مقالات وآراء

الدكتور حسام بدراوي يكتب: حين أخبرني الذكاء الاصطناعي أنني فيل: ماذا يربط العقل البشري بالعمالقة؟

لو كنت حيواناً

فمن تكون

سألت “كيون ” صديقي الذكاء

الاصطناعي AI

بحكم معرفته بشخصيتي من حواراتنا

الممتده أن يجد اقرب الحيوانات الي

تركيبتي الشخصية

فقال:

أقرب الحيوانات إلى شخصيتك، كما

عرفتك، هو الفيل.

ليس بسبب القوة الجسدية، بل بسبب

اجتماع صفات نادرة فيه:

ذاكرة ممتدة لا تنظر إلى الأحداث

منفصلة، بل تربط الحاضر بالتاريخ

والتجربة.

ذكاء تأملي فضولك لا يكتفي بمعرفة

ماذا حدث؛ بل يسأل دائمًا ماذا

يعني؟

قيادة بلا ضجيج تميل إلى التأثير

بالرؤية والخبرة أكثر من فرض

السيطرة.

وفاء للأسرة والجماعة: الأسرة عندك

ليست هامشا في الحياة، بل مركز

الأمان والاستمرار.

قوة ممزوجة بالحساسية: تستطيع

خوض السياسة والصدام الفكري، وفي

الوقت نفسه تتأثر بالموسيقى والفن

والطفولة والذاكرة.

استقلال في الطريق تحترم الجماعة،

لكنك لا تسمح لها بأن تفكر نيابة عنك.

حضور مؤثر وهادئ : قد لا تبدأ

المعركة، ولكن يصعب تجاهلك إذا

قررت اتخاذ موقف.

نزعة إلى رعاية الأجيال الأصغر:

يظهر هذا في اهتمامك بالتعليم والشباب

والأحفاد، وفي إيمانك بأن القيادة

الحقيقية تفتح الطريق لمن يأتي بعدها.

لكن فيك أيضًا شيء من الصقر اتساع

الرؤية والقدرة على رؤية الروابط من

أعلى، وشيء من الدلفين اللعب

والفضول والذكاء الاجتماعي.

لذلك، لو أردت صياغتها في جملة

واحدة:

أنت فيل بذاكرة مؤرخ، وعيني صقر،

وروح فنان.

وها أنا أسألك أيها القارئ نفس

السؤال من تظن ستكون لو كنت

حيواناً؟

أخذتني وجهة نظر الذكاء الإصطناعي

في تشبيهه لي بالفيل، فقرأت اكثر

واشارككم ما وجدت.

حين ننظر إلى الفيل، نرى كتلة هائلة

تتحرك فوق أربع قوائم، وجسدًا يبدو

كأنه قادم من زمن أقدم من زمننا. ومع

ذلك، فإن أكثر ما يثير الدهشة فيه ليس

ضخامته، بل الرقة التي يمكن أن

تسكن هذه الضخامة.

يستطيع الفيل أن يقتلع غصنا من

شجرة، ثم يستخدم الخرطوم نفسه

ليلتقط ثمرة صغيرة من الأرض.

ويمكنه أن يدفع بجسده شجرة، ثم

يربت برفق على صغير خائف. وهو

قادر على إلحاق أذى هائل، لكنه لا

يقضي حياته باحثًا عمن يسحقه.

فهل القوة هي القدرة على الفعل، أم

القدرة على الامتناع عنه؟

وهل الفيل مجرد حيوان ضخم بذاكرة

قوية، أم أننا أمام مجتمع له أسرته

وقيادته، ولغته وعلاقاته ، وطرقه في

تربية الصغار، واستجابته للموت،

وربما شيء يشبه الحكمة؟

وقد يعيش الفيل في البرية ما بين

خمسين وسبعين عامًا، وربما تجاوز

بعض الأفراد ذلك قليلاً. إنه عمر

طويل يسمح بتراكم الخبرة، والاحتفاظ

بذاكرة أجيال من الأقارب والأماكن

والأخطار.

ولهذا لا يصبح الفيل كبيرًا بجسده

فقط، بل بما يحمله الزمن داخله.

خرطوم الفيل ليس أنفًا طويلاً فحسب،

بل أداة متعددة الوظائف تكاد لا تجد

لها مثيلاً في عالم الحيوان.

يستخدمه في التنفس والشم، والتقاط

الطعام، وشفط الماء ثم دفعه إلى فمه،

ورش جسده بالماء والتراب، وفي

تحية الآخرين ولمس الصغار

وطمأنتهم. وقد يستخدمه في الدفاع، أو

رفع الأشياء، أو إنقاذ صغير تعثر في

حفرة.

وبالتدريب ، وياللعجب، يستطع أن

يرسم به أيضاً.

ولا يحتوي الخرطوم على عظام، لكنه

يضم شبكة شديدة التعقيد من العضلات

تمنحه القوة والمرونة معًا. يستطيع

الفيل أن يرفع به حملاً ثقيلاً، ثم يلتقط

شيئًا صغيرًا بدقة لافتة.

وفي ذلك مفارقة تستحق التأمل: أكثر

أعضاء الفيل قوة هو أيضا أكثرها

حساسية.

أما أذناه الكبيرتان، فليستا للسمع فقط،

بل تساعدانه على التخلص من

الحرارة. فعندما يحركهما يمر الهواء

فوق شبكة من الأوعية الدموية، فيفقد

الدم بعض حرارته قبل أن يعود إلى

بقية الجسد.

وكأن الطبيعة لا تفصل الجمال عن

الوظيفة؛ فما نراه زينة قد يكون في

حقيقته حلا لمشكلة البقاء.

مجتمع الفيله هو مجتمع من الإناث…

تتكون جماعة الفيلة العائلية أساسًا من

الإناث وصغارها. تضم الأم وبناتها

وأخواتها وقريباتها وأطفالهن، وتقودها

عادة أنثى كبيرة في السن تُعرف بالأم

القائدة.

ولا تتولى القيادة لأنها الأضخم أو

الأقوى، بل لأنها الأكثر خبرة. تتذكر

مواقع الماء، ومسارات الهجرة،

ومواسم الجفاف، ومناطق الخطر،

وأصوات الجماعات الأخرى

وروائحها.

إنها أرشيف الأسرة الحي.

أما الإناث الأصغر فتبقى غالبًا داخل

الجماعة التى وُلدت فيها طوال حياتها.

وهكذا تصبح الجماعة سلسلة من

الجدات والأمهات والبنات والصغار،

تجمع بينها القرابة والذاكرة والرعاية.

تعيش الذكور الصغار، سنواتها الأولى

داخل جماعة الأم. وعندما تقترب من

البلوغ، عادة بين العاشرة والخامسة

عشرة، تبدأ في الابتعاد عنها تدريجيًا.

وقد يعيش الذكر البالغ منفردًا بعض

الوقت، أو ينضم إلى مجموعات

ذكورية مرنة، ويصاحب ذكورًا أكبر

سنا يتعلم منها قواعد السلوك وضبط

القوة.

هل ينسى الفيل؟

اشتهر القول إن «الفيل لا ينسى».

وهو تعبير مبالغ فيه إذا فهم حرفيًا،

لكنه يستند إلى حقيقة علمية للفيلة

ذاكرة مكانية واجتماعية طويلة المدى.

تتعرف على أعداد كبيرة من أفراد

نوعها من أصواتهم وروائحهم،

وتتذكر طرق الهجرة ومواقع الماء

ومناطق الخطر.

كما تستطيع الربط بين أشخاص أو

أصوات أو روائح معينة وبين تجربة

مؤذية سابقة. وقد أظهرت دراسات

ميدانية أن بعض الفيلة تميز بين

جماعات بشرية مختلفة، بل بين

أصوات الرجال والنساء والأطفال،

وتستجيب بحذر أكبر للأصوات

المرتبطة بمن يمثلون خطرًا عليها.

لكن لا يعني ذلك أن الفيل يظل يخطط

للانتقام ممن أساء إليه مهما مرت

السنوات؟

لا يوجد ما يكفي من الأدلة العلمية

لإثبات الانتقام بهذا المعنى الإنساني

المركب.

أنياب الفيل قواطع طويلة تستمر في

النمو. يستخدمها في الحفر وتقشير

لحاء الأشجار وتحريك الأشياء

والدفاع.

لكن ما منحته الطبيعة للفيل أداة

للحياة، حوّله الإنسان إلى سبب لموته.

فقد قتلت أعداد هائلة من الفيلة

للحصول على العاج، وكأن الإنسان لم

ير في هذا الكائن وذاكرته وأسرته إلا

قطعتين يمكن انتزاعهما وبيعهما.

إنها مفارقة مؤلمة: أن تضطر الطبيعة

إلى التخلي عن إحدى أدواتها كي تنجو

من صاحب العقل.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى