
لا أظن أن هناك عاقلاً من بين السودانيين، بما في ذلك أعلى هرم السلطة وقيادة القوات المسلحة ممثلةً في الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يقف ضد جوهر ما قاله السيد مناوي أمس، إذا ما تجاوزنا الكلمات الانفعالية. وأرجو من الجميع صادقاً ألا ننزلق إلى المقارنة بين حديث وموقف مني أركو مناوي وهرطقات المتمرد حـ ـميدتي وعبدرحيم (يومذاك)؛ لماذا؟ لأنهما ببساطة ندما على ما قالاه ندامةَ الكُسَعي.
أقول: لا خلاف على أن مستقبلاً آمناً للسودان لا يمكن أن يقوم دون مؤسسة عسكرية واحدة ومهنية وسلاح واحد يخضع كلياً لسيادة الدولة. وتصريحات مناوي يجب أن تُقرأ في هذا السياق، وهو جوهر كلمة الرجل التي شدد فيها على رفض وجود مليشيات أو حركات مسلحة موازية للجيش الوطني.
مناوي وضع النقاط على الحروف في هذه اللحظة المفصلية من تاريخ البلاد، ويجب أن يُشكر على ذلك؛ لأن دعم القوى العسكرية خارج إطار القوات المسلحة السودانية يجب أن يتوقف كلياً؛ ليس إنكاراً للتضحيات بقدر ما هو إدراكٌ بأن حماية الوطن واستقراره مسؤولية حصرية للجيش الوطني الموحد، وهذا الحديث هو المدخل الحقيقي نحو استحقاق وطني طال انتظاره، بحيث تُحسم تبعية كل قوة مسلحة للدولة وفق القانون وتخضع لقيادتها ومؤسساتها بعيداً عن أي تشكيلات مسلحة موازية. فالقوة التي تُنشأ بقانون وتخضع لسلطة الدولة وتُسلّح من الدولة، لا يصح وضعها تلقائياً في خانة المليشيات، بينما المليشيا قوة مسلحة خارج البنية النظامية للدولة، والقوة المتمردة هي التي تخرج على سلطة الدولة وتتمرد على مؤسساتها وقواتها المسلحة.
نعم، لقد خاضت القوات المشتركة ودرع السودان وغيرها من الفصائل إلى جانب الجيش معارك جساماً في محاور مختلفة دفاعاً عن الدولة ومؤسساتها وشعبها، وقدمت تضحيات لا يُستهان بها. غير أن المصلحة الوطنية العليا تتطلب الانتقال من مرحلة «التحالفات الميدانية» إلى مرحلة «الانصهار المؤسسي الكامل»، بما في ذلك استكمال تنفيذ بند الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاقية سلام جوبا.
ولعل السيد مناوي يريد أن يقول إن دمج كافة القوات في أجهزة الدولة العسكرية والشرطية والأمنية هو الضمان الحقيقي لمنع استنساخ التجربة المريرة للكيانات المسلحة الموازية، والتي دفع الشعب السوداني ثمنها باهظاً.
الشارع السوداني يتوق لرؤية القيادات الوطنية التي حملت السلاح دفاعاً عن الوطن، وفي مقدمتهم القائد مناوي، يقودون التحول نحو العمل السياسي المدني الخالص، وتحول الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية مدنية ذات رؤى وبرامج تنموية تمارس دورها عبر صناديق الاقتراع لا عبر البندقية، وهذا التحول بمثابة حجر الزاوية في بناء الحياة الديمقراطية المرتقبة.
إن الوفاء بتعهدات الترتيبات الأمنية وتحويل الحركات المسلحة إلى أحزاب سياسية هو الوعد الذي ينتظره جميع السودانيين لبدء مرحلة التعافي والبناء. كفانا تعدديةً في المظلات العسكرية، وقد حان الوقت لإنهاء ظاهرة الجمع بين السلاح والعمل السياسي؛ لتكون البندقية بيد الجيش المهني لحماية الوطن والمواطن، والفكر والسياسة للقوى الحزبية.







