مواليد الفترة من1997-2012. هؤلاء وردت عليهم بحوث ودراسات واستطلاعات رأي حديثة جدا، لكونهم هم الأكثر تأثرا بمناخ العولمة، وعالم التقنيات الحديثة، ما جعل صوتهم عبر تلك التقنيات يجُب صوت أي فئة عمرية أكبر عبر وسائل الإعلام التقليدية من صحافة وتليفزيون.
لا شك أن التطورات التقنية المتسارعة جعلت الأعمار بين الأجيال المختلفة تتسم بالضيق، فالجيل الذي كان عبر مرحلة عمرية تصل قديما إلى عشرة أو خمسة عشرة عاما، أصبحت تلك الفترة اليوم تشهد جيلين ولربما ثلاثة أجيال معا. ما جعل التقنيات الحديثة تُفعل آثارها بشدة على أعمار الناس بشكل سريع وفي مراحل وشرائح عمرية أقل ضيقا.
جيل التطبيقات والنت والفضائيات
ولأن التطورات التكنولوجية التي غزت العالم خلال العقود الثلاثة الماضية قد أثرت بشكل بالغ على الشباب أكثر من تأثيرها على أية شرائح عمرية أخرى، فإن جيل زد كان من أكثر من استخدم تلك الوسائل ووظفها بكثافة بغرض التعبير عن رأيه.
ورغم أن العالم الفضائي المرتبط بالقنوات الفضائية، والعالم النتي المرتبط بشبكة المعلومات العنكبوتية كانتا من أبرز ملامح ثورة المعلومات، التي استطاع جيل زد أن يوظفها أكثر من غيره من أجيال أخرى، إلا أن عالم التقنيات المرتبط بمواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وتطبيقات الهواتف المحمولة استطاعت أن تكتسح الوسيلتين الأخريين بشكل غير منافس، وذلك عبر استخدام جيل زد مواقع الفيس بوك والإنستجرام والتيكتوك وغيرها من المنصات الرقمية.
من هنا يلاحظ أن جيل زد -كاتجاه عام- هو جيل لا يُفضل القراءة، ويميل إلى المرئي والمسموع. لذلك، فإنه نظرا للأغلبية العددية الكبيرة لهذا الجيل عن غيره من الأجيال(يقع ضمن الشريحة العمرية الأكبر 18-40سنة والبالغة نحو 65% من عدد المصريين) فإنه يكون جيل يغلب عليه اللا وعي، والأمية الثقافية ولربما التعليمية عامة والإملائية خاصة.
قيم أخلاقية مغايرة
ولا شك أن القيم وثقافة جيل زد تختلف من حيث الدرجة عن كل من قيم وثقافة الجيل الأكبر سنا، كما أن ثقافة جيل زد الحالي تختلف عن ثقافة نفس الجيل منذ عقد أو عقدين من الزمن.
واحد من الأمور التى يجب تؤخذ في الاعتبار ونحن نتحدث عن جيل زد، هي التباينات الجيلية، والخلافات التي يجدها هؤلاء بينهم وبين الجيل الأوسط والأكبر، والذي يعتبرونه وصى على حركتهم.
من المفيد أن نذكر أن جيل زد يهتم بشكل عام بتقليد ومحاكاة الغير القريب من سنه، حتى لو كان هذا التقليد تقليدا آليا وغير هادف. محاكاة جيل زد للغير تتم سواء كان هذا الغير هو زد الغربي، خاصة الأوروبي أو الأمريكي، أو كان الغير هو زد المصري المغترب أي المتأثر بالثقافة الغربية، والذي يعتبر حلقة وصل بين جيل زد المصري ونظيره في الغرب. وما دامت تلك المحاكاة تتم في الأمور غير الهادفة عامة، فإنها تكون محاكاة غير مرتبطة بمُنتج أو بمُصنّع، بل بتوافه الأمور كقصات الشعر أو موضات الزي أو طريقة المشي أو الرقص أو استخدام وسائل مواصلات غير تقليدية كالدراجات العادية أو البخارية في أماكن لها بروتوكولها المخالف لذلك، أو الكلام بمصطلحات أجنبية في الحوارات العادية، بغية إبراز ولفت الإنتباة أو التباهي بمعرفة اللغات، ولا مانع وسط كل ما سبق أن يتم وضع علامات غير مفهومة على السيارات أو التيشيرتات أو خلافه، وكذلك استخدام لغات غير مفهومة أثناء الكتابة على الهاتف الجوال، فيما بات يعرف بلغة ما يسمى بالفرانكوأراب.
وسط كل ما تقدم يجد المرء الكثير من المنتمي إلى جيل زد يقف بالمرصاد لمواجهة العادات التي يعتبرها بالية وقديمة، كاحترام الكبير، وتقدير الوالدين. لكن ليس معنى كل ذلك أنه بالضرورة يتجاوز حدوده الأخلاقية، فهو فقط لا يهتم بالسن، ويعتبره من خرافات الماضي. كلنا يتذكر ما حدث بمترو أنفاق القاهرة في منتصف ديسمبر الماضي، بين رجل ريفي كبير السن، عندما لفت ذهن راكبة بإنزال قدمها، التي رفعتها فوق قدمها الأخرى والناس داخل المترو، بغرض احترام الكبير، وكيف أن الشباب تعاطفوا مع الراكبة صغيرة السن، بينما تعاطف الكبار مع الرجل الكبير وقيمه وثقافته العتيقة.
واحد من القيم الأخرى التي يهتم بها جيل زد عموما هو الملخصات، فهو دائما يدّعى أنه ليس لديه وقت لمعرفة التفاصيل، بل أنه يرغب في أخذ صورة عامة عما يقال أو ما يحكى أو ما يكتب، وبذلك فهو جيل عصبي المزاج، يريد الوصول إلى الخلاصات، ولا وقت له كي يضيعه في معرفة تفاصيل الأمور.
ولا يفضل جيل زد الألقاب، فهو يرى أن كل شيء ينادى عليه باسمه، لا مهندس ولا دكتور..إلخ. هو يعتبر أن تقدير الآخر بداية لإملاء النصائح منه إليه!!
أزمة قادمة لا يشعر بها جيل زد اليوم
ولأن جيل زد كغيره من الأجيال يعتبر جيل حركى، بمعنى أنه بعد فترة سينتقل إلى جيل الكبار، ويدخل جيل زد أخرون كانوا صغارا، فإن هذا الجيل يبدو أنه لا يدري أنه بعد فترة ليست ببعيدة ستتحول قيمه إلى قيم تقليدية أو أقرب إلى التقليدية التي تربي عليها والديه ولربما أجداده.
خذ على سبيل المثال كيف عبر جيل زد عن معاناته من جيل الكبار والفوارق العمرية وشكاوى التسلط وأدعاؤء الحكمة من الشيوخ، وكيف أصبح هؤلاء بعد أن اشتكوا من كل ذلك بالأمس، يروا اليوم أبنائهم ودروسهم وسلوكياتهم وعقوق البعض لهم وتصرفاتهم لمحاكاة الغرب والمغتربين. بعبارة أخرى، لقد أصبح هؤلاء يشتكون من أبناءهم، رغم أنهم هم أنفسهم كانوا يشتكون من أباءهم منذ سنوات ليست بعيدة. هنا يصبح الوالد الذي أصبح جدا محل تقدير الأبن الذى كبُر، ويصبح الأخير محل نقد الأبن من جيل زد اليوم. يا لها من حلقة غريبة!!
الدولة وجيل زد …سياسات مرتبكة
وسط كل هذا الإلتباس، أصبحت الدولة تقف موقف المرتبك من جيل زد. فتارة نجد خطابها يقوم على الدعم من خلال سياسات تمكين هذا الجيل عبر تولى بعض المناصب القيادية في المحليات، وكذلك الاهتمام بمراكز الشباب، وفتح بعض مجالات العمل لمحاربة البطالة فيما بينهم، والاهتمام بقطاعات منهم كالمرأة وذوى الهمم.
لكن بالمقابل نجدها تارة أخرى تُواجه هذا الجيل من خلال محاصرته بإهمال مجالات المشاركة السياسية، سواء بوجود نظام حزبي مترهل وديكوري، أو اسلوب انتخابي عفى عليه الزمن(القائمة المطلقة)، أو منظمات مجتمع مدني غير فاعلة ومُراقبة طول الوقت، أو إعلام تم تأميمه، أو مواقع إلكترونية مُغلقة ومحجور عليها، أو برعاية الدولة ذاتها لحفلات ماجنة وإنتاج سينمائي أجوف وسخيف يُلقن الأبناء قيم غريبة عن مجتمعاتنا….إلخ كل ما سبق وغيره كثير، هدف ولا يزال يهدف إلى إفراغ أغلب أفراد هذا الجيل من المسئولية، وجعله إتكاليا وعصبيا وتافا ومغتربا.
لاشك أن الدولة عليها واجبات مهمة لحماية هذا الجيل من الشرود والجنوح، فمن خلال المزيد من تطوير مراكز الشباب، والعمل على مواجهة البطالة والفراغ المُميت، وفتح مجالات التشغيل بعائد مُجزي سواء لديها مباشرة أو بالقطاع الخاص حتى يستطيع هذا الجيل أن يرى لنفسه كيانا وموقعا بالمجتمع، والاهتمام بمناهج التعليم والتقويم(من خلال كل ذلك وأكثر)يتم صناعة سوية لجيل قوى ومُتزن ومُتمسك بأصالة بلاده. من الأمور المهمة كذلك أن تقوم الدولة باحتواء أبناء هذا الجيل، فتستمع لمقترحاتهم ولنقدهم البناء، مما يُعمق الانتماء لهم، بدلا من أن تقوم بمطاردة الرأي وتدوير هؤلاء في حبس احتياطي أو خلافه.







