تحليلات سياسية | د. أيمن نور يكتب: لماذا يتقدم حزب الجبهة الوطنية إلى الخلف؟

تكشف نتائج انتخابات هيئات اللجان البرلمانية أن حزب الجبهة الوطنية يحافظ على حضور مؤسسي محدود، من دون أن يحوله إلى نفوذ سياسي مستقل أو قدرة فعلية على تحديد أجندة البرلمان. فمع احتفاظ 22 رئيس لجنة من أصل 25 بمواقعهم، واقتصار التغيير على ثلاث لجان، اتجهت الانتخابات إلى تثبيت موازين القوى القائمة لا إعادة توزيع النفوذ.
يواصل حزب مستقبل وطن رئاسة 12 لجنة، يليه حماة الوطن بست لجان، ثم الجبهة الوطنية بأربع لجان، بينما يترأس المستقلون لجنتين والشعب الجمهوري لجنة واحدة. ورغم أن رئاسة أربع لجان تمنح الجبهة حضورًا مؤسسيًا، فإن موقعها خلف الحزبين الأكبر يوضح أنها لم تنتقل بعد من المشاركة إلى التأثير في صناعة القرار، خصوصًا في اللجان المرتبطة بالموازنة والاقتصاد والتشريع والأمن القومي.
ولا يقاس النفوذ بعدد اللجان فقط، بل بطبيعتها وقدرة رؤسائها على التأثير في جدول الأعمال، وإدارة المناقشات، وتوجيه مشروعات القوانين والاتفاقيات. لذلك، لن تتحول مواقع الجبهة إلى نفوذ فعلي ما لم تدعمها مبادرات تشريعية ورقابية وأداء واضح يجذب اهتمام الجمهور.
يستعيد هذا المشهد سؤالًا طالما طرحته في تجربتي الحزبية والبرلمانية: هل نحن أمام مؤسسات تمارس السياسة، أم أمام مؤسسات تكتفي بإدارة توزيع المواقع؟ فالبرلمان لا يكتسب فاعليته من عدد المناصب التي تتقاسمها الأحزاب، وإنما من قدرته على تمثيل المجتمع، ومراقبة الحكومة، وفتح الملفات التي تمس حياة المواطنين. وقد قلت في مناسبات برلمانية عدة إن المقعد النيابي ليس امتيازًا شخصيًا، بل أمانة عامة، وإن قيمة النائب لا تقاس بموقعه داخل القاعة، بل بما يضيفه إلى حياة الناس خارجها.
تتحرك الجبهة الوطنية داخل مساحة سياسية ضيقة؛ فهي حاضرة في المؤسسات، لكنها لا تبدو صاحبة المبادرة. واحتفاظ القوى الأكبر بالمواقع القيادية يجعلها أقرب إلى طرف مشارك في ترتيبات قائمة منها إلى قوة قادرة على تغييرها. ولا يعني ذلك فقدانها مقاعدها أو خروجها من المشهد، بل تراجع قدرتها على التأثير مقارنة بغيرها.
وتزداد هذه المحدودية في ظل هيمنة التحالفات التنظيمية والتفاهمات المسبقة على المنافسة البرلمانية، ما يقلص فرص الأحزاب الأقل نفوذًا في تقديم نفسها كبديل سياسي. وتواجه الجبهة نتيجة لذلك معضلة مزدوجة: فهي جزء من النظام القائم، لكنها مطالبة بإثبات أنها ليست مجرد رقم إضافي داخل تحالفات الأغلبية.
ويرتبط تقدم مستقبل وطن وحماة الوطن بامتلاكهما شبكات تنظيمية أكثر رسوخًا وقدرة أكبر على إدارة التحالفات وتنسيق المواقف. أما الجبهة، فلم تنجح بعد في بناء صورة سياسية مستقلة ومتماسكة. وهي تحتاج، مثل غيرها من الأحزاب، إلى كوادر معروفة، وبرامج قابلة للقياس، ومواقف واضحة، وتواصل مستمر مع المواطنين؛ وإلا ستظل معتمدة على ترتيبات التحالفات أكثر من قوتها الذاتية.
كما أن تشابه الخطاب الحزبي يضعف قدرة الناخب على التمييز. فإذا لم تقدم الجبهة رؤية مختلفة بشأن التضخم والبطالة والدين العام والخدمات والاستثمار والحماية الاجتماعية، فلن تقنع الجمهور بأنها خيار مستقل. فالمطلوب ليس مجرد الوجود داخل البرلمان، بل صوت واضح ومواقف قابلة للمحاسبة.
وتمنح رئاسة اللجان أدوات مهمة للتأثير في التشريع والرقابة، لكن المنصب وحده لا يكفي. فعلى الحزب استخدام لجانه لطرح ملفات جديدة، وإعداد تقارير معلنة، واستدعاء المسؤولين، وتحويل النقاشات إلى نتائج ملموسة. أما الاكتفاء بإدارة الاجتماعات والمشاركة الشكلية، فسيرسخ صورته كجزء من ترتيبات تقاسم المواقع لا كقوة تسعى إلى تطوير الأداء البرلماني.
وتوضح الخريطة الحالية أن المشهد يميل إلى القوى الأكثر تنظيمًا وقدرة على بناء التوافقات. ومع استمرار احتفاظ الأحزاب الكبرى بالمواقع القيادية، تتراجع فرص الجبهة في فرض أجندتها، ما يثير التساؤل حول فقدانها جزءًا من الزخم الذي رافق ظهورها أو توسعها السياسي. فالحزب الذي لا يحول حضوره إلى إنجازات يظل معرضًا لتراجع اهتمام الناخبين، حتى لو احتفظ بمقاعده.
وقد عكست نقاشات عامة وتعليقات على منصات التواصل انطباعات عن تشابه الوجوه واستمرار الترتيبات نفسها وتقدم القوى الأكثر حضورًا. ورغم أن هذه الانطباعات لا تمثل قياسًا علميًا للشعبية، فإنها تكشف فجوة بين المشاركة المؤسسية والتأثير في الرأي العام.
وتحتاج الجبهة إلى تحديد هويتها بوضوح: هل هي حزب أغلبية مساند للحكومة، أم حزب يقدم بدائل، أم قوة وسطية تجمع بين دعم الدولة والرقابة؟ فغياب الإجابة يضعف قدرتها على بناء قاعدة جماهيرية مستقرة. والناخب لا يبحث عن حزب يشارك فقط، بل عن جهة تعبر عن مصالحه وتقدم حلولًا لمشكلاته.
وفي تجربتي السياسية والبرلمانية، كان المعيار دائمًا هو وضوح الموقف، لا مجرد الحضور في المشهد. فالمعارضة الجادة ليست خصومة مع الدولة، كما أن المساندة المسؤولة ليست تفويضًا مفتوحًا للحكومة. وبين الموقفين مساحة واسعة للعمل السياسي الرشيد: دعم ما يستحق الدعم، ونقد ما يحتاج إلى تصحيح، وطرح البدائل حين تكون السياسات القائمة عاجزة عن الاستجابة لمطالب الناس.
لذلك، ينبغي أن تنتقل الجبهة من خطاب المشاركة إلى خطاب الإنجاز، ومن إعلان المواقف إلى تقديم مشروعات قابلة للتنفيذ، مع إبراز أداء نوابها وشرح ما أنجزوه أو عارضوه أو غيروه داخل البرلمان.
كما تعيد نتائج اللجان طرح الانتقادات المتعلقة بالمحاصصة السياسية. فالتوافق الحزبي طبيعي، لكنه يفقد قيمته إذا تحول إلى احتكار دائم للمواقع أو إقصاء للكفاءات والأصوات المختلفة. ولا تكمن المشكلة في حصول الجبهة على أربع لجان، بل في مدى ارتباط هذه المواقع بالكفاءة والأداء، وقدرتها على خدمة قضايا عامة واضحة. ويحتاج البرلمان إلى معايير معلنة لاختيار رؤساء اللجان، وحصيلة منشورة لأعمالهم، ومساحة حقيقية للمستقلين والمعارضة.
ولا يزال أمام الجبهة فرصة لتصحيح مسارها، لكن البقاء داخل البرلمان لا يضمن استمرار النفوذ. ويمكنها استعادة حضورها عبر أجندة تشريعية واضحة، وتقارير دورية عن أداء النواب، وبدائل للسياسات الحكومية، وحوارات مع الخبراء والنقابات وأصحاب المصلحة، وربط مواقفها بقضايا المواطنين، خصوصًا ارتفاع الأسعار والقدرة الشرائية والدين العام والضرائب والصحة والتعليم وفرص العمل والحماية الاجتماعية.
تقدم نتائج انتخابات اللجان صورة واضحة: لم تتراجع الجبهة لأنها غابت عن البرلمان، بل لأنها لم تحول حضورها إلى نفوذ مستقل أو إنجازات ملموسة. فرئاسة أربع لجان تمنحها موقعًا داخل المؤسسة التشريعية، لكنها تبقيها خلف القوى الأكبر في العدد والقدرة على توجيه الأجندة.
ويرتبط مستقبل الحزب بقدرته على تجاوز هذا التناقض. فإذا اكتفى بالمشاركة في ترتيبات الأغلبية من دون هوية واضحة وأداء قابل للقياس، فسيستمر تقدمه إلى الخلف. أما إذا استخدم مواقعه لفتح ملفات عامة، ومساءلة الحكومة، وتقديم بدائل عملية، وبناء خطاب مستقل، فقد يحول حضوره الحالي إلى نقطة انطلاق لاستعادة المبادرة.
فالاختبار الحقيقي ليس عدد المقاعد أو رئاسة اللجان، بل قدرة الحزب على تحويلها إلى نفوذ مسؤول وثقة شعبية. وقد كشفت النتائج شروط بقائه مؤثرًا: هوية واضحة، أداء معلن، إنجازات قابلة للمحاسبة، وعلاقة مباشرة بالمواطنين. وإذا لم تتحقق هذه الشروط، فسيظل حاضرًا داخل البرلمان، لكنه يتراجع سياسيًا لصالح قوى أكثر تنظيمًا وقدرة على قيادة المشهد.







