مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: غرفة أخبار صامتة (2)

الثمن الذي يدفعه من يبقى بعد اعتُقال ستة صحفيين من غرفة أخبار واحدة فهناك ما لا يقال في البيانات الرسمية، ولا في بيانات التضامن، ولا في العرائض، هو ما يحدث للذين يبقون ، الذين لم يُعتقلوا بعد.

أولئك الذين يستيقظون كل صباح ويعدّون أسماء زملائهم في مجموعة “واتساب” الخاصة، ينتظرون “علامة الأمان” رسالة قصيرة، رمز تعبيري، أي شيء يقول ما زلت هنا.

عندما يتأخر أحدهم عشر دقائق عن موعده المعتاد، يبدأ القلق عندما يمر يوم كامل دون رد، يبدأ العدّ التنازلي في الرأس من سيعتني بأطفاله؟
من سيدفع الإيجار؟
هل ننتظر أم نبدأ بالاتصالات؟.

هؤلاء ليسوا أبطالاً في رواية هؤلاء بشر يمارسون مهنة قديمة قدم الكلمة المكتوبة، ويحاولون فقط أن يعرفوا ما يحدث في بلدهم.

ما لا تقوله الأرقام


“مراسلون بلا حدود” تقول إن مصر في المرتبة 169 لجنة حماية الصحفيين تقول إن 26 صحفياً على الأقل خلف القضبان لكن الأرقام لا تقول كم صحفياً غادر البلد ولم يعد؟

كم عائلة تفككت لأن الأب أو الأم اختار المنفى بدلاً من الزنزانة؟

كم طالباً درس الصحافة ثم اكتشف أن الشهادة التي في يده قد تكون تذكرة إلى مكان لا يريد الذهاب إليه؟

كم موهبة وُئدت في مهدها لأن أحدهم قال لنفسه “لا يستحق هذا ما قد يحدث لي”؟.

كم خبراً لم يُنشر، وكم فساد لم يُكشف، وكم قراراً اتُّخذ في الظلام لأن أحداً لم يكن هناك ليسأل؟

الرقم الحقيقي ليس 26 الرقم الحقيقي هو كل أولئك الذين لم يُعتقلوا لأنهم لم يحاولوا أصلاً الذين فهموا الرسالة دون أن تُقال لهم الذين اختاروا الصمت ليس اقتناعاً، بل نجاة.

الصحافة كجريمة في مصر اليوم، الصحفي لا يحتاج أن يفعل شيئاً محدداً ليصبح متهماً يكفي أن يكون صحفي يكفي أن يمتلك هاتفاً، وحساباً على تويتر، وفضولاً ، يكفي أن يسأل سؤالاً في مكان عام يكفي أن يصوّر شارعاً.

القانون رقم 2018 الذي يشترط تصريحاً مسبقاً للتصوير في الشوارع، وقانون 2026 الذي يفرض رسوماً على الصحف الإلكترونية هذه ليست قوانين لتنظيم الصحافة هذه قوانين لجعل الصحافة مستحيلة.

حين تقول “مراسلون بلا حدود” إن الرسوم “ابتزاز”، فهي لا تبالغ تخيّل أنك تُطالب بأن تدفع مقابل حقك في الكلام تخيّل أن تُفرض عليك غرامة لأنك رأيت شيئاً وقلته تخيّل أن تُحاسب على نَفَسك.

غرفة الأخبار الفارغة

ماذا يحدث لغرفة أخبار عندما يُعتقل فريقها كاملاً؟

الملفات تبقى التحقيقات الناقصة تبقى أرقام المصادر على الهواتف المصادرة تبقى ، الرسائل غير المُرسلة، والمسودات غير المنشورة، والأفكار التي كانت ستُولد غداً، كلها تبقى معلقة في الهواء، بلا أحد ليحملها.

لكن الأخطر من الغرفة الفارغة هو الغرفة التي تفرغ ببطء التي يغادرها واحد تلو الآخر، ليس باعتقال، بل بيأس التي يقرر فيها الصحفي، بعد سنوات من المراقبة والتهديد والضغط، أن الوقت قد حان ليبحث عن عمل آخر أن يفتح مطعماً أن يعلّم أن يهاجر ( كما فعلت ) أو أن يصمت.

هذه الغرفة لا تظهر في أي تقرير لا تُحصى في أي إحصائية لكنها موجودة في كل مكان في مصر في مكاتب فارغة، وفي عقول أنهكت، وفي قلوب توقفت عن الإيمان بأن الكلمة قد تغير شيئاً.

من يبقى في الغرفة؟


يبقى القليل الذين لا يعرفون كيف يفعلون شيئاً آخر الذين جربوا الصمت فلم يتحملوه. الذين يقولون لأنفسهم كل صباح “ربما هذه المرة ستمر”.

يبقى من يعرف أن الصحافة ليست وظيفة، بل طريقة للوجود أن تكون صحفياً يعني أن تسأل حتى حين يكون السؤال خطراً.

أن تتحقق حتى حين يكون التحقق جريمة أن تكتب حتى حين يكون النشر مستحيلاً.

يبقى من يفهم أن الصمت ليس حياداً أن الصمت اختيار أن الصمت في بلد تُسلب فيه الحقيقة، هو موافقة على الكذبة.

ما بعد الاعتقال

الصحفي المعتقل ما زال محتجزاً أو ربما أُفرج عنه أو ربما نُقل في مصر لا أحد يعرف بالضبط عائلته تنتظر محاموه ينتظرون سنه او سنتين او عشر سنوات،و جلسات لا تحصي كثيره كانت او قليله ، ولا يوجد حكم فالوقت نفسه صار العقوبة.

وفريق “متصدقش” الستة؟ عائلاتهم لا تعرف أين هم لا تعرف ما التهم ، لا تعرف متى سيرونهم مرة أخرى.

البيان الرسمي يقول “إخوان” و”تمويل أجنبي” و”أخبار كاذبة” نفس الكلمات القديمة نفسها، في كل القضايا نفسها، عن الصحفيين أنفسهم.

“من الصعب علينا أن نفهم لماذا يحدث هذا.” هذه الجملة البسيطة، الثقيلة هي جوهر ما يحدث لا أحد يفهم لأن ما يحدث لا يُفهم بمنطق القانون أو العدالة أو حتى السياسة ما يحدث هو منطق الخوف.

منطق نظام لا يثق بشعبه، ولا يثق بالكلمة، ولا يثق حتى بالصمت الذي يريده لأنه يعرف أن الصمت المفروض ليس صمتاً حقيقياً إنه فقط انتظار.

غرفة الأخبار الصامتة ليست صامتة “غرفة الأخبار الصامتة ليست غرفة فارغة هي غرفة مليئة بأصوات لم تُسمع بعد”.

هذا صحيح لكن الأصوات لا تُسمع من تلقاء نفسها تحتاج من يفتح الباب من يرفع الصوت من يرفض أن يمرّ الأمر وكأن شيئاً لم يحدث.

الصحفيون الذين اعتُقلوا في سبتمبر 2026 وغيرهم من قبل ليسوا أسماء في خبر هم زملاء، وأصدقاء، وآباء، وأمهات، وأبناء هم من كانوا يفعلون ما يُفترض أن يفعله الصحفي يدققون فيما يقول المسؤولون.

هذا ليس جريمة إلا في بلد قرر أن يجعل الحقيقة جريمة.

الخوف ليس عيباً الخوف إنساني لكن الصمت، حين يصبح عادة، يصبح تواطؤاً.

السلطة تريد شعباً لا يثق بشيء لأن الثقة خطر لأن الثقة تعني أن هناك من يصدقك، وأن هناك من سيقف معك، وأن هناك من سيقول “لا، هذا ليس صحيحاً.”

الصحافة هي آخر جسر بين الناس والحقيقة حين يُهدم هذا الجسر، لا يبقى الناس جاهلين فقط يبقون وحدهم كل واحد في غرفته، يحدّق في شاشة، لا يعرف إن كان ما يراه حقيقياً أم لا وهذا بالضبط ما تريده السلطة.

لكن الاعتقالات لن توقف الحقيقة لأن الحقيقة ليست شيئاً يمكن اعتقاله الحقيقة ليست في ملف، ولا في هاتف، ولا في حاسوب الحقيقة في العقول التي رأت في الذاكرة التي تحتفظ في الإرادة التي ترفض النسيان.

قد يمنعون النشر قد يحجبون المواقع قد يغلقون غرف الأخبار لكنهم لا يستطيعون أن يمنعوا الناس من التحدث في مطابخهم، وفي مقاهيهم، وفي رسائلهم الخاصة.

لا يستطيعون أن يمنعوا الأصوات من التسلل عبر الحدود، وعبر الشاشات، وعبر كل الطرق التي لم يتعلموا بعد كيف يغلقونها.

غرفة الأخبار الصامتة ليست صامتة هي فقط تنتظر وعندما يعود الصحفيون، ستُسمع الأصوات ليس لأنهم أبطال، بل لأن الصحافة لا تموت ،تتعب ، تخاف ، تختفي لفترة لكنها تعود لأن هناك دائماً من سيسأل لأن هناك دائماً من سيرفض أن يصدّق لأن هناك دائماً من سيقول: “لا.”

وفي بلد يُطلب فيه من الناس أن يصدقوا الكذبة، فإن “لا” هي أعلى أشكال الصحافة.

صباح الخير هذه ليست نهاية القصة هذه فقط الصفحة التالية.

لأن هناك دائماً من سيقول”لا.”

وفي بلد يُطلب فيه من الناس أن يصدقوا الكذبة، فإن “لا” هي أعلى أشكال الصحافة.

صباح الخير هذه ليست نهاية القصة هذه فقط الصفحة التالية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى