
لم تكن صواريخ “القاهر والظافر” مجرد منظومتين صاروخيتين ظهرتا في استعراض عسكري؛ بل كانتا تعبيرًا عن مشروع سياسي وصناعي واسع هدفه تقليل اعتماد مصر على الخارج، وبناء قاعدة وطنية للمعرفة العسكرية والتصنيع المتقدم. ففي ظل صعوبة الحصول على أسلحة حديثة بعد العدوان الثلاثي عام 1956، اتجهت مصر إلى تطوير قدراتها الذاتية، وأنشأت في مطلع الستينيات مصنعًا صاروخيًا عُرف باسم “مصنع 333” وهو المصنع الذي ارتبط لاحقًا بمصنع صقر.
العلماء الألمان ونقل الخبرة
استعانت مصر بعدد من الخبراء والعلماء الألمان الذين امتلكوا خبرات في هندسة الصواريخ والطيران والمحركات. وتذكر مصادر تاريخية أن عدد العاملين في مصنع 333 بلغ نحو ألف مصري، بينهم مهندسون وفنيون وعمال، إلى جانب ما يقارب 250 خبيرًا وفنيًا ألمانيًا. ولم تكن قيمة هؤلاء الخبراء في أسمائهم فقط، بل في قدرتهم على نقل المعرفة العملية إلى كوادر مصرية تعمل في التصميم، والتصنيع، والاختبار، وإدارة خطوط الإنتاج . وقد مثّل هذا التعاون خطوة جريئة في زمن كانت فيه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة حكرًا على القوى الكبرى. كما أن مصر لم تكن تسعى إلى شراء صاروخ جاهز فحسب، بل إلى امتلاك دورة إنتاج كاملة تشمل المواد، والمحركات، وأنظمة الدفع، والهياكل، ومنشآت الاختبار، وتدريب المهندسين.
القاهر والظافر
كان “الظافر ” صارو باليستيًا قصير المدى، بينما كان “القاهر” أكبر مدى وأكثر طموحًا من الناحية العملياتية. وتختلف المصادر في تقدير المديات الدقيقة، إلا أن التقديرات الشائعة تشير إلى مدى يقارب 350 كيلومترًا للظافر ونحو 600 كيلومتر للقاهر. وقد عُرض الصاروخان علنًا في احتفالات ثورة يوليو عام 1962، في رسالة واضحة بأن مصر بدأت تدخل عصر الصواريخ من موقع المنتج لا المستورد.
كانت أهمية المشروع تتجاوز الأداء العسكري المباشر للصاروخين. فامتلاك القدرة على تصميم صاروخ، وإنتاج محركه، وتجميعه، واختباره، يتطلب بناء منظومة علمية وصناعية تشمل الرياضيات التطبيقية، وهندسة المعادن، والكيمياء، والإلكترونيات، والتحكم، والاتصالات. ومن هذه الزاوية، كان القاهر والظافر مدرسةً صناعية متكاملة أكثر من كونهما سلاحين منفردين.
ولم تنحو مصر ” عبد الناصر” من التهكم والحرب الإعلامية فقد واجه المشروع المصري حملة سياسية وإعلامية واسعة. فقد سعت بعض الدول العربية الرجعية والمحافظة، في سياق صراعها السياسي مع نظام عبد الناصر، إلى التقليل من قيمة الإنجاز والسخرية من الصواريخ المصرية، كما انتشرت روايات تشكك في قدرة مصر على تصنيعها أو استخدامها. ولا يمكن فصل هذه الحملات عن صراع النفوذ الذي كان قائمًا آنذاك بين مصر الناصرية والأنظمة العربية المناوئة لها والتى كانت ولازال بعضها يدور في فلك الاستعمار.
غير أن التهكم لم يكن الوسيلة الوحيدة لمحاصرة المشروع. فقد أثار التعاون المصري الألماني قلق إسرائيل وألمانيا الغربية، وتعرض العلماء والخبراء المرتبطون بالبرنامج لضغوط وتهديدات وعمليات استهداف، ارتبط بعضها بما عُرف تاريخيًا بعملية «داموكليس»، التي شملت رسائل مفخخة وعمليات ضغط على الخبراء وعائلاتهم. وتؤكد مصادر تاريخية أن هذه الحملة ساهمت في إضعاف البرنامج واستنزاف الخبرات الأجنبية العامله .
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الحقائق المثبتة وبين الروايات السياسية المتداولة؛ فبعض الاتهامات المتعلقة بحجم الإنتاج، ونوعية الرؤوس الحربية، ومدى الجاهزية العملياتية، ظلت محل خلاف بين الباحثين والمصادر.
ومع مر السنوات تحولت الرؤية الوطنية من هيئة التصنيع الحربي إلى الهيئة العربية للتصنيع حيث مثّل التصنيع الحربي في عهد عبد الناصر محاولة لبناء استقلال استراتيجي، لا مجرد استجابة مؤقتة لحاجة عسكرية.
وبعد سنوات من العمل، تأسست عام 1975 الهيئة العربية للتصنيع بمشاركة مصر والسعودية وقطر والإمارات، وضمت مصر إلى المشروع مصانع متخصصة في الطائرات والمركبات المدرعة ومحركات الطائرات والصواريخ، ومن بينها مصنع 333
أما القول وادعاء البعض إن الرئيس أنور السادات «أنهى الشركة العربية للتصنيع الحربي» بصورة مباشرة، فهو يحتاج إلى صياغة أكثر دقة؛ إذ إن الهيئة العربية للتصنيع لم تُلغَ، لكنها فقدت بعد انسحاب الدول العربية المشاركة في أعقاب التحولات السياسية المصرية ومعاهدة كامب ديفيد التى هي اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، طابعها العربي المشترك، وأصبحت عمليًا مؤسسة مصرية.
لذلك فإن الأدق تاريخيًا الحديث عن تراجع البعد العربي المشترك وإعادة توجيه الأولويات الصناعية، لا عن إلغاء كامل للمؤسسة.
ويعتبر المشير أبو غزالة من اهم من أعاد هيكلة وتشكيل الصناعات الحربية ومحاولة استعادة الزخم حيث في عهد المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، عادت قضية التصنيع العسكري إلى الواجهة بقوة. فقد ارتبط اسمه بتوسيع قاعدة الإنتاج الحربي، وتشجيع نقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات الدفاعية المصرية، وربطها بالصناعات المدنية مما لم يتفق مع التوجهات الأمريكية الساعية إلي تقييد مصر لصالح إسرائيل . وكان الهدف لدى ابو غزاله أن تمتلك مصر قدرة تفاوضية أكبر، وألا تبقى أسيرة لمصدر واحد للسلاح.
لكن الضغوط الدولية والإقليمية حدّت من استقلال بعض البرامج الطموحة. كما أن التعاون العسكري مع الولايات المتحدة فرض مسارات جديدة على الصناعة الدفاعية المصرية، ووجّه جانبًا من المؤسسات نحو الإنتاج المدني أو الصناعات ذات الاستخدام المزدوج. وتوجد رواية شائعة تقول إن بعض منشآت التصنيع الحربي حُوّلت إلى إنتاج الجرارات الزراعية استجابة لضغط أمريكي مباشر؛ غير أن هذه الرواية تحتاج إلى توثيق مستقل قبل تقديمها كحقيقة نهائية. والأثبت أن الصناعة العسكرية المصرية شهدت خلال تلك المرحلة إعادة هيكلة وتنوعًا في مجالات الإنتاج، بدل اختفائها الكامل.
ولكن ما هو إرث المشروع الناصري الذي بدء في اوائل الستينيات ؟
تكمن قيمة القاهر والظافر في أنهما مثّلا بداية مصرية جادة للتعامل مع التكنولوجيا الصاروخية. صحيح أن البرنامج واجه مشكلات في أنظمة التوجيه والتحكم، وتأثر بخروج الخبراء الألمان والقيود السياسية والاقتصادية، كما توقف بعد حرب يونيو 1967 لصالح إعادة بناء القوات المسلحة التقليدية. لكن التجربة تركت أثرًا طويلًا في تكوين المهندسين، وإنشاء المصانع، وتطوير ثقافة البحث والتصنيع العسكري .
إن تمجيد القاهر والظافر لا يعني تجاهل نواقصهما أو تحويلهما إلى أسطورة منفصلة عن الواقع، بل يعني تقديرهما بوصفهما مشروعًا وطنيًا مبكرًا حاول كسر احتكار القوى الكبرى للتكنولوجيا العسكرية. فقد أثبتت مصر، في لحظة تاريخية شديدة الصعوبة، أن الإرادة السياسية والعلم والعمل الصناعي يمكن أن تضع دولة نامية على طريق امتلاك المعرفة، حتى إن حالت الضغوط الدولية دون اكتمال المشروع.
والدرس الأهم أن القوة العسكرية لا تُقاس بعدد الأسلحة المستوردة وحده، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وتدريب الإنسان، وبناء المصنع، وحماية قرارها الاستراتيجي. هذا القرار الذي تفتقده عديد من الدول العربية التى تهرول في الركب الأمريكي و الانصياع لقوانين الاستعمار !!!
ومن هذه الزاوية ظل القاهر والظافر شاهدين على مرحلة طموحة من تاريخ التصنيع العسكري المصري، وعلى محاولة مبكرة لبناء استقلال صناعي في بيئة إقليمية ودولية لم تكن ترحب بصعود قوة مصرية مستقلة.
اليوم يختلف واقع مغاير تماما يستدعى ان نستذكر أن مصر كانت دولة رائدة فى توجهها نحو التصنيع العسكري وبداية التوسع فى الاستقلال الوطني ونموذج يحتذى للتحرر السياسي والاقتصادي الذي اقلق إسرائيل و الاستعمار و







