مقالات وآراء

د.حسام بدراوي يكتب: بين الصلابة والمرونة والقدرة على التكيف


حكى لافونتين عن سنديانة ضخمة كانت تنظر بشيء من الغرور إلى قصبة نحيلة تنحني أمام كل ريح. فأجابتها القصبة: قد أنحني، لكنني لا أنكسر. ثم جاءت العاصفة، فقاومت السنديانة بكل قوتها حتى اقتُلعت من جذورها، وبقيت القصبة. الحكاية بسيطة، لكن سؤالها عميق: هل القوة هي القدرة على المقاومة، أم القدرة على البقاء؟
الماء الذي يغلب الصخر
قبل لافونتين بقرون، تأمل لاو تسو المعنى نفسه في الماء في كتابه “الطريق والفضيلة”. فالماء عنده من ألين الأشياء، ومع ذلك يغلب الصلب والقاسي. والإنسان يولد لينًا ويموت متيبسًا، وكذلك النبات؛ فالليونة رفيقة الحياة، والتصلب رفيق الموت. ومن هنا تظهر مفارقة تبدو عكس ما تعلمناه: المرونة ليست نقيض القوة، بل قد تكون إحدى أرقى صورها.
وقد انتقلت الفكرة من الفلسفة إلى حركة الجسد. ففي التاي تشي لا تقابل قوة خصمك بقوة مساوية لها، بل تستوعب اندفاعه وتعيد توجيهه. ونجد المعنى نفسه في الجودو، «طريق اللين»، وفي الأيكيدو. كأن حضارات مختلفة اكتشفت الحقيقة ذاتها: ليس عليك أن تكون أصلب من خصمك كي تتغلب عليه.
ولمن يظنون أن التراث الديني لا يعرف إلا الصلابة واليقين المغلق، أقول إن في تراثنا الحقيقي الدرس نفسه. فحين أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، أعتى طغاة زمانه، قال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. وقال في موضع آخر: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. والمعنى ألا تقابل الخشونة بمثلها فتتضاعف، بل أن تحوّل مسارها. فاللين هنا ليس ضعفًا في المبدأ، بل حكمة في الوسيلة.
أكتوبر… حين فتح الماء الطريق
ومع اقتراب ذكرى حرب أكتوبر 1973، أتذكر صورة مصرية تجسد هذه الفلسفة على أرض الواقع. كان الساتر الترابي لخط بارليف يبدو عصيًّا، وكان التصور التقليدي يوحي بأنه يحتاج إلى متفجرات ومعدات أشد منه. لكن العقل المصري وجد الحل في الماء: مضخات عالية الضغط فتحت الثغرات أمام القوات والمعدات. ذلك العنصر اللين الذي لا يملك شكلًا ثابتًا صار أداة لفتح الطريق. لم يناطح الماء التراب بصلابة أكبر، بل فكك تماسكه وجرفه.
ما يعلمنا إياه الجسد
وبحكم مهنتي أرى الفكرة في الجسد الإنساني. فالتطعيم أشبه بـ«تاي تشي مناعي»: نعرّف الجهاز المناعي على صورة آمنة من الخطر، فيتعلم منها ويكوّن ذاكرة تحميه لاحقًا. والعظم نسيج حي يعيد تشكيل نفسه استجابة للأحمال. وفي المقابل، قد يتحول رد الفعل الدفاعي إلى مصدر أذى إذا اختل تنظيمه، كما يحدث في فرط الاستجابة المناعية. فليست الحكمة في غياب المقاومة، بل في أن تكون متناسبة وذكية.
وحتى المباني في اليابان، بلد الزلازل، لا تعتمد على الصلابة وحدها، بل تُصمَّم لتتحرك حركة مضبوطة تمتص الطاقة وتبددها. فالقوة عند المهندس ليست منع الحركة، بل التحرك بالقدر الذي يحفظ البناء من الانهيار.
التعليم… إعداد العقل لما لا نعرفه بعد
وكرجل قضى جانبًا كبيرًا من حياته مشغولًا بالتعليم، أرى أننا بنينا تعليمنا على الحفظ والتلقين، وكأن مهمة الجيل الجديد أن يحفظ إجابات الأجيال السابقة. بل إننا نختزل التطوير أحيانًا في إعداد الطالب لسوق عمل سيتغير حتمًا، تختفي فيه مهن وتولد أخرى.
لم يعد الهدف أن نملأ العقول بما نعرفه نحن، بل أن نبني عقلًا قادرًا على التعامل مع ما لا نعرفه بعد؛ عقلًا يتعلم ثم يعيد التعلم، ويسأل وينقد، ويراجع يقينه حين تظهر معرفة جديدة. نحن بحاجة إلى أجيال تمتلك حكمة القصبة وطبيعة الماء: ثابتة في قيمها، مرنة في أفكارها، لا تخشى الجديد، بل تفهمه وتشارك في صنعه. فالمعرفة ليست مجرد طريق إلى وظيفة، بل هي فرصتنا الكبرى لإنقاذ البشرية.
وماذا عن الأوطان؟
كل مجتمع حي يحمل داخله رأيًا مخالفًا، وجيلًا غاضبًا، ومطالب لم تُلبَّ، وأسئلة لم تجد جوابًا. ويمكن للعقل الذي يدير أن يواجه ذلك بالصلابة، فيصد كل رأي ويغلق النوافذ ويقابل كل دفعة بدفعة أشد. وقد ينجح ذلك زمنًا، كما تصمد الشجرة الصلبة أمام الرياح العادية، لكن العاصفة حين تأتي تختبر الفرق بين الصلابة والقدرة على التكيف.
أما العقل الحكيم فيعرف أن طاقة الغضب يمكن أن تتحول إلى طاقة إصلاح، وأن الرأي المخالف قد يكون قوة تُستوعب وتُوجَّه نحو ما ينفع، وأن الجيل المتمرد اليوم قد يبني الغد إذا وجد من يفتح له الطريق بدل أن يسده. لكن المرونة لا تعني غياب الجذور: دستور يُحترم، وقيم عامة لا تُساوَم، ومؤسسات لا تتبدل بتبدل الأشخاص. فاللين بلا جذر فوضى، والجذر بلا لين تصلب، والحكمة في الجمع بينهما.
إعادة تعريف القوة
ربما أخطأنا طويلًا حين ربطنا القوة بالصلابة وعدم التراجع، ورأينا في الانحناء هزيمة وفي تغيير الطريق ترددًا. فالشجرة التي لا تنحني قد تنكسر. والإنسان الذي يرفض تغيير رأيه مهما تغيرت الحقائق قد يبدو ثابتًا، بينما هو عاجز عن التعلم. والدولة التي ترى قوتها في عدم مراجعة سياساتها قد تكتشف أن ما سمته ثباتًا لم يكن سوى جمود. وحتى في علاقاتنا الإنسانية، تكون القوة أحيانًا في أن نستمع ونعتذر ونغير موقفًا ثبت خطؤه.
لكن المرونة ليست الاستسلام. فالقصبة تنحني ولا تقتلع نفسها من الأرض، والماء يغير شكله ولا يفقد طبيعته. والحكمة كلها أن تكون مرنًا في الوسيلة، ثابتًا في الجوهر؛ أن تغير الطريق دون أن تفقد الوجهة، وأن تنحني حين يكون الانحناء ضرورة، ثم تعود واقفًا حين تمر العاصفة.
فربما لا يكون السؤال في الحياة: كم أنت قوي؟ بل: ما نوع القوة التي تمتلكها؟ أهي قوة السنديانة التي تتحدى الريح، أم حكمة القصبة التي تعرف متى تنحني؟ لقد علمنا التاريخ أن القوة تستطيع أن تهزم القوة. لكن لاو تسو ولافونتين، وتراثنا الديني، وفنون الشرق، والجسد الإنساني، وهندسة الزلازل، وفلسفة التعليم، وحتى مياه قناة السويس في أكتوبر، تلتقي جميعًا عند معنى واحد: أحيانًا لا يكون الأقوى هو الأصلب، بل الأقدر على أن يبقى
نفسه وهو يتغير.


«السيف الذي يمنح الحياة»
القوة طريقٌ إلى السلام

كتبت الأسبوع الماضي عن فلسفة التاي تشي، وعن اللين الذي يغلب الصلابة، والماء الذي يشق الصخر. وقد يسألني قارئ محق: أليس في هذا دعوة إلى الضعف؟ وهل يكفي اللين في عالم لا يحترم إلا الأقوياء؟
والجواب أن اللين الذي قصدته لم يكن يومًا نقيض القوة، بل ثمرتها. فالبوصة لا تنحني للريح إلا لأن جذورها راسخة، ولاعب التاي تشي لا يستوعب ضربة خصمه إلا لأن مركزه ثابت. ولكي يكتمل المعنى، أريد أن أنتقل اليوم من الصين إلى اليابان، ومن الحكيم الذي يتحرك ببطء في الحديقة، إلى المحارب الذي يحمل سيفه ولا يسلّه: الساموراي.
السيف في غمده
قد يبدو غريبًا أن نبحث عن فلسفة للسلام عند طبقة من المحاربين. لكن التراث الياباني ميّز بين نوعين من السيوف: «السيف الذي يقتل» و«السيف الذي يمنح الحياة». وقد كتب يَغيو مونينوري، معلم المبارزة لدى حكام اليابان في القرن السابع عشر، أن السيف الحق هو الذي يُستعمل لإنقاذ الأرواح لا لإزهاقها، وأن غاية فن القتال أن يوقف الشر لا أن يضاعفه.
ويُروى عن المبارز الأسطوري تسوكاهارا بوكودن أنه كان مسافرًا في قارب، فتحداه رجل متعجرف أن يبارزه، وسأله ساخرًا عن اسم مدرسته في القتال. فأجاب بوكودن: «مدرسة الفوز بلا سيف». وطلب من صاحب القارب أن يتوقف عند جزيرة صغيرة ليتبارزا عليها، فقفز المتحدي إلى الشاطئ متحفزًا، فدفع بوكودن القارب بعيدًا وتركه وحده على الجزيرة، ثم قال له: «هذه هي مدرستي».
لم يكن بوكودن جبانًا، بل كان من أمهر المبارزين في تاريخ اليابان. ولأنه كان يعرف قوته تمامًا، لم يكن محتاجًا إلى إثباتها.
«وقف الرمح»
وفي التراث الصيني القديم، الذي أخذت عنه اليابان كتابتها، تفسير شهير لرمز كلمة «القوة العسكرية»، إذ قرأه الأقدمون على أنه مركب من علامتين: «أوقِف» و«الرمح». وسواء صح هذا التفسير لغويًا أم لا، فإن الحكمة التي حملها صحيحة تمامًا: أن القوة العسكرية في أنبل معانيها هي القدرة على إيقاف الحرب، لا على إشعالها.
وهو المعنى نفسه الذي عبّر عنه سون تزو في «فن الحرب»، حين جعل أعلى درجات المهارة أن تكسر إرادة العدو دون قتال، لا أن تنتصر في مئة معركة. وهو ما لخّصه الرومان في عبارتهم الشهيرة: «إن أردت السلام، فاستعد للحرب».
وفي تراثنا المعنى نفسه
والقرآن الكريم سبق إلى هذا المعنى بدقة لافتة: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾. فالغاية المعلنة للقوة هنا ليست القتال، بل الردع: أن يرى العدو قوتك فيعدل عن الاعتداء. ثم تأتي الآية التالية مباشرة لتكمل الصورة: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. القوة أولًا، ثم اليد الممدودة للسلام. وليس أحدهما نقيض الآخر، بل شرطه.
وقد عرفت مصر هذا الدرس في تاريخها القريب؛ فلم يكن السلام الذي استعادت به أرضها ممكنًا إلا بعد أن أثبتت في أكتوبر ١٩٧٣ أنها قادرة على الحرب. القوة هي التي فتحت باب التفاوض، لا العكس.
مفارقة الساموراي
وفي تاريخ الساموراي مفارقة تستحق التأمل. فالفلسفة التي نعرفها اليوم باسم «بوشيدو»، أو طريق المحارب، لم تنضج في زمن الحروب، بل في زمن السلام. فبعد توحيد اليابان في مطلع القرن السابع عشر، عاشت البلاد نحو قرنين ونصف القرن بلا حروب داخلية كبرى. ولم يعد للساموراي ما يقاتلون من أجله، فتحولوا إلى إداريين ومعلمين وشعراء وخطاطين وقضاة، وبقي السيف في أحزمتهم رمزًا للانضباط والشرف أكثر منه أداة للقتل.
وحين كتب الياباني نيتوبي إينازو كتابه الشهير «بوشيدو: روح اليابان» عام ١٨٩٩، عدّد فضائل المحارب: الاستقامة، والشجاعة، والرحمة، والأدب، والصدق، والشرف، والولاء. ولفت نظري أنه جعل الرحمة من فضائل الأقوياء تحديدًا، فاليابانيون يتحدثون عن «رقة المحارب»، لأن الرحمة لا قيمة لها إلا إذا صدرت ممن يملك القدرة على البطش ثم يختار ألا يبطش.
ولست أُجمّل التاريخ؛ فالساموراي عرفوا القسوة والدم كغيرهم من المحاربين، وكثير مما كُتب عنهم مثال أكثر منه واقع. لكن المثال نفسه هو ما يعنيني هنا، لأن الأمم تُبنى على المُثُل التي تختارها.
الجيش بمنطق السيف في غمده
من هنا نصل إلى الفكرة التي أردت أن أنتهي إليها: أن الجيش الحديث، في أرقى صوره، ليس أداة لخوض الحروب، بل أداة لمنعها. وأن نجاحه الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي انتصر فيها، بل بعدد المعارك التي لم تقع أصلًا لأن أحدًا لم يجرؤ على بدئها.
والجيش القوي، بهذا المنطق، هو السيف الذي يبقى في غمده، لكن الجميع يعرفون حدّته. ويحكم هذا السيف، في مثال الساموراي، ثلاثة مبادئ:
أن تكون قوته بلا غرور، فلا يُسلّ السيف لإثبات الذات أو للاستعراض. وأن يُشهر دفاعًا لا عدوانًا، فالساموراي الذي يسل سيفه دون سبب يلحقه العار. وأن يبقى موجّهًا دائمًا إلى الخطر الخارجي، لأن أعظم عار في طريق المحارب أن يرفع سيفه في وجه من أُقسم على حمايته.
فالسيف الذي يحمي أهله يمنح الحياة، والسيف الذي ينسى لماذا صُنع، يفقد روحه وإن بقي حادًا.
خاتمة
الماء الذي كتبت عنه الأسبوع الماضي، والسيف الذي أكتب عنه اليوم، ليسا متناقضين كما يبدو. فكلاهما يقول لنا الشيء نفسه: إن القوة الحقيقية هي التي لا تحتاج إلى أن تستعمل نفسها، والسيف يحمي بالهيبة. وأعظم المحاربين، كما علّمنا بوكودن، هو من يفوز بلا سيف.
وأعظم الجيوش هو ذلك الذي يحرس السلام بقوته، فيعيش أبناؤه أعمارهم كلها دون أن يسمعوا صوت المدافع.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى