أخبار العالممصرملفات وتقارير

بين مكبرات جنيف وزنازين القاهرة: مصر تقود الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وتعتقل صحفييها.. كيف تفهم هذا؟

تتزامن جهود البعثة الدبلوماسية في جنيف في الوقت ذاته تقريبا مع قيام الأجهزة الأمنية في القاهرة باعتقال فريق تحرير كامل لمنصة إخبارية متخصصة في تدقيق المعلومات، وسط حملة اعتقالات طالت المئات خلال أسابيع قليلة فقط. وتبرز هذه المفارقة الزمنية المباشرة بين إنجاز دبلوماسي لامع في حقوق الإنسان بالخارج وممارسات موثقة تنتقدها منظمات حقوقية دولية ومحلية في الداخل، مما يُطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله حول ما إذا كان هذا القرار يعكس أولوية حقيقية لحقوق الإنسان في السياسة المحلية أم أنه توظيف ناجح للدبلوماسية متعددة الأطراف لبناء صورة دولية منفصلة تماما عن الواقع الداخلي.

التناقض الدبلوماسي بين جنيف والقاهرة: بين ريادة الذكاء الاصطناعي وملاحقة الصحفيين

نجحت البعثة في جنيف في اعتماد أول قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يتناول بصورة متكاملة تداعيات الذكاء الاصطناعي على تعزيز وحماية حقوق الإنسان، وذلك بالشراكة مع بنجلاديش ومجموعة عبر إقليمية من الدول وبالتوافق، مما يعكس الحضور البارز في صياغة النقاش الدولي بشأن التكنولوجيات الناشئة. ويعكس القرار، بحسب البيان الرسمي، الرؤية بشأن ضرورة أن يظل الإنسان وحقوقه في صميم مسار التطور التكنولوجي، مع اهتمام خاص في الوقت نفسه بضمان استفادة الدول النامية من التحول الرقمي والحد من الفجوة التكنولوجية بينها وبين الدول المتقدمة. يضع القرار ضمن أولوياته الحق في التنمية والعمل اللائق والتنوع الثقافي واللغوي، وهو ما يُترجَم عمليا إلى خطوات محددة تشمل عقد اجتماعات متخصصة وإعداد تقرير متكامل حول هذه القضايا. جاء اعتماد القرار ثمرة مشاورات مكثفة قادتها البعثة في جنيف، وفق البيان الرسمي، وصولا في النهاية إلى نص توافقي يحظى برضا جميع الأطراف.

الأحداث الميدانية وحملات الاعتقال الداخلية

شهدت الأحداث الميدانية في التوقيت نفسه وقائع أخرى موثوقة إعلاميا وحقوقيا تتكشف داخل العاصمة ومختلف المحافظات. قامت الأجهزة الأمنية في أواخر سبتمبر الماضي بإلقاء القبض على 6 صحفيين يمثلون فريق تحرير منصة “متصدقش” الإخبارية بالكامل من منازلهم وأحد شوارع القاهرة، دون الإفصاح حتى الآن عن تهم أو مكان احتجاز واضح. اضطرت نقابة الصحفيين نتيجة لذلك للتقدم بشكوى رسمية لوزارة الداخلية وبلاغ للنائب العام، بينما أثارت الواقعة إدانات من منظمات دولية متعددة من بينها “مراسلون بلا حدود” و”لجنة حماية الصحفيين”. وثّقت رابطة أهالي المعتقلين “فدا” في الفترة ذاتها تقريبا حملة أمنية جديدة طالت مئات المواطنين في محافظات مختلفة بينهم أقارب معارضين وحقوقيين وناشطين إلى جانب كتاب ومثقفين. تزامنت هذه الوقائع مع جدل واسع حول تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي كان من المفترض أن يحدد سقفا أقصى للحبس الاحتياطي عند 18 شهرا، مما وصفته منظمات حقوقية بأنه يُبقي آلاف المحبوسين احتياطيا، بعضهم لسنوات تجاوزت 8 و9 سنوات، رهن احتجاز ممتد دون حكم قضائي نهائي.

التقييمات الحقوقية والدولية للمشهد

تتقاطع هذه المفارقة مع تقييمات دولية مؤسسية موثقة لحالة الحريات، إذ تحتل البلاد مراتب متأخرة باستمرار في تصنيفات حرية الصحافة العالمية بقرب المرتبة 170 من أصل 180 دولة بحسب تصنيفات منظمات متخصصة. توثق تقارير سنوية لمنظمات كبرى مثل “هيومن رايتس ووتش” استمرار ممارسات مثل “تدوير” المعتقلين على ذمة قضايا جديدة لإبقائهم رهن الاحتجاز دون محاكمة، مما يؤكد الفجوة القائمة بين الخطاب الدبلوماسي الخارجي والممارسات الحقوقية الداخلية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى