الدكتور أيمن نور يكتب: الاحتجاز لا يسقط الحق في العلاج

بحسب توثيق نشرته «هيومن رايتس إيجيبت»، سُجلت خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٦ نحو تسعين حالة إهمال طبي داخل أماكن الاحتجاز في مصر، شملت حالات تعاني أمراضًا خطيرة ومزمنة، من بينها السرطان وأمراض القلب والفشل الكلوي والشلل.
هذا الرقم، الذي ننسبه إلى الجهة التي وثقته، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إحصاء. فخلف كل حالة إنسان له اسم وأسرة وعمر وحالة صحية قد لا تحتمل تأخير الدواء أو الفحص أو النقل إلى مستشفى متخصص.
وفي يوليو ٢٠٢٦، وثقت «هيومن رايتس ووتش» حالة محتجز قالت إنه يعاني كتلة ظاهرة في المخ، وإن أسرته تطالب منذ سنوات بتوفير العلاج والجراحة اللازمة له. كما تحدثت «لجنة العدالة» في يناير من العام نفسه عن تدهور حالات صحية داخل مركز بدر، بينها إصابات بالسرطان وأمراض تستلزم رعاية متخصصة.
وفي المقابل، نفت وزارة الداخلية في مايو ٢٠٢٦ صحة اتهام بالإهمال الصحي في حالة فردية أثيرت عبر وسائل التواصل، وقالت إن المحتجز المعني يتلقى الرعاية والمتابعة الطبية بانتظام. وهو ما يؤكد أهمية ألا تُترك مثل هذه الوقائع لتبادل الاتهامات، بل أن تُحسم من خلال ملفات طبية موثقة، وفحص مهني مستقل، ورقابة قضائية وحقوقية فعالة.
الدستور المصري نفسه واضح. فالمادتان الخامسة والخمسون والسادسة والخمسون تلزمان بأن تكون أماكن الاحتجاز لائقة صحيًا وإنسانيًا، وتحظران ما يعرض صحة المحتجز للخطر. كما ينص القانون على وجود أطباء بمراكز الإصلاح والتأهيل، وإحالة من يحتاج إلى العلاج إلى المستشفيات الحكومية والجامعية، ويتيح في حالات محددة النظر في الإفراج الصحي عن المحكوم عليهم إذا كان المرض يهدد الحياة أو يسبب عجزًا كليًا.
وقواعد الأمم المتحدة المعروفة بـ«قواعد نيلسون مانديلا» تضع المبدأ بصورة أبسط: الرعاية الصحية للمحتجز مسؤولية الدولة، ويجب أن يحصل على مستوى من الرعاية يماثل المتاح خارج مكان الاحتجاز، مع سرعة التعامل مع الحالات الطارئة ونقل من يحتاج إلى علاج متخصص أو جراحة إلى المنشآت المناسبة. وقد سبق للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب أن أوصت مصر بتعزيز الطواقم والخدمات الطبية داخل أماكن الاحتجاز وفق هذه القواعد.
كما أن المجلس القومي لحقوق الإنسان أدرج الرعاية الطبية ضمن الملفات التي فحصها خلال زيارته لمركز بدر في سبتمبر ٢٠٢٦.
القضية هنا ليست موقفًا من شخص محتجز ولا من الاتهام الموجه إليه.
فالحرمان من الحرية عقوبة أو إجراء يقرره القانون، أما الحرمان من الدواء فليس عقوبة.
المريض يظل مريضًا خلف الأسوار.
والمسن تظل له احتياجاته الإنسانية والطبية.
وكرامة الإنسان وحقه في العلاج لا يتوقفان عند باب مكان الاحتجاز.
المطلوب هو ضمان الفحص والعلاج والدواء، والنقل الفوري للحالات التي تحتاج إلى مستشفيات متخصصة، وتفعيل الإفراج الصحي حيث تتوافر شروطه القانونية، مع رقابة مستقلة تتيح التحقق من الشكاوى والرد عليها بالوثائق لا بالجدل.
الحق في العلاج لا ينبغي أن يكون موضع خصومة سياسية.
إنه حق إنساني وقانوني يبدأ من صون الحياة نفسها.







