
قبل الذكرى المئة والثلاثين لرحيل عبد الله النديم بنحو ثمانٍ وأربعين ساعة، وصلتني اليوم الرسالة الثانية من الأكاديمية التركية الدكتورة توبا روهنكيز أزاكلي، بعد رسالة أولى كانت قد فتحت أمامنا هذا الخيط البحثي ودفعتنا إلى انتظار ما قد تكشفه مراجعتها لأوراقها القديمة. قرأت الرسالة الثانية أكثر من مرة. لا لأنها تحمل الخبر الذي أنتظره منذ بدأت هذه الرحلة، فهي لا تقول إننا وجدنا القبر، ولا تحمل رقم شاهد أو صورة حجر نستطيع أن نكتب تحتها بثقة: هنا يرقد عبد الله النديم. لكنها فعلت شيئًا مهمًا. نقلت البحث خطوة من الورق إلى الأرض.

كتبت لي الدكتورة توبا في رسالتها الثانية أنها راجعت بصورة أولية ما لديها من وثائق وقراءات تتصل بشاهد قبر عبد الله نديم بك، ولم تصل حتى الآن إلى معلومة حاسمة. وأضافت أن بعض النصوص القديمة الموجودة لديها غير مكتمل، وأنها بدأت تعيد مراجعة أوراقها منذ البداية، هذه المرة بتفصيل أكبر، وكأن الأوراق القديمة استيقظت فجأة على سؤال لم تكن تعرف قبل سنوات أنها ستُسأل عنه.
ثم جاءت الجملة التي فتحت أمامنا بابًا جديدًا. قالت إنها استشارت أستاذًا واسع المعرفة بمقبرة يحيى أفندي، ولديه أرشيف كبير يتعلق بها. الرجل لم يكن قد سمع باسم عبد الله النديم، لكنه بحكم معرفته بالمكان رجّح أن يكون الشاهد، إن كان ما يزال قائمًا، في الجزء الداخلي المعروف باسم «صوفة الأولياء».
والأهم أنها لم تكتف بهذا الاحتمال. كتبت أنها ستذهب، في أول فرصة، إلى المقبرة لتفحص هذه المنطقة بنفسها، ثم أضافت في نهاية رسالتها عبارة إنسانية بسيطة كان لها عندي وقع خاص: إنها ستكون سعيدة جدًا إذا عُثر عليه.
نحن إذن، قبل ثمانٍ وأربعين ساعة فقط من الذكرى المئة والثلاثين لوفاة النديم، لا نملك إعلانًا عن اكتشاف القبر. لكننا نملك لأول مرة اتجاهًا ميدانيًا أكثر تحديدًا. لم يعد الأمر مجرد: ابحثوا في يحيى أفندي. أصبح لدينا جزء بعينه داخل هذا العالم الكبير من الأحجار يستحق الفحص.
أتوقف هنا عمدًا. لا أعرف أن قبر النديم موجود في «صوفة الأولياء». ولا تعرف الدكتورة توبا ذلك. ولا يوجد حتى هذه اللحظة حجر موثق يحمل الاسم، ولا رقم قبر يمكنني أن أضعه أمام القارئ. لدينا فقط فرضية بحثية طرحها شخص يعرف المقبرة وأرشيفها جيدًا. والفرق بين «قد يكون» و«وجدناه» هو، في الحقيقة، كل الفرق بين التحقيق والأسطورة.
هذه من اللحظات التي يختبر فيها الباحث نفسه قبل أن يختبر الوثيقة. لأن الرغبة في الوصول قد تصبح أحيانًا أقوى من الدليل. نحب الرجل، ونريد أن نعثر عليه، فتغوينا أي إشارة صغيرة لكي نحولها إلى يقين. لكن الوفاء لعبد الله النديم لا يكون بأن نصنع له قبرًا. الوفاء الحقيقي أن نرفض أن ننسب إليه حجرًا حتى يقول الحجر نفسه اسمه.
وتكتسب رسالة توبا الثانية أهميتها من أن صاحبتها ليست زائرة عابرة للمقبرة، ولا باحثة نقلت عن كتاب. هي واحدة ممن عاشوا طويلًا مع شواهد يحيى أفندي، وقرأوا نقوشها ودرسوا خطوطها وزخارفها، وتعاملوا مع الحجر بوصفه وثيقة لها لغتها وقواعدها وأسرارها.
نحن نبحث اليوم عن اسم «عبد الله النديم». لكن الحجر العثماني قد لا يقول الاسم بالطريقة التي نحفظها. ربما كتب «السيد عبد الله نديم أفندي». وربما «عبد الله بن مصباح». وربما ذكر وظيفة الرجل أو نسبه. وربما بدأ النقش بدعاء طويل، وانتهى الاسم في سطر أصابه الكسر أو المحو. الاسم الذي نعثر عليه في ثانية على شاشة الهاتف، قد يحتاج إلى أيام كي نستخرجه من حجر عمره مئة وثلاثون عامًا.
وهناك في رسالة توبا خيط آخر لا يقل أهمية عن المكان المحتمل. قالت إن لديها نصوصًا وقراءات قديمة غير مكتملة، وإنها تعيد الآن فحصها. وهنا يصبح القديم أحيانًا أغلى من الجديد. فملاحظة كتبتها باحثة قبل سنوات طويلة قد تحفظ قراءة لحجر قبل ترميمه أو تحركه أو تآكل بعض حروفه.
وربما تكون المفارقة أن المعلومة التي نبحث عنها اليوم لم تكن ذات أهمية كبيرة لموضوع دراستها يوم كتبتها. قد يكون اسم النديم ظل في هامش دفتر، أو بجوار رقم شاهد، أو تحت صورة لم تدخل البحث المنشور. التاريخ، مثل البشر، يعرف أحيانًا كيف يخفي أهم أخباره في الهوامش.
لهذا أصبح البحث يتحرك الآن بين ذاكرتين. ذاكرة مكتوبة تحتفظ بها توبا في أوراقها القديمة، وذاكرة مصورة يحتفظ بها باحثون آخرون ممن صوروا وقرأوا آلاف الشواهد في يحيى أفندي. وإذا ظهر الاسم في واحدة، فسنحتاج إلى الأخرى لكي نختبره. هكذا فقط تضيق مساحة الاحتمال، ويبدأ الدليل في بناء نفسه.
و«صوفة الأولياء» نفسها تحتاج إلى بعض التوضيح. فلفظ «الصوفة» هنا ليس الأريكة التي يفهمها القارئ العربي اليوم، بل تسمية مكانية عثمانية تشير إلى مساحة أو جزء داخل الحظيرة والمجمع. وبالتالي، نحن لا نتحدث عن قبر قريب من ضريح معروف بالضرورة، بل عن نطاق داخلي قد لا يمر به من يبحث في المسارات المعتادة للمقبرة.
وقد يفسر ذلك، إن صح الاحتمال، لماذا بحث آخرون قبلنا ولم يصلوا إليه. فزيارة المقبرة شيء، ومعرفة طبقاتها الداخلية ومساراتها القديمة شيء آخر. وفي مكان تجاوز عدد شواهده الألفين، يمكن أن تكون المسافة بين العثور والضياع بضعة أمتار فقط.
لكنني لا أريد أن أحب هذه الفرضية أكثر مما يسمح به الدليل. قد تذهب توبا إلى «صوفة الأولياء» ولا تجد شيئًا. وإذا حدث ذلك، فلن أعتبره فشلًا. سنكون قد أغلقنا بابًا كان من الضروري أن نفتحه. وفي التحقيق الحقيقي، استبعاد المكان معلومة، كما أن العثور عليه معلومة.
أما إذا ظهر حجر محتمل، فلن تكون الفرحة هي الخطوة التالية. سيكون الشك. سنقرأ الاسم. ونراجع التاريخ. ونبحث عن رقم الشاهد. ونعود إلى الجرد. ونطلب سجل الدفن إن بقي. ونقارن بصورة قديمة إن وجدناها. ونفحص احتمال تشابه الأسماء. لأن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة كلما استعجلناها.
أريد سلسلة كاملة لا تنقطع: حجر. اسم. رقم. سجل. صورة. عندها فقط يمكنني أن أكتب الجملة التي أنتظرها منذ بدأت هذه الرحلة: هنا عبد الله النديم.
منذ أسابيع ونحن نطلب من الورق أن يدلنا على الحجر. فتحنا أوراق يافا. ووصلنا إلى يلدز. وتتبعنا كتب النديم في الآستانة. وسألنا عن الشيخ محمد ظافر. وراجعنا رحلة بلال فضل. وحملة الدكتور عمرو عبد العزيز منير. وشهادة الدكتور عمار علي حسن. وكل طريق كان يعيدنا في النهاية إلى يحيى أفندي.
واليوم يحدث شيء مختلف قليلًا. الرسالة الثانية من توبا لا تعيدنا إلى المقبرة فقط، بل تفتح أمامنا بابًا داخلها. رسالة وصلت قبل ثمانٍ وأربعين ساعة من ذكرى رحيل النديم، وتقول إن باحثة تعرف المكان ستعود إليه بعين جديدة، وفي يدها اسم واحد فقط تبحث عنه.
لا أحب أن أحمل المصادفة أكثر مما تحتمل، لكن توقيت الرسالة حرّك في داخلي شيئًا يصعب تجاهله. بعد مئة وثلاثين عامًا تقريبًا، وقبل أن نحيي ذكرى وفاة الرجل مرة أخرى، يأتي خيط جديد يقول لنا ببساطة: الرحلة لم تنته بعد.
عبد الله النديم عاش مطاردًا. بدّل منازله وأسماءه وثيابه ومخابئه، وأتعب من كانوا يبحثون عنه حيًا. ثم كأن قبره ورث عنه شيئًا من طبعه، فصار هو الآخر مختبئًا عن العيون. الفارق هذه المرة أننا لا نبحث عنه لكي نقبض عليه. نبحث عنه لكي نعيد إليه اسمه.
سأنتظر زيارة الدكتورة توبا. وسنواصل في الوقت نفسه البحث في الجرد، والصور القديمة، وأرشيفات الشواهد، ودفاتر المقبرة إن استطعنا الوصول إليها. لن نترك خيطًا، ولن نعطي خيطًا أكثر مما يستحق.
أشعر اليوم أن المسافة تقل. ربما لم نقترب بعد من القبر، لكننا اقتربنا من طريقة العثور عليه. وهذه ليست النتيجة نفسها، لكنها ليست قليلة أيضًا.
مئة وثلاثون عامًا مرت بين جنازة عرفت طريقها إلى يحيى أفندي، وبيننا ونحن نحاول اليوم أن نعيد اكتشاف الطريق ذاته. وربما تختصر هذه السنوات كلها يومًا في حجر واحد، واسم واحد، ورقم واحد.
إلى أن يحدث ذلك، سأتمسك بالقاعدة التي بدأت بها هذه الرحلة: لا نستعجل الحقيقة لكي تلحق بالذكرى. فالذكرى يمكن أن تنتظر. أما الحقيقة، فيجب أن تصل كاملة.







