شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: ٤٥ عامًا… وما زال للمنصة أسرار! فيديو«الجمالين»أعاد رصاصة العنق للواجهة

في السادس من أكتوبر، وبعد خمسة وأربعين عامًا كاملة، جمع المكان رجلين يحملان الاسم نفسه، ويحمل كل منهما على كتفيه نصف حكاية لم تغادر ذاكرة المصريين. جمال السادات، ابن الرجل الذي غاب في هذا اليوم بفعل رصاصة قاتلة. وجمال مبارك، ابن الرجل الذي كان يجلس إلى جواره لحظة الاغتيال، وبدأ من ذلك اليوم انتقال السلطة إليه، قبل أن تكتمل له دستوريًا بعد ثمانية أيام؛ فقد تولى صوفي أبو طالب الرئاسة مؤقتًا من السادس إلى الرابع عشر من أكتوبر عام ١٩٨١، ثم تولى حسني مبارك رئاسة الجمهورية.

لم يكن اللقاء في مقهى، ولا في مناسبة اجتماعية، ولا في يوم يصلح للنسيان. كان أمام النصب التذكاري ومنصة السادات، وفي اليوم نفسه الذي اجتمع فيه النصر والموت قبل خمسة وأربعين عامًا. وقد وثقت الصحافة لقاء جمال مبارك وجمال السادات هناك في السادس من أكتوبر الحالي، بالتزامن مع زيارة جمال مبارك للمنصة وإحياء ذكرى السادات. وبين الرجلين دار حديث قصير لم ينقل إلينا صوته، لكن الكاميرا احتفظت بما هو أكثر إثارة من الصمت أحيانًا: حركة يدين بدتا وكأنهما ترسمان على الجسد خريطة إصابة.

أعدت مشاهدة الفيديو مرات كثيرة، وببطء، وإطارًا بعد إطار. قرابة الثانية السابعة يرفع جمال السادات يده ناحية الجزء الخلفي من الرأس عند اتصاله بأعلى الرقبة. ليست حركة سريعة تنتهي، بل تصاحب كلامه للحظات. وبعد ذلك يستمر الحوار، إلى أن يأتي رد جمال مبارك قرابة الثانية الثانية والعشرين، فيرفع يده هو الآخر، لكن إلى مقدمة الرقبة وجانبها الأمامي. ثم، قرب نهاية المقطع، يعود جمال السادات مرة أخرى بيده إلى الخلف.

الخلف أولًا. ثم الأمام. ثم الخلف مرة أخرى. وهنا تحديدًا لا تعود قيمة المشهد في صورة مجمدة، بل في تتابع الإشارات وتبادلها. جمال السادات يحدد موضعًا. جمال مبارك يرد بتحديد موضع آخر. ثم يعود الأول إلى موضعه السابق. لهذا أرى أن تجاهل الحوار الحركي كله باعتباره مجرد مصادفات جسدية، لا يقل تعسفًا عن تحويله إلى اعتراف مسجل. بين النفي المطلق والجزم المطلق توجد مساحة واسعة اسمها القرينة.

دراسة السلوك غير اللفظي مجال علمي حقيقي، لكن العلم نفسه يحذر من فكرة أن لكل حركة قاموسًا ثابتًا. لا توجد إشارة واحدة تقول وحدها إن صاحبها يفكر في أمر بعينه، لأن السياق وتتابع الحركة وما يصاحبها من كلام وسلوك هي التي تمنحها وزنها. وفي المقابل، تؤكد دراسات التواصل أن الإيماءة المصاحبة للكلام قد تحمل معلومات مكانية ودلالية لا تنقلها الكلمات وحدها. لهذا فإنني لا أقرأ حركة اليد باعتبارها «كشفًا نفسيًا»، بل باعتبارها إشارة مكانية جاءت أثناء شرح ما، ورد عليها الطرف الآخر بإشارة مكانية مقابلة.

أما قراءة الشفاه فقد بذلت معها جهدًا أكبر. والفارق هنا مهم. قراءة الشفاه من الفيديو ليست وهمًا ولا شعوذة؛ ففي القضاء الإنجليزي، مثلًا، أقرت محكمة الاستئناف بأن قراءة الشفاه من التسجيل المرئي مهارة معروفة يمكن أن تدخل ضمن أدلة الخبرة إذا قام بها متخصص مؤهل.

وفي هذا الفيديو تحديدًا، لا أستطيع مهنيًا أن أضع عبارة بين علامتي تنصيص وأقول إن أحد الرجلين نطقها.

حركة الفم واضحة بما يكفي لإثبات استمرار الكلام أثناء الإشارة، لكنها ليست واضحة بما يكفي للفصل اليقيني بين ألفاظ متقاربة بصريًا. ومع ذلك، فإن تزامن حركة الشفاه مع نقل اليد بين موضع خلف الرقبة وموضع أمامها يرجح أن جزءًا من الكلام كان وصفيًا أو مكانيًا؛ أي متعلقًا بموضع أو اتجاه أو مسار. أما أن ننسب إليهما كلمات مثل «من الخلف» أو «من هنا» أو «دخلت من هنا» على سبيل القطع، فهذا يتجاوز ما تسمح به الصورة.

الترجيح ممكن، والنص الحرفي غير ممكن .

وهنا أصل إلى جوهر الأمر.

رواية الرصاصة ليست جديدة.

الجديد هو أن تكون قد عادت، (بعد خمسة وأربعين عامًا) ، في حديث بين جمال السادات وجمال مبارك، وفي المكان نفسه، وفي ذكرى الواقعة نفسها.

وهذا في تقديري أهم ما يحمله الفيديو.

فقد تحدث جمال السادات بنفسه عام ٢٠١١ عن رصاصة اعتبرها القاتلة. قالوصفا ما جرى يومها بأنه

«مؤامرة كبيرة»، مشيرًا ايضا

لوقائع في التأمين اعتبرها غير منطقية.

وفي رواية أخرى في العام نفسه، قال جمال السادات إن والدته أبلغته بأن هناك رصاصة في عنق والده سيجري استخراجها، وإن احتمال صدورها من أحد أفراد الحراسة الموجودين في المنصة طُرح ، قبل أن تتغير التقديرات لاحقًا(!)

وهذا أمر شديد الدلالة في ضوء حركة يده أمس إلى خلف الرقبة، حتى لو ظل الربط بين الأمرين ترجيحًا يحتاج إلى ما هو أكثر من الفيديو كي يتحول إلى يقين.

هنا توجد عندي نقطتان لا ينبغي خلطهما. الأولى هي رصاصة العنق وما أحاط بها من روايات قديمة عن مصدرها ومسارها، وما أعادته إشارة جمال السادات إلى خلف الرقبة أمس إلى الذاكرة.

والثانية أكثر صلابة من ، وهي الرصاصة الثالثة التي يحدد تقرير الطب الشرعي مطلقها بأنه كان إلى يسار وخلف الرئيس.

تقرير الطب الشرعي المنشور يصف ثلاثة أعيرة رئيسية.

الأول دخل من الجانب الأيسر للصدر واتجه من اليسار إلى اليمين وبميل كبير من أسفل إلى أعلى، حتى استقر لب المقذوف عند منطقة الكتف اليمنى .

والثاني أصاب الساعد.

أما الثالث فأصاب الجزء الخلفي أسفل الفخذ الأيسر، وخرج من مقدم الفخذ، وحدد التقرير موضع مطلقه بأنه كان إلى يسار وخلف الرئيس وقت الإصابة.

وللدقة فإن تقرير الطب الشرعي لا يقول إن الرصاصة التي استقرت قرب العنق دخلت من خلف الرقبة. هو يحدد لها مسارًا من الجانب الأيسر صعودًا نحو منطقة اتصال الكتف بالعنق. أما «الخلف» الذي لا يحتمل التأويل في التقرير، فهو اتجاه مطلق العيار الثالث.

وهذا الفارق لا يلغي لغز رصاصة العنق، لكنه يمنع أن نحمّل التقرير كلمة لم يقلها، ويجعلنا نضع الروايات المختلفة إلى جوار بعضها لا فوق بعضها.

والأكثر إثارة أن التقرير نفسه يشير إلى وجود فتات من مقذوفات نارية أصاب الملابس والجسم بعد أن اصطدمت بشيء وتناثر فتاتها قبل الوصول إلى الرئيس.

وهي نقطة تتقاطع على الأقل مع جانب من رواية جمال السادات القديمة عن ارتطام إحدى الطلقات بالمنصة قبل أن يتغير مسارها، دون أن يعني ذلك أن التقرير يحسم كل تفاصيل الرواية التي قدمها جمال.

وهذه التفاصيل تحديدًا لم تكن محل اهتمامي أمس.

بل قبل أكثر من ثلاثة عقود كتبت في «الوفد» سلسلة بعنوان «١١ عامًا وما زال للمنصة أسرار».

وبعد عامين عدت إليها بعنوان «١٣ عامًا وما زال للمنصة أسرار».

وفي عام ٢٠١١ فتحت الملف مرة ثالثة في سلسلة «شباك نور» تحت عنوان «٣٠ عامًا وما زال للمنصة أسرار».

لم أكن أطارد شبحًا، بل أحاول جمع قطع صورة ظلت ناقصة في تقديري وللان.

في الجزء الأول من سلسلة عام ٢٠١١ كتبت عن المقدم ممدوح محرم حسن أبوجبل،

وما ظهر في الأوراق التي كنت أراجعها عن اتصاله بمحمد عبد السلام فرج قبل الاغتيال، وعن وصول معلومات تفصيلية إلى أجهزة الأمن قبل أيام، ثم تكليفه بمسايرة المجموعة. بل وتسليمه لهم قنابل يدويه ودخانيه قدمتها له الاجهزه الامنيه بدعوه انها غير قابله الانفجار بينما انفجر بعضها بالفعل على مسرح المنصه

وكانت المعضلة عندي بسيطة وقاسية: كيف تصل معلومات بهذا الحجم قبل التنفيذ، ثم تقع الجريمة بهذه البساطة؟!

وهنا اريد الاشاره للحديث الذي اجراه وزير الداخليه الاسبق النبوي اسماعيل مع الاعلامي عمرو الليثي والذي قال فيه كلاما لا يدعو للدهشه فقط بل في تقديري يدعو للمساءله القانونيه والسياسيه

وفي الجزء الثاني من سلسله مقالاتي انتقلت إلى ما هو أقرب إلى موضوعنا اليوم. كتبت حرفيًا عن الطلقات التي ظهرت في جسد السادات وما ورد عن اتجاه من يسار وخلف المنصة، وربطت ذلك بما كنت قد وقفت عليه من شهادة لضابط تحدث عن شخص يطلق النار بمسدس من يسار المنصة، بينما لم يكن المسدس ـ وفق الأوراق التي اعتمدت عليها وقتها ـ من بين الأسلحة المنسوبة إلى المجموعة المعروفة.

وفي اليوم التالي، وتحت عنوان فرعي هو «القاتل الخفي»، عدت إلى العيار الثالث وإلى تحديد موضع مطلقه من اليسار والخلف،

وإلى روايات وشهادات تحدثت عن وجود خمسة مهاجمين لا أربعة !؟

وإلى ضابط قال، وفق ما نقلته آنذاك، إنه شاهد شخصًا يحمل مسدسًا ويطلق تجاه المنصة.

بينما ملف الاحراز في القضيه خلى من وجود مسدس اصلا (!)

كما سجلت ما كان مطروحًا من تساؤلات حول ملابس الرئيس والفيلم المختفي الذي أعدته جهة التحقيق لتجسيد مسرح الواقعة وربط الإصابات بمواقع إطلاق النار. كانت هذه مادة تساؤلات، لا حكم إدانة على شخص بعينه.

كان الراحل طلعت السادات قد خاض المعركة نفسها بطريقته،

وربما بعبارات اتهام أوسع ،

ففي أكتوبر عام ٢٠٠٦ أدلى بتصريحات في برنامج «القاهرة اليوم»، الذي كان يقدمه وقتها عمرو أديب وأحمد موسى، تحدث فيها عن مؤامرة واتهم دولًا وأطرافًا، وطالب بإعادة فتح ملف اغتيال عمه.

و أُحيل طلعت، بعدها إلى القضاء العسكري، وصدر ضده حكم بالسجن عامًا مع الشغل بتهمة إهانة المؤسسة العسكرية. .

من المهم أيضًا ألا نختزل حبسه في عبارة واحدة عن ، فطلعت ظل بعد خروجه متمسكًا بأن هناك رصاصًا أطلق من الخلف، ونقل رواية عن طبيب قال إنه شارك في التشريح وأخبره بوجود أعيرة من ذلك الاتجاه. وهي شهادة منقولة على لسان طلعت وليست في ذاتها تقريرًا طبيًا مستقلًا، لكنها تكشف أن رواية «الخلف» ليست بنت الفيديو الجديد، بل سكنت هذا الملف منذ سنوات طويلة.

الأسرة نفسها لم تكن يومًا على رواية واحدة. جمال السادات أصدر في عام ٢٠٠٦ موقفًا يرفض أن يتحدث طلعت باسم الأسرة، وهو ما رد عليه طلعت علنًا آنذاك.

وبعد رحيل مبارك عادت رقية السادات إلى النيابة تطلب التحقيق فيما اعتبرته معلومات وشهادات جديدة عن اغتيال والدها، بينما كان جمال أكثر تحفظًا تجاه اتهام مبارك شخصيًا، مؤكدًا أن ذلك يحتاج إلى دليل، مع إصراره في الوقت نفسه على أن والده تعرض لمؤامرة كبيرة يوم المنصة.

لذلك لا أتعامل مع مشهد أمس باعتباره اكتشافًا يبدأ من الصفر. إنه قطعة جديدة وجدت مكانها فجأة فوق طاولة قديمة. وربما كانت قيمتها في أن طرفيها ليسا شاهدين عابرين: أحدهما ابن القتيل الذي عاش مع روايات الرصاصة وتشريح الجثمان وأسرار الأسرة، والآخر ابن الرجل الذي كان نائب الرئيس وجالسًا في المنصة ذاتها، ثم أصبح بعد أيام رئيسًا للجمهورية لثلاثين عامًا.

وحدها حركة اليد لا تكفي. وحده التاريخ لا يكفي. وحده المكان لا يكفي. وحدها رواية طلعت لا تكفي. وحده تقرير الطب الشرعي لا يثبت وجود مطلق مجهول. لكن القرائن لا تُقاس دائمًا منفردة. قيمتها تتغير عندما تتلاقى في نقطة واحدة: المكان، والذكرى، وهوية الرجلين، ورصاصة استقرت عند العنق، ورواية قديمة عن مصدرها، وإشارة متكررة إلى خلف الرقبة، ورد بإشارة إلى مقدمتها، ثم نص طب شرعي آخر لا خلاف في عبارته المنشورة يضع مطلق العيار الثالث إلى يسار وخلف الرئيس.

ونحن لسنا جهة تحقيق، ولا محكمة تعيد بعد خمسة وأربعين عامًا محاكمة أحد. منفذو الهجوم المعروفون حوكموا، وصدرت الأحكام منذ زمن. لكن صدور أحكام في الجريمة شيء، وإغلاق كل أسرارها التاريخية شيء آخر. التاريخ لا يملك زنزانة يودع فيها من يدينه، لكنه يملك ذاكرة عنيدة، تعود إلى الأوراق كلما ظهرت ورقة جديدة، وإلى الصورة كلما ظهرت زاوية لم نرها من قبل.

وأنا لا أتهم جمال مبارك بشيء لأن إصبعه ذهب إلى رقبته. ولا أحمل جمال السادات كلامًا لم تسمعه أذني. ولا أنقل إلى تقرير الطب الشرعي ما لم يكتبه صاحبه. لكنني أيضًا لا أستطيع أن أرى المشهد كله ثم أختصره في «لقاء ودي بين ابني رئيسين سابقين».

ففي تقديري، ما التقطته الكاميرا في السادس من أكتوبر عام ٢٠٢٦ هو حوار صامت يستحق أن يضاف إلى ملف قديم، لا أن يدفن تحت ابتسامات المناسبة. قد لا نملك عباراته، لكننا نملك حركته. اليد إلى خلف الرقبة. اليد المقابلة إلى أمامها. ثم العودة إلى الخلف. وفي خلفية تلك الأيدي تقرير يقول إن عيارًا ثالثًا جاء مطلقه من اليسار والخلف، وروايات عائلية عمرها عقود عن رصاصة وصلت إلى العنق.

ربما يأتي تفسير بسيط يومًا فيبدد بعض هذا كله. وربما يتحدث أحد الرجلين فيقول لنا ماذا كان يقصد. وربما يبقى الحوار في المنطقة الرمادية التي عاشت فيها أجزاء كثيرة من واقعة المنصة منذ ذلك اليوم.

لكن الشيء المؤكد عندي أن الفيديو لم يخلق رواية جديدة.

هو فقط أعاد رواية قديمة إلى مسرحها الأول.

قبل أكثر من ثلاثين عامًا كتبت أن للمنصة أسرارًا. وبعد ثلاثة عشر عامًا عدت إليها. وبعد ثلاثين عامًا فتحت الملف مرة أخرى. واليوم، بعد خمسة وأربعين عامًا، وجدت نفسي أمام المشهد نفسه، والمكان نفسه، والعنق نفسه تقريبًا، والخلف يعود مرة أخرى إلى قلب الحكاية.

ولهذا لم أجد عنوانًا أكثر صدقًا من العنوان القديم بعد أن كبر معنا خمسة وأربعين عامًا:

٤٥ عامًا… وما زال للمنصة أسرار!

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى