مقالات وآراء

الدكتور عبدالفتاح طوقان يكتب: حين تبتسم الروح… يزهر العالم

بعيدًا عن السياسة والاقتصاد اللذين أنهكا المواطنين العرب، وعن ضجيج الأخبار الذي أثقل الأرواح، تبقى في الحياة أشياء صغيرة قادرة على إنقاذنا من التعب: ابتسامة صادقة، نظرة حانية، كلمة دافئة، ويد تمتد إلى قلب أنهكه الانتظار.

فالابتسامة ليست مجرد حركة عابرة على الشفاه، بل إضاءة للوجه ورسالة حب صامتة تصل إلى الآخرين دون حاجة إلى كلمات. حين نبتسم، نقول لمن حولنا إن الحياة، رغم قسوتها، لم تنتصر علينا تمامًا، وإن خلف الغيوم سماءً تنتظر لحظة انكشافها، واننا لم ولن نستسلم .

كم من إنسان كان يمضي مثقلًا بالحزن، فأوقفته ابتسامة عابرة وأعادت إلى قلبه شيئًا من الطمأنينة! وكم من روح وجدت في وجه محبّ مأوى لم تجده في أماكن كثيرة! فالابتسامة الصادقة لا تغيّر ملامحنا فحسب، بل تغيّر المسافة بيننا وبين الآخرين، وتجعل العالم أقل قسوة وأكثر دفئًا.

أن نشعر بالآخر يعني أن نراه بقلوبنا، لا بأعيننا فقط. أن ننتبه إلى صمته حين يعجز عن الكلام، وإلى ارتباك صوته حين يخفي وجعه، وإلى نظرته التي تقول الكثير ولا تجد من يفهمها. فالحب الحقيقي لا يكتفي بالحضور، بل يصغي ويحتوي ويمنح الأمان دون شروط.

وحين نقترب من الواقع بعيون محبة، نكتشف أن الجمال لم يكن غائبًا، بل كان ينتظر منا أن ننتبه إليه.

الجمال في صباح هادئ، ورائحة قهوة، وصوت مطر، ورسالة قصيرة من شخص عزيز، أو في لحظة صمت تجمع قلبين دون أن يحتاجا إلى الكلام. فالجمال لا يسكن دائمًا في المشاهد الكبيرة، بل يختبئ كثيرًا في التفاصيل التي نعبر بها كل يوم دون أن نمنحها حقها من الدهشة.

أما التفاؤل، فليس إنكارًا للألم ولا تجاهلًا للواقع، بل هو قدرة على رؤية الضوء من خلال العتمة. أن نؤمن بأن القلب يستطيع أن يبدأ من جديد، وأن ما انكسر فينا قد يصبح أكثر قوة ونضجًا.

التفاؤل هو أن نترك في أرواحنا نافذة مفتوحة، مهما اشتدت الرياح، وأن نحتفظ في داخلنا بمقعد شاغر للفرح مهما ازداد هطول أمطار الالم.

وحين يتفاعل القلب مع الروح، يصبح الانجذاب أعمق من الملامح وأصدق من الإعجاب. ننجذب إلى روح تشبهنا، وعقلا يقنعنا ويخاطب أنفسنا وعقلنا ، إلى صوت يطمئننا، وإلى حضور يجعلنا نشعر بأننا لسنا غرباء عن هذا العالم.

هناك أشخاص لا يدخلون حياتنا مصادفة، بل يأتون كأنهم إجابة عن سؤال قديم، وكأن أرواحنا كانت تعرفهم قبل أن تلتقي بهم.

الحب الجميل هو أن تجد في شخص ما وطنًا لا يخيفك، وسماءً تستطيع تحتها أن تكون نفسك. هو أن تتقاسم معه الصمت قبل الحديث، والحلم قبل الوصول، والضعف قبل القوة. هو أن تنظر إليه فتشعر أن العالم، بكل ما فيه من تعب، أصبح أكثر احتمالًا.

لذلك، لنمنح الحياة شيئًا من قلوبنا: ابتسامة لمن يحتاجها، وكلمة لمن أرهقه الصمت، وحنانًا لمن يظن أنه وحيد.

قد لا نستطيع تغيير العالم كله، لكننا نستطيع أن نجعل عالم إنسان واحد أكثر دفئًا.

وربما تكون ابتسامتنا الصغيرة بداية قصة حب جميلة بين الإنسان والحياة ، بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والحبيبة ، بين الإنسان والوطن .

ان لِسفينةِ الحب أن تُشرِعَ أشرعتها وتمضي بنا نحو شواطئ الفرح، بكل ثقة حيث تتجاوز حدود تعب الحياة وإرهاصاتها ، تتعانق الأرواح، وتزهر القلوب، ويصبح كل نبضٍ حكايةَ عشقٍ لوطن لا تنتهي.

[email protected]

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى