إيران تستعد لمواجهة عسكرية واسعة والضغط الاقتصادي لم يتحول إلى تنازلات سياسية

يرى الباحث في مركز الإمارات للسياسات الدكتور محمد الزغول أن التحركات العسكرية والاقتصادية داخل إيران تشير إلى استعداد طهران لاحتمال مواجهة عسكرية واسعة، معتبرًا أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة لم تنجح حتى الآن في دفعها إلى تقديم تنازلات سياسية.
واستبعد الزغول أن تقود المفاوضات بصيغتها الحالية إلى تسوية شاملة، في ظل انعدام الثقة واتساع الفجوة بين مطالب الأطراف، معتبرًا أن الوصول إلى حل استراتيجي للأزمة يتطلب حوارًا مباشرًا بين الولايات المتحدة والصين.
وأشار إلى أن انتشار القوات الإيرانية في كردستان إيران وسيستان وبلوشستان يعكس، وفق تقديره، استعدادًا لاحتمال فتح جبهتين خلال أي مواجهة مقبلة، واضعًا استهداف مواقع للمعارضة الكردية وتجمعات معارضة في سيستان وبلوشستان ضمن ما وصفه بعمليات استباقية.
كما اعتبر أن طبيعة القوات الأمريكية الوافدة إلى المنطقة، وما تتضمنه من قدرات برمائية، قد تشير إلى احتمالات تنفيذ عمليات توغل، بالتزامن مع انتشار إيراني كثيف على الساحل الجنوبي المطل على مضيق هرمز.
ولفت الزغول إلى أن الأسواق الإيرانية تعكس مخاوف من تصعيد عسكري، في ظل تراجع العملة وارتفاع معدلات التضخم وأسعار المواد الغذائية، إلى جانب إقبال مواطنين على تخزين السلع الأساسية وشراء الشموع وبدائل الكهرباء تحسبًا لاحتمالات انقطاع التيار.
وفي قراءته للاستراتيجية الإيرانية، أشار إلى حديث الحرس الثوري عن توسيع مدى الصواريخ وجغرافيا المواجهة، معتبرًا أن الحكومة الإيرانية تواجه ضغوطًا بين التيارات المتشددة من جهة والاحتياجات الاقتصادية والمعيشية للمواطنين من جهة أخرى.
وقال إن وزير الخارجية عباس عراقجي والرئيس مسعود بزشكيان يواجهان ضغوطًا داخلية وخارجية، بينما تتحمل وزارات النفط والطاقة والخارجية والبنك المركزي جانبًا كبيرًا من التداعيات الاقتصادية للأزمة.
وقدر الزغول مخزون النفط الإيراني العائم بنحو 60 مليون برميل، معتبرًا أنه يقترب من النفاد، بما قد يهدد قدرة طهران على مواصلة صادراتها النفطية، في وقت لا يستطيع فيه النقل البري بالصهاريج تعويض الكميات التي تنقل بحرًا.
وأشار كذلك إلى صعوبة وقف الإنتاج في بعض الآبار القديمة، وقدر حجم الانكماش الاقتصادي بنحو 10% بنهاية الصيف الماضي، بعد أربع سنوات من النمو الإيجابي رغم العقوبات.
وحذر، في الوقت نفسه، من افتراض أن تدهور الأوضاع الاقتصادية سيقود بالضرورة إلى تغيير سياسي، معتبرًا أن المؤسسة العسكرية الإيرانية تنظر إلى القدرة على الصمود باعتبارها انتصارًا، وتتمسك بخطاب توسيع نطاق المواجهة والسيطرة على المضائق.
واشنطن وبكين ومفتاح التسوية
واستبعد الزغول نجاح المفاوضات الحالية في تحقيق تسوية شاملة، بسبب انعدام الثقة واتساع الفجوة بين مطالب الأطراف، إلى جانب تأثير المواقف الأيديولوجية المتبادلة.
واعتبر أن الدول التي تقوم بأدوار وساطة تستطيع تحقيق اختراقات محدودة، مثل تسهيل مرور سفن أو الإفراج عن أموال، لكنها لا تمتلك، بحسب تقديره، الأدوات اللازمة لفرض تسوية جيوستراتيجية واسعة.
وشبّه الأزمة الراهنة بأزمة الصواريخ الكوبية، التي بدأت باعتبارها أزمة إقليمية لكنها احتاجت في النهاية إلى حوار أمريكي سوفييتي، معتبرًا أن الأزمة الحالية تحمل أبعادًا أمريكية صينية تجعل الحوار بين واشنطن وبكين عنصرًا أساسيًا في أي تسوية محتملة.
وقال إن الصين تمتلك نفوذًا يمكن أن تستخدمه لدفع إيران نحو اتفاق، لكن تفعيل هذا النفوذ يحتاج، وفق رؤيته، إلى تفاهمات ومقابل سياسي بين بكين وواشنطن.
وفيما يتعلق بأوروبا، اعتبر الزغول أنها تواجه حالة من العجز الجيوستراتيجي والتردد بين مخاوفها من روسيا وعدم ثقتها بالسياسات الأمريكية، محذرًا من أن اتساع المواجهة مع إيران قد يحمل تداعيات أمنية تتجاوز الشرق الأوسط.
وأشار في هذا السياق إلى سوابق أمنية شهدتها مناطق مختلفة من العالم، معتبرًا أن احتمالات اللجوء إلى عمليات منخفضة الكلفة تعتمد على شبكات وعناصر مؤدلجة تظل أحد السيناريوهات التي ينبغي أخذها في الاعتبار، ومشددًا على أن أوروبا لن تكون بالضرورة بمنأى عن تداعيات أي تصعيد واسع.







