مقالات وآراء

سلام الكواكبي يكتب: من قتل الشبان السبعة؟ ومن قتل الضمير؟

قُتل سبعة شبان علويين، بينهم مهندسون وعمال، كانوا عائدين من أعمالهم إلى قراهم. تقول بعض الروايات إن مسلحين أوقفوا الحافلة التي تقلهم وسألوا الركاب عن دينهم وطائفتهم قبل أن يطلقوا النار. وتقول روايات أخرى إن إطلاق النار كان عشوائياً ومن دون أي استجواب أو فرز طائفي. وقد تظهر لاحقاً روايات إضافية، وقد تكشف التحقيقات تفاصيل مختلفة.

لكن قبل أن نعرف الحقيقة الكاملة، إن عرفناها يوماً، هناك حقيقة لا تحتاج إلى تحقيق، فسبعة شبان سوريين علويين قُتلوا. سبعة أشخاص كانوا أحياء في الصباح وعادوا إلى عائلاتهم جثثاً أو لم يعودوا على الإطلاق. وسبعة عائلات ستقضي ما تبقى من عمرها وهي تحمل هذا الفراغ الذي لا تملؤه الوعود بكشف الفاعلين، الذين لم يُكتشف من أترابهم الذين ارتكبوا المجازر ضد العلويين والدروز منذ سقوط النظام البائد، ولا حتى اسم واحد.

المفترض في أي مجتمع طبيعي أن تكون هذه الحقيقة كافية لإثارة الحزن والغضب والمطالبة بالعدالة. لكن ما جرى على وسائل التواصل الاجتماعي كشف مرة أخرى عن مرض سوري عميق لم ننجح بعد في معالجته. فقد تحولت الجريمة، عند عدد غير قليل من المعلقين والناشطين وحتى بعض المثقفين الذين يشغلون موقع النخبة، إلى مناسبة للشماتة أو للتبرير أو للبحث عن أعذار للقتلة. هذه “النخبة” التي كان المرء يأمل أن يجد في كتاباتهم شيئاً من التعاطف الإنساني، أو الحس الأخلاقي، أو القلق الحضاري على مستقبل البلاد.

إذن لم يعد السؤال عمن قتل هؤلاء الشبان؟ ولماذا قُتلوا؟ وكيف يمكن منع تكرار الجريمة؟ فلقد أصبح السؤال: إلى أي طائفة ينتمي الضحايا؟ كأن هوية القتيل “التبريرية” باتت أهم من مقتله نفسه.

قرأنا تعليقات تقول: “لا تزعجونا بهذه القصص، فقد فقدنا خلال الثورة مئات الآلاف”. وقرأنا من يلمح أو يصرح بأن الضحايا ربما كانوا من “الفلول”. وقرأنا من تعامل مع الخبر كله باعتباره تفصيلاً ثانوياً لا يستحق التوقف عنده في زحمة القضايا المعيشية الجسام.

هذا النوع من الخطاب لا يبرر جريمة بعينها فقط، بل ينسف الأساس الأخلاقي لأي مشروع وطني أو ديمقراطي أو ثوري. لأنه يقوم على فكرة شديدة الخطورة تنصّ على أن حياة بعض السوريين أقل قيمة من حياة سوريين آخرين. انتفضنا يوماً في سبيل تحريرهم من الاعتقال التعسفي وحمايتهم من القتل والتعذيب الوحشي.

والمفارقة المؤلمة أن كثيرين ممن يرفضون، بحق، تبرير الجرائم التي ارتكبها النظام سابقاً، يمارسون اليوم التبرير الوضيع عندما يتعلق الأمر بضحايا لا ينتمون إلى جماعتهم السياسية أو الطائفية. فالجريمة التي كانت مرفوضة بالأمس تصبح قابلة للتفسير اليوم، والقتل الذي كان يستوجب الغضب يتحول إلى مناسبة للبحث عن الأعذار المخففة. وبالنتيجة، لا يمكن أن يُبنى مجتمع جديد، بل يُعاد إنتاج الكارثة نفسها بأسماء مختلفة.

ليس مطلوباً من أحد أن ينسى ما جرى خلال سنوات الحرب. وليس مطلوباً من الضحايا أن يتخلوا عن ذاكرتهم أو آلامهم. لكن هناك فرقاً هائلاً بين التمسك بالذاكرة وبين استخدام تلك الذاكرة لإلغاء إنسانية الآخرين. فحين يصبح مقتل شاب بريء حدثاً عادياً لأن شخصاً آخر قُتل قبل سنوات، نكون قد دخلنا منطق الثأر الجماعي الذي لا حدود له في تدمير فرصة بناء مشتركٍ وطني.

إن أخطر ما في هذه التعليقات، والتي تنمّ عن نفوس مريضة، ليس قسوتها وانعدام الشعور فيها فحسب، بل ما تكشفه من استعداد متزايد لدى بعض الأفراد، وربما الجماعات، للتعامل مع جماعات كاملة باعتبارها متهمة سلفاً. فلا حاجة ولا رغبة في التعاطف مع مآسيها وفي الذود عن كراماتها وعن حقها في الحياة على أرض الوطن. وهذا بالضبط ما أنتج المآسي الكبرى في التاريخ. فكل مجزرة بدأت بفكرة بسيطة تقوم على أن هناك بشراً أقل استحقاقاً للتعاطف من غيرهم.

من حق السوريين أن يختلفوا في السياسة، وأن يتصارعوا حول تفسير الماضي ورؤية المستقبل. لكن لا يحق لهم أن يختلفوا حول قيمة الحياة البشرية. ولا يحق لهم أن يجعلوا التعاطف مشروطاً بالهوية الطائفية أو الموقف السياسي أو المنطقة التي جاء منها الضحية. إن فعلوا، فهم يؤسسون، إن لم يحصل بعد، لانقسامات افقية وعامودية في النسيج الوطني ويؤيدون الظن بانتمائهم إلى ما دون العنصر البشري.

إذا ثبت أن هؤلاء الشبان قُتلوا لأنهم علويون، فهذه جريمة طائفية مكتملة الأركان. وإذا ثبت أنهم قُتلوا عشوائياً، فهي أيضاً جريمة مروعة تستحق الإدانة الكاملة. وفي الحالتين، لا يوجد أي مبرر أخلاقي للشماتة أو للتقليل من شأن ما حدث.

ما يحتاجه السوريون اليوم ليس مزيداً من المحامين عن القتلة، وما أكثرهم، ولا مزيداً من خبراء تبرير الدم. إن ما يحتاجونه هو استعادة البوصلة الأخلاقية التي فُقدت خلال سنوات الحرب الطويلة. فالدولة لا تُبنى على الخوف، والوطن لا يُبنى على الأحقاد، والعدالة لا تُبنى على الانتقائية.

وعندما يعجز إنسان عن الحزن لمقتل سبعة شبان فقط لأنهم ينتمون إلى طائفة لا يحبها، فإن المشكلة لم تعد في الضحايا، ولا حتى في القتلة، بل في ذلك الخراب الأخلاقي الذي أخذ يتسلل إلى النفوس حتى بات بعضنا يرى في الجثة هوية قبل أن يرى فيها إنساناً.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى