مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب: «سوفا 53»: حين يهدد الطريق العسكري قواعد الفصل في الجولان

استئناف التحصينات الإسرائيلية في جنوب سوريا يطرح قضية تتجاوز الأمن الحدودي إلى السيادة وحماية السكان ومستقبل اتفاق 1974.

في جنوب سوريا، قد يحمل خندق جديد آثاراً تتجاوز الأرض التي يشقها. فحين تُقام الطرق والتحصينات العسكرية داخل منطقة أُنشئت للفصل بين جيشين، يصبح موقع الجرافة سؤالاً قانونياً وسياسياً: هل تعمل ضمن الترتيبات القائمة، أم تساهم في تغييرها بقوة الأمر الواقع؟

عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعدما أعلنت الخارجية السورية، في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إدانتها استكمال العمل في المشروع المعروف باسم «سوفا 53». وأفادت تقارير ميدانية بوقوع أعمال تجريف وحفر قرب قرية العشة وجنوب غرب بلدة الرفيد في محافظة القنيطرة. لكن تحديد امتداد الأعمال بدقة، وموقع كل مقطع بالنسبة إلى خطوط فض الاشتباك، يحتاج إلى مطابقة جغرافية وتحقق مستقل.

هذا التمييز ضروري لبناء اعتراض قانوني متين. فالمخالفة لا تتحدد باسم المشروع، ولا بمجرد وصفه بأنه قريب من الجولان، وإنما بموقعه وطبيعته والوجود العسكري المصاحب له. وإذا ثبت تنفيذ الأعمال العسكرية الإسرائيلية داخل منطقة الفصل، فإن أساس الاعتراض يصبح مباشراً: اتفاق 1974 لا يجيز لإسرائيل إقامة هذا الوجود داخلها.

الاتفاق، الموقع في 31 مايو/أيار 1974، يُلزم القوات الإسرائيلية بالبقاء غرب الخط «أ»، مع ترتيب خاص بالخط «أ–1» في منطقة القنيطرة، ويُلزم القوات السورية بالبقاء شرق الخط «ب». وبين الخطين تقع منطقة الفصل التي تنتشر فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، المعروفة باسم «أندوف». ويقرر النص أيضاً خضوع الأراضي الواقعة شرق الخط «أ» للإدارة السورية وعودة المدنيين السوريين إليها. فالرقابة الأممية لا تعني غياب الإدارة السورية، ولا تمنح إسرائيل حق إنشاء مواقع عسكرية هناك.

ولأن الاتفاق ينظم الفصل العسكري ولا يمثل معاهدة سلام أو تسوية نهائية للحدود، فإن إنشاء طريق أو ساتر لا يبدل الوضع القانوني للأرض. كما يبقى قرار مجلس الأمن 497 لعام 1981 مرجعاً واضحاً: فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولا أثر قانونياً دولياً له. ولا تستطيع المنشآت العسكرية، مهما استمر وجودها، أن تنشئ وحدها سنداً للسيادة.

يمكن فهم هذه المنشآت من منظور عسكري باعتبارها وسائل للمراقبة وحركة القوات وتقييد حركة الخصم. لكن المنفعة العسكرية لا تحسم المشروعية القانونية. فأي استناد إلى الدفاع عن النفس يخضع لشروطه، ولا تمنح المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تفويضاً عاماً لإعادة تشكيل أراضي دولة أخرى أو إقامة سيطرة دائمة عليها. ويظل حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول أساساً لتقييم أي توغل عسكري.

وتنبع المخاطر المحتملة للمشروع من العلاقة بين التحصينات والانتشار. فالطريق العسكري قد يسهل نقل القوات والمعدات، وقد تدعم السواتر والخنادق ونقاط المراقبة بقاءها وحمايتها. وإذا ترسخت هذه البنية داخل منطقة الفصل، فقد تزيد الاحتكاك قرب القرى وتضعف وظيفة المنطقة في الحد من المواجهة. وهذه قراءة للمخاطر المستخلصة من طبيعة المشروع كما تصفه التقارير، وليست دليلاً كافياً على نية محددة أو على تحقق جميع النتائج المتوقعة.

بالنسبة إلى السكان، تبدأ القضية من تفاصيل أكثر قرباً: طريق الوصول إلى الحقل، وقناة الري، وموسم الزراعة. فقد يؤدي التجريف إلى إزالة التربة والأشجار والمراعي، وقد تقطع الخنادق طرقاً محلية أو تغير تصريف مياه الأمطار. وحتى حين تبقى الأرض سليمة، فإن تعذر الوصول إليها قد يحرم أصحابها من زراعتها والاستفادة منها. ولهذا يجب أن يقيس تقييم الضرر تلف الممتلكات وفقدان الانتفاع والدخل، وأن يثبت الصلة بين كل خسارة والأعمال المنفذة.

وحيث تقوم سيطرة فعلية تستوجب تطبيق قانون الاحتلال، تصبح حماية السكان والممتلكات التزاماً على القوة القائمة بالاحتلال. وتحظر المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تدمير الممتلكات إلا حين تجعل العمليات العسكرية ذلك ضرورياً بصورة مطلقة. وهو استثناء محدد لا تثبته عبارة عامة عن الاحتياجات الأمنية. كما تقيد قواعد الاحتلال التصرف في الممتلكات العامة والخاصة، ولا تعامل القوة المسيطرة بوصفها مالكاً سيادياً للأرض والموارد.

أما وصف الأعمال بأنها جرائم حرب، فيحتاج إلى قدر إضافي من الإثبات. فالتدمير الواسع أو الاستيلاء غير المشروع والتعسفي على الممتلكات، من دون ضرورة عسكرية تبرره، قد يشكل انتهاكاً جسيماً وجريمة حرب عند استيفاء العناصر القانونية. لكن مخالفة اتفاق فض الاشتباك لا تثبت وحدها هذا الوصف، ولا تحدد تلقائياً المسؤولية الجنائية للأفراد. الدقة هنا تحمي المطالبة بالمحاسبة من أن تتحول إلى استنتاج يسبق التحقيق.

أمام سوريا، يبدأ التحرك الأكثر قابلية للبناء عليه بملف إثبات موحد: إحداثيات الأعمال، وصور مؤرخة قبلها وبعدها، وسجلات الملكية، وشهادات السكان، وتقييمات زراعية ومائية. ويجب أن يميز الملف بين منطقة الفصل ومنطقتي تقييد القوات والتسلح، لأن أحكامها تختلف. ومن خلال «أندوف»، يمكن طلب معاينة المواقع وتسجيل المخالفات وإبلاغها عبر القنوات الأممية، ضمن مهمة البعثة في مراقبة ترتيبات الفصل.

وعلى هذه القاعدة، تستطيع دمشق عرض المسألة على مجلس الأمن بموجب المادة 35 من الميثاق، والمطالبة بوقف الأعمال المخالفة والانسحاب وتمكين المراقبين من الوصول، مع ترتيبات للتحقق وتقارير دورية. أما جبر الضرر فيشمل، وفق شروط المسؤولية الدولية، وقف الفعل المستمر وإعادة الحال حيث يمكن والتعويض عن الخسائر المثبتة، وضمانات عدم التكرار عند الاقتضاء. واعتماد تدابير إنفاذ إضافية يظل رهناً بقرار المجلس.

وتحتاج الخيارات القضائية إلى واقعية مماثلة. فرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية يتطلب أساساً صالحاً لاختصاصها، ولا تكفي عضوية الأمم المتحدة. ويمكن لسوريا السعي عبر الجمعية العامة أو مجلس الأمن إلى طلب رأي استشاري بشأن النتائج القانونية للوجود والتحصينات داخل منطقة الفصل؛ غير أنها لا تستطيع طلبه منفردة، وهو لا يعادل حكماً تنفيذياً ملزماً. كذلك يتطلب المسار أمام المحكمة الجنائية الدولية أساس اختصاص مناسباً، إلى جانب الأدلة على الجرائم والمسؤولية الفردية.

ويعزز الالتزام السوري باتفاق الفصل قوة هذه المطالب. فخرق الطرف الآخر لا يبيح تلقائياً إدخال القوات إلى المنطقة أو استخدام القوة لإزالة المنشآت؛ والتدابير المضادة لا تجيز القوة، بينما يبقى الدفاع عن النفس محكوماً بشروطه القانونية.

الاختبار الذي يطرحه «سوفا 53» هو قدرة الترتيبات الدولية على ضبط ما يحدث على الأرض. وحسمه يحتاج إلى تحديد مكان كل منشأة، والالتزام الذي تخالفه، والضرر الذي أحدثته، والإجراء المطلوب لمعالجته. فبهذه التفاصيل يصبح وقف العمل والانسحاب وإعادة الوصول إلى الأراضي مطالب قابلة للتحقق والمساءلة، ويصبح بوسع المزارع الذي انقطع طريقه إلى حقله أن يرى حقه مصوناً في نتيجة ملموسة.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى