
بين شرق ليبيا وغربها، لا يبدو المشهد مجرد خلاف على السلطة، بل شبكة متداخلة من المصالح والحسابات الإقليمية والدولية، جعلت من الانقسام الليبي أزمة مفتوحة على أكثر من اتجاه.
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، دخلت ليبيا في مسار طويل من الانقسام السياسي والأمني، تعمّق بعد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2014، وأنتج سلطات ومراكز نفوذ متنافسة في الشرق والغرب. ولم يعد الصراع شأناً ليبياً خالصاً، بعدما تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح دول إقليمية ودولية متعددة.
اليوم، تبدو معادلة الشرق والغرب أكثر تعقيداً من مجرد البحث عن حكومة موحدة. فالمسألة تتصل أيضاً بمستقبل المؤسسة العسكرية، وتوزيع عائدات النفط، والسيطرة على الموانئ والمطارات والمنافذ، وشكل الدولة التي يمكن أن تنشأ من تحت ركام أكثر من عقد من الانقسام.
والأخطر أن الاقتصاد نفسه بات مرآة لهذا الانقسام. فليبيا، الدولة النفطية الغنية، تعاني في الوقت نفسه من أزمات كهرباء ووقود واختلالات في البنية التحتية. وقد حذرت بعثة الأمم المتحدة أخيراً من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة أو تعطيل للبنية النفطية قد يعرّض البلاد لمزيد من العقوبات والاضطراب الاقتصادي.
التسوية ليست ليبية فقط
أي تسوية في ليبيا لن تُصنع داخل ليبيا وحدها.
مصر والجزائر وتونس تنظر إلى الاستقرار الليبي من زاوية أمنها القومي وحدودها ومصالحها الاقتصادية، فيما تحتفظ تركيا بنفوذ مهم في الغرب الليبي، وتبقى الإمارات ومصر وروسيا من أبرز الأطراف التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بمعادلات القوة في الشرق، إلى جانب الحضور الأميركي والأوروبي المتزايد.
ولهذا فإن الاتفاق بين الليبيين يحتاج، إلى جانب التوافق الداخلي، إلى تفاهمات بين القوى الخارجية التي تملك أدوات تأثير حقيقية على الأرض.
المشكلة أن هذه القوى لا تنظر إلى ليبيا بالطريقة نفسها. فالبعض يرى فيها ملفاً أمنياً، والبعض الآخر يراها مصدراً للطاقة، فيما ترتبط حسابات آخرين بالموانئ والممرات البحرية والهجرة والنفوذ الإقليمي.
ومن هنا تحديداً تكمن صعوبة أي تسوية.
من الصراع إلى تقاسم النفوذ
المرحلة المقبلة قد لا تبدأ باتفاق شامل ونهائي، بل بتفاهمات تدريجية تفتح الطريق أمام سلطة أكثر توحيداً، وتعيد ترتيب العلاقة بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
المطلوب ليس فقط تشكيل حكومة جديدة، بل بناء معادلة تمنع عودة الصراع بمجرد تغيّر موازين القوى.
وهذا يعني معالجة الملفات الأكثر حساسية: توحيد المؤسسات، تنظيم العلاقة بين القوى المسلحة، حماية منشآت النفط، توزيع الموارد، وتحديد قواعد واضحة للانتقال السياسي.
فالسلام الليبي لن يكون مجرد مصافحة بين شخصيات سياسية. إنه إعادة صياغة لعلاقة الدولة بالمجتمع، وعلاقة المركز بالأقاليم، وعلاقة السياسة بالسلاح والثروة.
إسرائيل في الحسابات الإقليمية
أما الحديث عن احتمال انفتاح بعض الأطراف الليبية على إسرائيل، وخصوصاً ما يُنسب إلى دوائر مرتبطة بصدام حفتر، فيبقى ملفاً شديد الحساسية يحتاج إلى التمييز بين المعلومات المؤكدة والتسريبات والتقديرات السياسية.
لكن مجرد طرح هذا الملف يعكس شيئاً أوسع: ليبيا لم تعد منفصلة عن التحولات التي تعيد رسم التحالفات في الشرق الأوسط.
وفي حال تطور هذا المسار، فإن تأثيره لن يكون ليبياً فقط، بل سيتقاطع مع حسابات واشنطن وتل أبيب والقوى العربية والإقليمية، ومع إعادة ترتيب العلاقات في المنطقة.
لكن تحويل هذه الفرضية إلى حقيقة سياسية مكتملة يحتاج إلى أدلة وقرارات معلنة، لا إلى التسريبات وحدها.
النفط وحده لا يبني دولة
المفارقة الليبية أن الثروة موجودة، لكن الدولة لا تزال عاجزة عن تحويلها إلى استقرار دائم.
فالنفط يمنح ليبيا قدرة استثنائية على تمويل إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات، وخلق اقتصاد أكثر تنوعاً. لكن استمرار الانقسام يجعل هذه الثروة نفسها جزءاً من الصراع على النفوذ.
وهنا يصبح توحيد المؤسسات الاقتصادية شرطاً موازياً لتوحيد المؤسسات السياسية.
لا يمكن بناء دولة مستقرة فيما تبقى الطاقة والمال العام والخدمات الأساسية رهينة التجاذبات السياسية والأمنية.
لحظة الحقيقة
ليبيا تقف أمام خيارين سياسيين واضحين: استمرار نظام الانقسام وتثبيت واقع تعدد مراكز القوة، أو الانتقال التدريجي نحو تسوية تعيد بناء الدولة من الداخل وتضع حداً لتحولها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الخارجية.
لكن الوصول إلى التسوية يحتاج إلى أكثر من مبادرة دولية أو تفاهم بين القوى الكبرى.
يحتاج إلى اقتناع الليبيين أنفسهم بأن استمرار الانقسام لم يعد يحمي أحداً، وأن مصالح الشرق والغرب، مهما اختلفت، لا يمكن فصلها عن قيام دولة واحدة قادرة على إدارة ثروتها وحماية حدودها ومؤسساتها.
ليبيا لا تفتقر إلى الإمكانات. ما ينقصها هو تحويل موازين القوة من وسيلة لإدارة الصراع إلى وسيلة لبناء الدولة.
وهنا تكمن لحظة الحقيقة: هل تكون السنوات المقبلة بداية نهاية الانقسام، أم مجرد فصل جديد من فصول الأزمة؟
الإجابة لن تحدد مستقبل ليبيا وحدها، بل ستؤثر في توازنات شمال أفريقيا والمتوسط، وفي خريطة النفوذ والطاقة في المنطقة بأكملها.







