شباك نورملفات وتقارير

د. أيمن نور يكتب: دراسه”نفسيه”مختلفه ، لشخصية مبارك . وجوه لا تغيب مولده الحقيقي 6 اكتوبر73

لكل إنسان يوم ميلاد، ويوم وفاة. لكن ليس بالضرورة أن يكون يوم ميلاده الحقيقي هو اليوم الذي استقبل فيه الحياة لأول مرة. هناك من يولد مرتين؛ مرة من رحم أمه، ومرة من رحم التاريخ. وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين، بقرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية. هذه شهادة ميلاده في سجلات الحياة. أما شهادة ميلاده الثانية، وربما الأبقى في الذاكرة العامة، فقد كُتبت في ٦_اكتوبر_١٩٧٣. نص ملصق

في الرابع من مايو وُلد محمد_حسني_مبارك الإنسان. وفي السادس من أكتوبر وُلد مبارك الذي دخل التاريخ. ففي ذلك اليوم لم يعد مجرد ضابط محترف في القوات المسلحة، بل صار قائدًا للقوات الجوية المصرية في واحدة من اللحظات المؤسسة في التاريخ المصري الحديث، بعد أن كان قد تولى قيادتها منذ أبريل عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين. ولهذا أكتب عنه اليوم، لا في ذكرى مولده البيولوجي، بل فيما أراه، مجازًا، يوم ميلاده الحقيقي في الذاكرة المصرية. نص ملصق

أكتب عنه بتقدير لا يفسده اختلاف في الرأي، ولا تمحوه خصومة سياسية، ولا حتى ما تعرضت له شخصيًا من ظلم متكرر في عهده، وما بيني وبين نظامه من صفحات لا أحتاج اليوم إلى حذف حرف واحد منها لكي أكون منصفًا للرجل. فالإنصاف ليس غفرانًا سياسيًا، وليس إعادة كتابة للتاريخ، ولا تعليقًا للنقد على باب المناسبة. الإنصاف فقط أن نرفض رؤية الإنسان بنصف عين، وأن نمتنع عن كتابة التاريخ بنصف ذاكرة.

رحم الله الرئيس أنور السادات، صاحب قرار العبور، ورحم الله شهداء مصر وأبطال حرب_أكتوبر جميعًا، وفي مقدمتهم أولئك الذين لم يعرف المصريون أسماء كثيرين منهم، رغم أنهم كتبوا بدمائهم أسماءنا نحن على خريطة الوطن. ورحم الله محمد حسني مبارك . له ما له، وعليه ما عليه. وقد اختلفت معه كثيرًا، وربما دفعت ثمن هذا الاختلاف أكثر مما تمنيت، لكنني ظللت حتى اللحظات الأخيرة من حياته أفرق بين مبارك الرئيس الذي عارضته، ومبارك الإنسان الذي لم أفقد احترامي الشخصي له.

ليست هذه محاولة لتشخيص حسني مبارك بعد رحيله. لا أضع الرجل على أريكة طبيب نفسي، ولا أبحث له عن عقدة، ولا أفتش في طفولته عن تفسير جاهز لقرار سياسي. ولا أريد أن أقع في ذلك النوع الشائع من علم_النفس ” الشعبي” الذي يحول كل تحفظ إلى اضطراب، وكل صرامة إلى مرض، وكل ثقة بالنفس إلى نرجسية. ما أفعله هنا أقرب إلى قراءة في سمات الشخصية والسلوك، تستند إلى شهادات زوجة عاشت معه أكثر من نصف قرن، وإلى بعض المشاهد التي عرفتها بنفسي، وإلى مفاهيم عامة من علم النفس تساعدنا على الفهم ولا تمنحنا حق التشخيص.

أول هذه النوافذ فتحتها السيدة سوزان_مبارك وهي تتحدث عن لقائهما الأول. وصفت أناقته، وبدلة الطيران، وكلامه المتزن، وثقته في نفسه، ثم اختصرت الصورة كلها تقريبًا في تعبير شديد الدلالة: «كل حاجة مضبوطة». ورد هذا الوصف في حوار «حوار البساطة والصدق» الذي نشرته مجلة «نصف الدنيا» في السادس من مارس عام ألفين وأربعة، وأجرته الكاتبة سناء البيسي، كما تكرر المعنى في إعادة نشر شهادة أقدم نسبت إلى مجلة «آخر ساعة» عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين.

«كل حاجة مضبوطة». ربما تكون هذه الكلمات الأربع مدخلًا مهمًا لفهم جانب من شخصية مبارك. الملابس مضبوطة. الجملة محسوبة. الملامح لا تترك للانفعال مساحة واسعة. النبرة ثابتة. الحركة محدودة. وحتى الصمت يبدو أحيانًا كأنه جزء من التكوين، لا فراغًا بين كلمتين. هذه ليست أدلة على برود، ولا يجوز أن تصبح كذلك، لكنها ترسم صورة لإنسان يضع بين ما يشعر به وما يسمح للآخرين برؤيته مسافة محسوبة.

هنا يصبح الفرق بين التحفظ والجمود جوهريًا. التحفظ قدرة على ضبط الإفصاح عن الداخل، أما الجمود فهو عجز عن تعديل الداخل حين يتغير الواقع. الأول قد يكون قوة نفسية، والثاني قد يصبح عبئًا معرفيًا. المتحفظ يستطيع أن يسمع ثم يغير رأيه من دون أن يستعرض اضطرابه، أما الجامد فقد يسمع كثيرًا ولا يسمح للمعلومة الجديدة بأن تغير بناءه القديم. ولهذا لا يمكن أن نستنتج من الوجه الهادئ وحده أين ينتهي ضبط النفس وأين يبدأ التصلب.

التحفظ قد يكون أيضًا وسيلة دفاع راقية لا مرضية؛ طريقة يتعلم بها الإنسان أن يحتفظ بانفعاله حتى لا يتركه يقوده. وبعض الشخصيات لا تعاني نقصًا في المشاعر بقدر ما تعاني فائضًا في الرقابة عليها. إنها لا تفتقد العاطفة، لكنها تخضعها لمصفاة شديدة. ومع الزمن قد يلتصق القناع بالوجه إلى درجة أن يظن الآخرون أن القناع هو الوجه ذاته، بينما تكون الحياة الداخلية أكثر تعقيدًا مما تسمح به الصورة العامة.

وأتعمد هنا ألا أستخدم وصف «البرود العاطفي». فالبرود حكم على الداخل، ونحن لا نملك الداخل. أما التحفظ فهو وصف لما يظهر. وقد يكون الإنسان عميق المشاعر لكنه قليل التعبير عنها. بعض البشر يحبون بالكلام، وبعضهم يحبون بالفعل. بعضهم يبكون أمام الآخرين، وبعضهم تعلموا أن يؤجلوا دموعهم حتى لا يراها أحد. والخطأ أن نقيس عمق البحر بكمية الماء التي تصل منه إلى الشاطئ.

وهنا لا يمكن تجاهل الرجل الذي سبق الرئيس: الطيار المقاتل. وليس صحيحًا بالطبع أن الطيار الحربي لا يمكن أن يكون رومانسيًا، فقد يكون شاعرًا وعاشقًا شديد الحساسية. لكن المهنة نفسها لا تكافئ الإنسان على إظهار انفعاله لحظة المهمة، بل على إدارته. داخل قمرة الطائرة لا توجد رفاهية أن يخاف الإنسان بالطريقة التي يريدها، أو يغضب بالطريقة التي يريدها، أو يمنح التردد زمنًا أطول من المسموح.

عقل الطيار المقاتل يتكون في بيئة يضيق فيها الزمن وتتسع فيها عواقب الخطأ. المعلومة قد تكون ناقصة، والقرار لا ينتظر اكتمال اليقين، والخطر ليس فكرة مجردة بل احتمال حاضر. لذلك يتعلم العقل أن يفصل، قدر المستطاع، بين الإحساس والتصرف. يشعر بالخوف لكن لا يسمح للخوف أن يصبح قائد الطائرة. يدرك الخطر لكنه لا يتوقف أمامه طويلًا. وهنا تنشأ قيمة نفسية شديدة الأهمية: أن تكون المشاعر موجودة، لكن ليست صاحبة الكلمة الأخيرة.

وهذا النمط من التفكير له فضيلته وثمنه. فضيلته أنه يمنح صاحبه قدرة استثنائية على التصرف تحت الضغط. أما ثمنه المحتمل، إذا انتقل كما هو إلى مجالات أخرى، فهو الميل إلى تصور أن كل أزمة تحتاج إلى قرار سريع، وأن كل تعقيد يمكن اختزاله في إجراءات، وأن التردد دائمًا ضعف. بينما السياسة، بخلاف الطيران، تحتاج أحيانًا إلى التردد الواعي، وإلى مراجعة المسار، وإلى الاعتراف بأن بعض المشكلات لا تملك زرًا واضحًا للإغلاق.

وربما لهذا أحببت حكاية صغيرة روتها سوزان عنه أكثر من كثير من الخطب. كانت تقول له: «أنت اللي خطفتني»، فيرد: «لا أنتِ اللي خطفتيني». المصدر هو الحوار المنسوب إلى مجلة «آخر ساعة» عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين، كما أعيد نشره لاحقًا. ليس الرد قصيدة حب، لكنه ليس رد رجل لا يعرف المودة. إنها رومانسية مقتصدة. جملة قصيرة، وابتسامة محتملة، ثم عودة إلى عالم أكثر عملية.

وتروي سوزان أنها كانت تناديه «حسني» ويناديها «سوزي»، وتحكي أنه طلب ذات يوم طبق قلقاس، فلما قالت إنها لا تعرف إعداده، شمر عن ساعديه وطهاه بنفسه، وظلت تتذكر مذاقه. المصدر أيضًا حوار «آخر ساعة» المنسوب إلى عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين. الحكاية منزلية وبسيطة، لكنها تكشف شيئًا من الشخصية الموجهة إلى الفعل: توجد مشكلة، والحل متاح، فلا حاجة إلى تحويلها إلى أزمة.

وتصفه زوجته في المصدر نفسه بأنه لم يكن يحب «النكد ولا التعقيد». وهذه عبارة تبدو عابرة، لكنها نفسيا بالغة الدلالة. فالنفور من التعقيد قد يكون ميلًا صحيًا إلى الوضوح، وقد يكون كذلك ميلًا إلى إغلاق الملفات بدل البقاء طويلًا في المناطق الرمادية. وفي الحياة اليومية قد يكون ذلك نعمة، لكن الواقع السياسي لا يقدم دائمًا حلولًا مباشرة. الدولة ليست غرفة قيادة، والمجتمع ليس لوحة عدادات، والإنسان الاجتماعي لا يستجيب للأوامر بالدقة نفسها التي تستجيب بها الآلة.

هنا يظهر الفرق الفلسفي بين التبسيط والتبسيط المخل. الأول قدرة على الوصول إلى جوهر المشكلة، أما الثاني فيحذف من الواقع ما لا يناسب الخريطة الذهنية التي نحملها. وقد يتحول حب الوضوح، إذا زاد عن حده، إلى ضيق بالالتباس، بينما الحياة العامة بطبيعتها مليئة بالتناقض والاحتمال والحلول غير المكتملة. وربما يكون أحد اختبارات القائد السياسي الكبرى هو قدرته على احتمال ما لا يستطيع حسمه فورًا.

وتقول سوزان إن مبارك كان «صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البيت»، لكنها تقول في الشهادة نفسها إنه لم يكن يتدخل كثيرًا في ملابسها أو شكل شعرها، وإن شعرها كان طويلًا فأعجبه، ثم قصته فظل يعجبه. المصدر هو حوار «آخر ساعة» المشار إليه. هذه ليست صورة رجل يطارد التفاصيل، بل أقرب إلى شخصية تؤمن بهرمية القرار أكثر من إيمانها بإدارة كل صغيرة.

وهذا أيضًا قريب من الثقافة العسكرية التقليدية. القائد لا يفعل كل شيء بنفسه، لكنه يريد أن تظل سلسلة القيادة واضحة. يعرف الجميع من يقرر، ومن ينفذ، وأين تنتهي المسؤولية. غير أن الدولة الديمقراطية تقوم على فلسفة مختلفة؛ لا على غياب القيادة، بل على توزيعها، ولا على اختفاء القرار، بل على إخضاعه للتوازن والمراجعة. وهنا قد تصبح إحدى فضائل المجال العسكري محتاجة إلى إعادة صياغة كاملة حين تدخل المجال السياسي.

وفي حوار «نصف الدنيا» المنشور في السادس من مارس عام ألفين وأربعة، قدمت سوزان زوجها بوصفه شخصية قوية تعرف ما تريد، وتميل إلى إنجاز الأمر وعدم تأجيله. المصدر: حوار سناء البيسي مع سوزان مبارك في «نصف الدنيا». مرة أخرى نعود إلى العقل الموجه نحو المهمة: هناك شيء يجب إنجازه، والأفضل أن ينتهي اليوم، ثم الانتقال إلى ما بعده.

هذه القدرة على «إغلاق المهمة» مفيدة في الإدارة والتنفيذ، لكنها تحتاج في السياسة إلى توازن آخر. فهناك ملفات وطنية لا ينبغي إغلاقها سريعًا، لأن إغلاقها على الورق لا يعني أنها أغلقت في المجتمع. وهناك خلافات تحتاج إلى أن تبقى مفتوحة على الحوار، لا لأنها عجز عن الحسم، بل لأن استمرار النقاش نفسه قد يكون جزءًا من الحل. والسياسي الذي يكره الملفات المفتوحة أكثر من اللازم قد يظن أن الصمت بعد القرار دليل على انتهاء المشكلة.

ثم هناك الروتين والانضباط الذاتي. تروي سوزان أنه كان يستيقظ نحو السادسة صباحًا، يعد الشاي بنفسه، ويجلس في الشرفة لبعض الوقت في هدوء وتأمل، ثم يوقظ أفراد الأسرة، بينما تكون الأوراق والهاتف قريبين منه وتبدأ الاتصالات مع بداية اليوم. المصدر: حوار «آخر ساعة» المنسوب إلى عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين. إنها خلوة قصيرة، ثم يدخل العمل سريعًا إلى المشهد.

يمكن النظر إلى هذه العادة بوصفها نوعًا من تنظيم الذات. فالشخص الذي يعيش تحت ضغط مستمر قد يحتاج إلى طقس ثابت يعيد به ترتيب العالم قبل أن يبدأ العالم في اقتحامه. الشاي، الشرفة، الوقت المبكر، ثم الهاتف. هذه التفاصيل تمنح الحياة نظامًا يمكن توقعه. والروتين هنا ليس بالضرورة جمودًا، بل قد يكون وسيلة لحماية الذهن من الفوضى. لكن المشكلة تبدأ فقط عندما يتحول الروتين من أداة تساعد الإنسان إلى سياج يمنعه من رؤية ما تغير خارجه.

وفي مقال بعنوان «زوجي محمد حسني مبارك» بمجلة «أكتوبر»، وصفت سوزان زوجها بأنه رجل جاد ومخلص، وأن الأسرة اعتادت غيابه لطبيعة عمله العسكري، وأنه لم يكن صاحب مطالب خاصة في الطعام ولا يهتم مقدمًا بما سيقدم إليه. لم أصل إلى تاريخ العدد الأصلي بما يسمح بتثبيته بدقة، ولذلك أذكر المصدر بهذا التحفظ. لكن الشهادة في معناها تتسق مع ملمح آخر واضح: مركزية الواجب.

بعض الناس يعملون، وبعضهم يصبح العمل جزءًا من تعريفهم لأنفسهم. في الحالة الثانية لا تكون الوظيفة مساحة داخل الحياة، بل تصبح الحياة موزعة حول الوظيفة. وهذه الشخصيات قد تمتلك قدرة عالية على الاحتمال، وعلى تأجيل احتياجاتها الخاصة، وعلى الاستمرار تحت الضغط. لكن الثمن أن يضيق الجزء الذي يكون فيه الإنسان مجرد زوج أو أب أو صديق، بلا مهمة عاجلة وبلا هاتف ينتظر قرارًا.

وربما لهذا يمكن أن نفهم الاقتصاد في التعبير العاطفي عند مبارك، كما تصفه زوجته، في إطار أوسع. ليست المسألة أن الشعور ناقص، بل ربما أن الواجب متقدم عليه دائمًا في ترتيب الأولويات. الشخصية التي تدربت طويلًا على أن «تفعل» قبل أن «تشرح»، وعلى أن «تحل» قبل أن «تشكو»، قد تصبح مشاعرها أقل ظهورًا من أفعالها. وهذا في تقديري وصف أكثر إنصافًا من إطلاق صفة البرود عليها.

ثم تأتي واحدة من أكثر شهادات سوزان إثارة للتأمل. تقول إنها لا تتذكر أنه شاهد فيلمًا كاملًا إلى نهايته، أو أنه كان قارئًا للكتب بالمعنى الثقافي المعتاد، وأن معظم قراءاته كانت في الملفات الخاصة بالعمل والصحف اليومية. المصدر: حوار «آخر ساعة» المنسوب إلى عام ألف وتسعمائة وأربعة وثمانين. ولا يجوز أن نستنتج من ذلك حكمًا على الذكاء أو الوجدان، لكن يمكن أن نستخرج فرقًا بين نوعين من المعرفة.

هناك المعرفة الوظيفية التي تسأل: ماذا أحتاج الآن لكي أتخذ قرارًا؟ وهناك المعرفة المفتوحة التي تدخلها من غير أن تعرف مسبقًا ماذا ستأخذ منها. الأولى هي معرفة الملف والتقرير والصحيفة. والثانية معرفة الكتاب والفلسفة والتاريخ والفن. الأولى ضرورية لصانع القرار، لكن الثانية تمنحه أحيانًا القدرة على الشك في الملف نفسه، وعلى اكتشاف أن الواقع أكبر من الورقة الموضوعة أمامه.

خطورة الاعتماد المفرط على المعرفة الوظيفية ليست أن التقارير تكون كاذبة بالضرورة. قد تكون كل جملة فيها صحيحة، ومع ذلك تكون الصورة ناقصة. لأن من أعد الملف اختار ما يدخل فيه وما يبقى خارجه، وما يوضع في الصفحة الأولى وما يُدفن في الملحق. ومن هنا يصبح اتساع الثقافة نوعًا من الدفاع النفسي والسياسي ضد الأسر داخل زاوية واحدة للرؤية.

ومن هنا أصل إلى الجزء الأكثر عمقًا: ماذا تفعل ثلاثون عامًا من السلطة في السمات الأصلية للشخصية؟ لا أعتقد أن السلطة تخلق إنسانًا جديدًا من الصفر بقدر ما تكبر بعض ملامح الإنسان القديم. إنها أشبه بعدسة تضخم ما هو موجود أصلًا. الحذر قد يصبح أكثر حذرًا. الثقة قد تصبح أكثر ثقة. حب النظام قد يتحول إلى نفور من المفاجآت. والميل إلى الحسم قد يقل معه احتمال قبول المراجعة.

السلطة الطويلة لا تعمل فقط على الأفكار، بل على الحواس نفسها. فالإنسان العادي يسمع «لا» كثيرًا، بينما صاحب السلطة يسمعها أقل. الإنسان العادي يكتشف أخطاءه لأن الواقع يعاقبه سريعًا، أما صاحب القرار الكبير فقد توجد بين خطئه وبين أثره سلسلة طويلة من الوسطاء الذين يمتصون الصدمة ويقدمون له تفسيرًا أقل إزعاجًا. وبالتدريج، قد تقل قدرة الإنسان على التمييز بين احترام الآخرين له واحترامهم للموقع الذي يشغله.

والمشكلة ليست دائمًا في فساد المحيطين بالحاكم. أحيانًا يعمل الجميع بحسن نية، ومع ذلك ينشأ عالم خاص بالسلطة. الموظف يريد اختصار وقت الرئيس، فيلخص التقرير. والمسؤول يريد تجنب إزعاجه، فيؤجل الخبر السيئ. والمستشار يريد أن يكون مفيدًا، فيقدم الحلول قبل المشكلات. وبعد سنوات قد يصبح الواقع الذي يصل إلى القمة واقعًا مصفى، لا كاذبًا بالضرورة، لكنه منزوع الزوايا الحادة.

وهنا تتحول بعض السمات الشخصية إلى منظومات. فالحاكم الحذر قد يختار بطبيعته مساعدين أكثر حذرًا، ثم يكافئهم لأنهم ينسجمون مع أسلوبه، فيصبح الحذر ثقافة مؤسسة لا مجرد صفة فردية. والحاكم الذي يحب الاستقرار قد يجتذب من يرون التغيير خطرًا، ثم تتعزز الدائرة حتى يصبح ما كان يومًا ميلًا نفسيًا عند شخص واحد قاعدة شبه عامة في النظام كله.

فلسفيًا، هذا هو أخطر ما في الزمن عندما يقترن بالسلطة: أن العادة تتحول إلى حقيقة. ما كان اختيارًا في السنة الأولى يصبح تقليدًا في السنة الخامسة، ثم يتحول في السنة الخامسة عشرة إلى شيء يبدو كأنه من طبائع الأشياء. وبعد ثلاثين عامًا يصبح من الصعب على صاحب السلطة نفسه أن يتذكر أن بعض ما يحيط به لم يكن قدرًا، بل كان قرارًا قديمًا اتخذه هو أو اتخذه غيره ثم طال بقاؤه.

ولهذا لا يكون السؤال فقط: هل تغير مبارك خلال ثلاثين عامًا؟ فكل إنسان يتغير. السؤال الأعمق: أي السمات في شخصيته كافأتها السلطة، وأي السمات أضعفتها، وأيها حولتها من خصائص شخصية إلى أنماط حكم؟ هذا هو المجال الذي يصبح فيه علم النفس السياسي أكثر فائدة من إطلاق الصفات. فالإنسان لا يحكم بشخصيته وحدها، لكن شخصيته تدخل القصر معه، ثم يبدأ القصر هو الآخر في إعادة تشكيلها.

وربما يساعدني هنا ما عرفته بنفسي عن مبارك. لم يكن الرجل، في حدود تجربتي المباشرة، متعاليًا أو فظًا معي. كنت ألاحظ أثناء خطابه السنوي أمام مجلس الشعب أن نظره يتوقف عندي أكثر من مرة. وذات يوم قال لي الدكتور فتحي سرور: «الباشا بيحبك». وظننته يتحدث عن فؤاد باشا سراج الدين، قبل أن أفهم أنه يقصد مبارك.

سألت فتحي سرور عن سنده في ذلك، فقال إن الرئيس أثناء خطاباته كثيرًا ما ينظر إليّ وكأنه يحدثني، وأضاف أنه سمعه أكثر من مرة يقول: «نور ده ابن ناس ومؤدب». لا أعرف مقدار ما كان في قول سرور من قراءة شخصية، لكنني أعرف أن العبارة بقيت في ذاكرتي، لا لأنها مدح، بل لأنها جاءت من رجل كنت أختلف معه سياسيًا أكثر مما أتفق.

وقال لي أحد الذين عملوا سنوات طويلة قريبًا من مبارك إن الرئيس كانت أمامه شاشة يتابع بها جلسات البرلمان، وإنه كان يشاهد أحيانًا والصوت مغلق، فإذا رآني واقفًا أتحدث طلب فتح الصوت ورفعه. لا أضع هذه الرواية في مرتبة الوثيقة التاريخية، فهي شهادة شخصية وصلتني، لكنها تتفق مع انطباع تكون عندي من لقاءات متفرقة: أن مبارك الإنسان ربما كان أكثر فضولًا لسماع المختلف معه مما كانت عليه بعض الدوائر المحيطة به.

وحتى نحو عام ألفين ظلت علاقتي الإنسانية به، وإن من بعيد، دافئة نسبيًا. وكان يحدث بعد بعض لقاءاته بالمفكرين والكتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يُطلب مني الدخول إلى الغرفة الخلفية التي يستريح فيها قليلًا بعد اللقاء. وهناك كان مبارك مختلفًا عن مبارك المنصة؛ أقل رسمية، وأقصر مسافة، وأحيانًا يبدأ في الإجابة عن أمور لم أطرحها أصلًا، كأن أسئلة أو كتابات سابقة وصلت إليه وظلت في رأسه تنتظر فرصة للرد.

هذه التفاصيل الصغيرة تعلمنا شيئًا مهمًا: الشخصية العامة ليست الشخصية كلها. المنصة تضيف إلى الإنسان صلابة ليست دائمًا فيه. والكاميرا تجعل الوجه أكثر حذرًا. والبروتوكول أحيانًا يرتدي الرجل أكثر مما يرتديه الرجل. ولهذا قد يكون من الخطأ أن نحكم على الحياة الداخلية لإنسان من تعبير وجهه في مناسبة رسمية، كما قد يكون من الخطأ المعاكس أن نتجاهل تمامًا دلالات السلوك المتكرر على امتداد سنوات.

وفي عام ألفين وخمسة وصلت الخصومة السياسية إلى أقصى مدى تقريبًا. خضت أمام مبارك أول انتخابات رئاسية متعددة المرشحين في تاريخ الجمهورية المصرية، في السابع من سبتمبر عام ألفين وخمسة. وتعرضت خلال تلك المعركة لكم هائل من الشائعات والأكاذيب والافتراءات، لكن واحدة منها أزعجتني على نحو خاص، لا لأنها كانت الأخطر سياسيًا، بل لأنها كانت الأكثر مساسًا بفكرة احترامي للرجل الذي أنافسه.

بلغني أن رواية جرى ترويجها في بعض الدوائر، وأنها وصلت إلى الرئيس في سياق تأكيد موقفه الرافض لأي مناظرة بيننا. وكان مضمون الأكذوبة أنني كنت أخطط، إذا جمعتنا المناظرة، لأن ألقي قطعة نقدية على الأرض أمامه، ثم أقول له ما معناه: إذا استطعت أن تنحني لرفع هذه العملة من الأرض فسأثق أنك تستطيع أن ترفع المعاناة عن كاهل المواطنين.

لا أعرف إلى اليوم أي شيطان رجيم اخترع هذه القصة، لكنني أعرف أنها أغضبتني أكثر من شائعات أخرى ربما أضرت بي سياسيًا بصورة أكبر. أغضبتني لأنها نسبت إليّ طريقة في الخصومة لا تشبهني. أن أختلف مع رئيس الجمهورية شيء، وأن أتعمد إذلال رجل في سن والدي شيء آخر تمامًا. والسياسة التي تحتاج إلى إهانة الخصم كي تنتصر عليه تكون قد خسرت أخلاقيًا قبل أن تبدأ المنافسة.

تواصلت وقتها مع أحد الرجال المقربين من الرئيس مبارك. لم أطلب منه أن يشرح للرئيس برنامجي، ولا أن يقنعه بالمناظرة، ولا أن ينقل إليه رسالة سياسية. طلبت منه شيئًا واحدًا: أن يبلغه أن هذه القصة كذب، وأنها لم تخطر على بالي لحظة، وأنني مهما اختلفت معه فلا أملك هذه المساحة من الانحدار في الخلاف، ولا أقبل أن أتعامل بهذه الطريقة مع رجل أحمل لشخصه الاحترام، فضلًا عن فارق السن بيننا.

كان يهمني أن يعرف مبارك ذلك، حتى لو بقي رافضًا للمناظرة، وحتى لو ظل بيننا من الخلاف ما ظل. كان يهمني ألا ينام الرجل ليلة وهو يعتقد أن خصمه يفكر في إهانته بهذه الطريقة. وهذه الواقعة، في تقديري، تكشف شيئًا لا يقل أهمية عن السياسة نفسها: أن الخصومة لا تلغي بالضرورة الاعتراف بإنسانية الخصم، وأن احترامك لمن تختلف معه لا يضعف موقفك، بل قد يجعله أكثر أخلاقية وأشد وضوحًا.

وقد تعرضت بعد ذلك لما أراه ظلمًا شديدًا في عهد مبارك، ولم تغير التجربة حكمي في كثير من سياساته. لكنها لم تجعلني أحتاج إلى كراهية الرجل لكي أثبت لنفسي أنني كنت مختلفًا معه. وهذه مسافة تعلمتها بالتجربة: أن تكون شديدًا في موقفك، لكن من دون أن تسمح للخصومة بأن تعيد تشكيل أخلاقك على صورة ما تقاومه.

ولهذا أعود إلى الصفة المركزية: التحفظ. قد يكون التحفظ ابن الثقة، وقد يكون ابن الحذر، وقد يكون طريقة اكتسبها الإنسان حتى لا يكشف الكثير مما يجري داخله. ومع الزمن يمكن أن يتحول إلى قناع يلتصق بالوجه حتى يظنه الناس الوجه نفسه. أما الجمود فهو شيء آخر. الجمود يبدأ عندما يتحول الثبات من قدرة على مقاومة الضغوط إلى عجز عن إعادة النظر.

الفارق بين الثبات والجمود دقيق. الثابت يعرف لماذا لم يتغير، ويمكنه أن يشرح أسباب استمراره. أما الجامد فيتمسك بالمألوف لأن تغييره يهدد إحساسه بالأمان. الثبات قرار، والجمود خوف متنكر في هيئة قرار. وربما يكون هذا أحد أهم الفروق التي يحتاج إليها من يقرأ شخصية مبارك بعيدًا عن المحبة أو الخصومة، لأن تجربته الطويلة تجعل سؤال العلاقة بين الثبات والقدرة على التكيف سؤالًا مشروعًا دون أن نحوله إلى حكم قاطع.

الاستقرار الذي يكون قيمة في مرحلة قد يتحول بعد سنوات إلى محافظة على الوضع القائم. والحذر الذي يمنع المغامرة قد يمنع الإصلاح أيضًا. والخبرة التي تحمي الإنسان من تكرار أخطاء الماضي قد تغريه، إذا لم ينتبه، بالاعتقاد أن المستقبل مجرد نسخة معدلة من الماضي. هنا تحديدًا تصبح الخبرة سيفًا ذا حدين: تمنح الإنسان ذاكرة أوسع، لكنها قد تجعله أسيرًا لما تعلمه من تلك الذاكرة.

وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى بين عقل الطيار وعقل السياسي. الطيار يحتاج إلى قرار في أجزاء من الثانية، أما السياسي الجيد فأحيانًا تكون شجاعته في أن ينتظر. الطيار يتعامل مع عدو يمكن تحديده، بينما السياسي يتعامل مع مجتمع لا ينبغي أن يكون المختلف فيه عدوًا. الطيار يحتاج إلى منظومة قيادة دقيقة، أما الدولة فتحتاج إلى مؤسسات تستطيع أن تختلف مع قائدها.

في الحرب، وحدة الأمر قد تنقذ الأرواح. وفي السياسة، احتكار الأمر قد يخنق المجتمع. في قمرة القيادة، كثرة الأصوات قد تكون خطرًا، أما في الدولة فقد تكون تعددية الأصوات شرطًا للسلامة. وفي الطائرة يكون المسار المحدد ضرورة، بينما في المجتمع قد يكون تعديل المسار في الوقت المناسب علامة نضج لا علامة ارتباك. ولهذا فإن الانتقال من المجال العسكري إلى السياسة لا يحتاج فقط إلى تغيير الوظيفة، بل إلى إعادة تدريب لطريقة التفكير نفسها.

وأظن أن أهم ما تفعله السلطة الطويلة ليس أنها تبدل الشخصية بالكامل، بل إنها تختبر عيوب فضائلها. فالفضيلة لها ظل. الحذر فضيلة، وظله الخوف من التغيير. الحسم فضيلة، وظله الاستغناء عن الحوار. الثقة فضيلة، وظلها الاستغناء عن التصحيح. الانضباط فضيلة، وظله الضيق بالفوضى التي تصاحب الحرية. الصبر فضيلة، وظله قبول ما كان ينبغي تغييره.

وكلما طالت السلطة، صار هذا الظل أطول. لأن صاحب القرار لا يختبر صفاته في فراغ، بل في بيئة تكافئه باستمرار. عندما ينجح مرة بفضل الحذر، يميل إلى مزيد من الحذر. وعندما يعبر أزمة بالحسم، يتأكد لديه أن الحسم هو الأداة المناسبة للأزمات المقبلة. وبمرور السنوات لا تبقى الاستجابة مجرد رد فعل، بل تصبح فلسفة حكم، ثم تتحول فلسفة الحكم إلى جزء من تعريف الحاكم لنفسه.

وربما لهذا كانت الديمقراطية، في معناها العميق، حماية للحاكم بقدر ما هي حماية للمحكوم. التداول لا يضمن فقط حق الناس في تغيير من يحكمهم، بل يمنع أيضًا اندماج الإنسان بالمنصب حتى يصعب على الاثنين الانفصال. إنه يضع حدًا زمنيًا للقوة قبل أن تتحول من وظيفة إلى هوية، ومن مسؤولية إلى طريقة في رؤية العالم، ومن كرسي يشغله الإنسان إلى كرسي يسكن داخل الإنسان.

السلطة الطويلة تغير أيضًا علاقة الإنسان بالزمن. المواطن ينتظر قرارًا. الوزير ينتظر توقيعًا. الصحفي ينتظر تصريحًا. المؤسسات كلها تتحرك وفق إيقاع القمة. وبعد سنوات يصبح من السهل أن يختلط لدى صاحب السلطة بين كون الآخرين ينتظرونه لأن القرار عنده، وبين كون انتظارهم تعبيرًا عن قناعته الشخصية بصواب ما يفعل. وهنا تبدأ المسافة الخطرة بين قوة الموقع وصحة الرأي.

لهذا لا أريد اليوم أن أكتب عن مبارك بصفته «المخلوع» كما أحب بعض خصومه أن يختصروه، ولا «بطل الحرب» وحدها كما يريد بعض محبيه أن يختصروا تجربته. كلا الاختصارين يظلم الرجل والتاريخ معًا. كان قائدًا للقوات الجوية في أكتوبر، وكان رئيسًا لمصر قرابة ثلاثين عامًا. وفي حكمه إنجازات وأخطاء وسياسات أؤيد بعضها وأختلف جذريًا مع بعضها الآخر.

وفي عهده خضت ضده أول انتخابات رئاسية متعددة المرشحين في تاريخ الجمهورية، وفي عهده كذلك مررت بتجارب قاسية لا أحتاج إلى نسيانها حتى أستطيع أن أقول اليوم كلمة منصفة عنه. فالذاكرة التي تحتاج إلى حذف الألم لكي تنصف ليست ذاكرة ناضجة. كما أن الذاكرة التي تحتاج إلى حذف الإنجاز لكي تدين ليست أكثر نضجًا منها.

بعد كل هذه السنوات تبدو لي شخصية مبارك أكثر تركيبًا مما صورتها الدعاية المؤيدة أو المعارضة. الصورة التي تقدمها شهادة زوجته وبعض خبراتي الشخصية ليست صورة رجل كثير الاستعراض، ولا رجل سهل القراءة. إنها صورة إنسان شديد التحفظ، عملي، موجه نحو الواجب، يحب النظام، مقتصد في إظهار الانفعال، لا تبدو التفاصيل الصغيرة للحياة الخاصة مركز اهتمامه، وقد احتل العمل مساحة استثنائية من وجوده.

لكنها تظل ملامح، لا خريطة كاملة. فلا زوجة تعرف كل ما يجري في نفس زوجها، ولا خصم سياسي يستطيع أن يقرأ كل دوافع خصمه، ولا عالم نفس محترم يبني تشخيصًا على حوارات صحفية. والإنسان، أي إنسان، أكبر من مجموع الروايات عنه. هذا الاحتياط ليس مجاملة لمبارك، بل احترام للحقيقة نفسها.

ويبقى السؤال الفلسفي الأكبر: هل يظل الإنسان الذي يدخل السلطة هو نفسه الإنسان الذي يخرج منها بعد ثلاثين عامًا؟ أشك. ليس لأن السلطة شر مطلق، ولكن لأن كل بيئة طويلة المدى تعيد تشكيل ساكنيها. السجن يغير الإنسان، والمنفى يغيره، والفقر يغيره، والشهرة تغيره. فكيف لا تغيره الرئاسة؟

كيف لا يترك ثلاثون عامًا من وجود ملايين البشر منتظرين توقيعك، ومئات المسؤولين يفسرون تعبير وجهك، وآلاف الموظفين يسبقون رغبتك قبل أن تنطق بها، شيئًا في علاقتك بنفسك وبالعالم؟ كيف يبقى الإنسان في داخلك قادرًا على سماع كلمة «لا» بالصوت نفسه الذي كان يسمعها به قبل أن يصبح الاعتراض عليه مكلفًا لمن ينطق به؟

السؤال هنا ليس عن مبارك وحده. إنه سؤال عن السلطة ذاتها. وربما يكون أحد أكثر الأسئلة ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتعلم من تاريخه بدل أن يكتفي بمحاكمة أشخاصه. فالسلطة ليست فقط ما يفعله الحاكم بالناس، بل أيضًا ما تفعله سنوات الحكم الطويلة بالحاكم نفسه.

في السادس من أكتوبر لا أريد أن أراجع موقفي من حكم مبارك، ولست مدعوًا لذلك. أريد فقط أن أضع زهرة من الإنصاف على صفحة رجل دخل التاريخ في هذا اليوم، قبل أن ندخل نحن وإياه بعد ذلك في خلافات السياسة ومعاركها. في الرابع من مايو عام ألف وتسعمائة وثمانية وعشرين وُلد طفل في المنوفية اسمه محمد حسني مبارك، وفي السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين وُلد اسم آخر في الذاكرة العامة للمصريين.

بين الميلادين حياة طويلة. وبين أكتوبر والرئاسة مسافة. وبين الرئيس والخصم خلاف. وبين الخلاف والكراهية مسافة أكبر ينبغي للأخلاق ألا تسمح لنا باختصارها. فقد نختلف حتى النهاية، ونحتفظ في الوقت نفسه بحق الآخر في الكرامة، وبحق التاريخ في أن يروى كاملًا لا مبتورًا على مقاس حبنا أو غضبنا.

رحم الله الرئيس أنور السادات. ورحم الله شهداء مصر وأبطال السادس من أكتوبر. ورحم الله محمد حسني مبارك. اختلفت معه رئيسًا، وتألمت مما جرى لي في عهده، وواجهته في انتخابات الرئاسة، لكنني لم أحتج يومًا إلى أن أهين الرجل لكي أعارض الرئيس.

واليوم، في اليوم الذي أراه ميلاده الثاني والأبقى في التاريخ، أكتب عنه لا لأمنحه براءة لا يملكها أحد، ولا لأصدر بحقه إدانة جديدة بعد أن أصبح في ذمة الله والتاريخ. أكتب فقط محاولة للفهم. فالإنسان أكبر من منصبه، والتاريخ أكبر من خصوماتنا، والإنصاف لا يطلب منا أن ننسى نصف الكوب الفارغ، بل يطلب فقط ألا نكسر النصف الآخر حتى تبدو روايتنا أكثر راحة. نص ملصق

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى