مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: أنس حبيب..حين يصبح السب تجارة.. والكاميرا ساحة للعار

أنس حبيب لم يسبّ أحداً أنس حبيب انتحر اجتماعياً أمام الكاميرات.

فهذا الشخص لم يخطئ في لحظة غضب عابرة، ولم تنفلت لسانه أمام موظف لا يعرفه بل اختار أن يوجه ألفاظاً مسيئة إلى موظفين في السفارة المصرية، بوعي كامل، أمام عدسة تعرف أنها ستُنشر، وتنتظر منها أن تُشعل ضجة تمنحه دقائق من الوجود الذي لا يملكه في أي مكان آخر.

هذا ليس رأياً، ولا معارضة، ولا حرية تعبير هذا انتحار علني لكرامة يتوهم أنه يحملها، ورصاصة أخيرة في رصيد احترام كان قد صرفه مسبقاً.

أنس حبيب لا يمثل المصريين لا في مصر ولا في الخارج لا يمثل الطوائف، ولا المهاجرين، ولا المعارضين الشرفاء الذين يدفعون ثمن آرائهم بكرامة وابتسامة وظهر مستقيم يمثل نفسه فقط شخصاً وجد في الإهانة طريقاً سريعاً للأضواء، فباع كل شيء، ولم يبق له شيء ليبيعه.

والأسوأ من فعله هو ثمنه الذي يدفعه غيره كل موظف مصري في أي سفارة أو قنصلية قد يدفع ثمن هذه الوقاحة وكل مصري يعيش في الغربة قد يجد نفسه مضطراً للدفاع عن نفسه بسبب صورة صنعها شخص لا يهمه سوى نفسه.

هذا ليس نقداً للنظام، ولا تحدياً لسلطة، بل إساءة لأضعف من في المعادلة موظف خلف مكتب او فرد امن ، لا يملك كاميرا ولا جمهوراً ولا حتى حق الرد في لحظة تنهال عليه الألفاظ.

نعم، اختلفوا مع النظام، وانتقدوا السياسات، وارفضوا ما ترفضونه لكن الفارق بين الرجل الذي يعارض والرجل الذي يهين هو الفارق بين الحجة والسبّة.

ومن لا يملك إلا السبّة، فليعلم أن مشكلته ليست مع مصر، بل مع نفسه، ومع فراغه، ومع حجمه الحقيقي الذي يحاول أن يعوّضه بالإهانة.

ما فعله أنس حبيب ليس خروجاً على الذوق العام فحسب، بل هو فعل يخضع لمساءلة قانونية واضحة في القانون المصري فالمادة 185 من قانون العقوبات المصري تجرّم السب في حق الموظف العام، ولا تُبيحه إلا في حالات ضيقة تتعلق بالنقد المباح داخل قاعات المحاكم أو البرلمان، لا أمام الكاميرات وفي الشوارع .

وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا، في حكم أصدرته برئاسة المستشار بولس فهمي، أن النصوص القانونية التي تجرّم سب وقذف الموظف العام دستورية، وأنها توازن بين حرية الرأي وحماية كرامة الوظيفة العامة .‌‌‌

والأهم من ذلك، أن حكم المحكمة الدستورية وضع شرطاً لا يمكن لأنس حبيب ولا لغيره أن يتجاوزه إباحة النقد لا تتحقق إلا إذا كان الإسناد متعلقاً بأعمال الوظيفة، وبحسن نية، ومع إثبات صحة الوقائع .

أي أن مجرد الصراخ بألفاظ مسيئة أمام الكاميرا، دون أي واقعة محددة يمكن إثباتها، ليس نقداً، بل جريمة سب مكتملة الأركان.‌‌

كما أن المادة 307 من قانون العقوبات تشدد العقوبة إذا وقع السب أو القذف بطريق النشر، وهو ما ينطبق تماماً على واقعة موثقة بالكاميرا ومتداولة على المنصات فالنشر ليس مجرد وسيلة، بل هو ظرف تشديد، ومن اختار الكاميرا وسيلة، فعليه أن يتحمل النتائج التي اختارها بيده.‌

أنس حبيب أساء إلى مصر، وأساء إلى المصريين في كل مكان، وأساء إلى كل معارض شريف يحاول أن يبني رأياً ويحترم الناس ومن يسيء إلى كل هؤلاء، لا يستحق أن يُسمع، بل يستحق أن يُفضح سلوكه، وأن يُحاسب قانوناً، لا أن يتسوّل الأضواء على حساب كرامة بلده.

المصريون، بكل أطيافهم، أكبر من أن يمثلهم من يهين.

ومصر أرفع من أن تُختزل في مشهد وقح أمام كاميرا ومن أراد أن يكون صوتاً، فليتعلم أولاً كيف يحترم، وإلا فليصمت، فالصمت أشرف من سبّة.

نحن نعارض السيسي نعارض سياساته، ونرفض ممارساته، وننتقد أداءه بكل وضوح، ولا نتراجع عن ذلك قيد أنملة.

لكننا نعرف الفارق بين من يعارض نظاماً ومن يهين وطناً ونعرف الفارق بين من يواجه سلطة ومن ينقضّ على موظف مغلوب على أمره، لا يملك من أمره شيئاً، ولا ذنب له إلا أنه يؤدي عمله ليقبض راتبه ويطعم أهله.

هذا الموظف ليس السيسي ، هذا الموظف ليس النظام هذا الموظف مصري مثلك، يقف خلف مكتب او امام بوابه ارض مصريه في الغربة، بعيداً عن بلده، ويحاول أن يعيش.

فمن يريد أن يعارض، فليعارض من يملك القرار، لا من يملك فقط توقيعاً على ورقة ومن لا يستطيع أن يوجه نقده إلى الأعلى، فليس له أن يفرّغ غضبه على الأدنى.

نحن نرفض النظام، لكننا لا نرفض مصر وننتقد الحاكم، لكننا لا نهين الموظف ومن لا يفهم هذا الفارق، فهو لا يمثل معارضة، ولا يمثل وطناً، ولا يمثل إلا نفسه.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى