شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: وعد عودة المنفيين ..بعد حين أوراق المنفي عبدالله النديم (٧)

ليست الغربة أن تقيم في مدينة تجهل دروبها، بل أن تعرف الطريق إلى بيتك ولا تملك القدرة على سلوكه. أن يظل اسم بلدك مثبتًا في جواز سفرك، فيما يغدو الجواز نفسه عديم الجدوى لأن السلطات ترفض تجديده. وأن تحمل مفتاح بيت، ولا تدري أهو ما يزال قائمًا، أم أن الشمع الأحمر لا يزال يختم بابه ظلمًا وعسفًا. عندها لا يعود المنفى مجرد مكان، بل يصبح علاقة مختلة بين الإنسان ووطنه؛ يرحل المرء لا كراهيةً لترابه، بل لأن السياسة ضاقت به حتى لم تترك له فوق أرضه متسعًا للتنفس.

في إسطنبول وفرنسا ولندن وباريس ونيويورك وواشنطن ودبي، تمتد خريطة المنفيين العرب حتى تكاد تشكل وطنًا موازيًا. مصريون غادروا طلبًا للعمل أو فرارًا من القمع، وسوريون ويمنيون وليبيون وفلسطينيون وسودانيون حملوا بيوتهم في حقائبهم، ثم اكتشفوا أن الغياب الذي حسبوه عابرًا قد يلتهم أعوام العمر. تتعدد البلدان والحكايات، لكن الوجع واحد: إنسان لم يطلب من دولته معجزة، بل سقفًا آمنًا، وقانونًا لا يعاقبه على رأيه، ومدرسةً ومستشفى وطريقًا تحفظ له الحد الأدنى من معنى الوطن.

وحين يعجز وطن زاخر بالناس والأرض والثروة عن توفير هذا الحد الأدنى، فالمشكلة لا تكمن في شح الموارد وحده، بل في السياسة حين تنقلب السلطة من وسيلة لخدمة الإنسان إلى غاية قائمة بذاتها، ويغدو الكرسي أثمن من البلد الذي يجلس صاحبه فوقه. عندها تبدأ المأساة قبل انطلاق الرصاصة الأولى: حين يصبح المختلف عدوًا، والدولة غنيمة، والقوة بديلًا عن الحوار، والخوف بديلًا عن الشرعية. ومن قلب هذه المأساة يطل عبد الله النديم، قريبًا منا رغم انقضاء أكثر من قرن على رحيله؛ لا بوصفه أثرًا من الماضي، بل شاهدًا على منفى لا يزال يتكرر، وعلى وطن يظل وعدًا بالعودة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى