الدكتورعبدالفتاح طوقان يكتب: لبنان.. حين تُهدم البيوت ويصمت العرب

بدأت المواجهات على الجبهة اللبنانية في ٨، اكتوبر ،٢٠٢٣ ثم تصاعدت إلى حرب واسعة وعمليات برية إسرائيلية داخل جنوب لبنان في اكتوبر ٢٠٢٤ .
ومنذ ذلك الوقت، يتعرض المدنيون والقرى والبيوت للقصف والتدمير، فيما تُجرف منازل تحت حماية الدبابات الإسرائيلية، وكأن اقتلاع الناس من أرضهم أصبح فعلاً عادياً لا يستحق موقفاً عربياً حازماً.
ليست الجرافة التي تهدم بيتاً مجرد آلة عسكرية؛ إنها أداة لاقتلاع الذاكرة، وتحويل حياة العائلات إلى ركام، وفرض النزوح بالقوة. كل منزل يُدمَّر هو مأساة إنسانية، وكل قرية تُفرَّغ من سكانها هي جريمة بحق الأرض والإنسان.
لكن هذا الصمت العربي يفتح جرحاً أعمق حين نقارنه بما حدث للعراق. ففي ٢ أغسطس ١٩٩٠ غزا العراق دولة الكويت، فاجتمعت جامعة الدول العربية في القاهرة يوم ١٠ أغسطس ١٩٩٠ وأيدت غالبية الدول المشاركة إرسال قوات عربية إلى السعودية ودول الخليج، بالتزامن مع وصول القوات الأميركية والقوات الدولية.
ثم أصدر مجلس الأمن القرار ٦٧٨ في ٢٩ نوفمبر ١٩٩٠ مانحاً مهلة للعراق قبل استخدام “كل الوسائل اللازمة” لإخراجه من الكويت.
وفي يناير ١٩٩١ بدأت الحرب التي دمرت البنية التحتية العراقية وفتحت الباب أمام عقوبات وحروب لاحقة أنهكت العراق وحضارته.
كان احتلال الكويت جريمة لا يمكن تبريرها، وكان من حق الشعب الكويتي أن يُنصف. لكن السؤال الذي يبقى حاضراً هو: لماذا استطاعت الأنظمة العربية أن تجتمع سريعاً، في اقل من اسبوع ، وتنسق مع القوى الدولية، وتسمح للقوات الأجنبية بتحويل المنطقة إلى ساحة حرب ضد العراق، بينما تعجز عن اتخاذ موقف واضح وحازم عندما يُعتدى على لبنان وتُهدم بيوته ويُقتل مدنيوه؟
ليس المقصود تبرئة النظام العراقي من جريمة غزو الكويت، ولا إنكار حق الكويت في التحرير. المقصود هو كشف “ازدواجية المعايير” : حزم شديد حين يكون الهدف دولة عربية، وصمت طويل حين يكون المعتدي إسرائيل، رغم تكرار القصف والاحتلال والتدمير وانتهاك السيادة.
إن جامعة الدول العربية تبدو، في نظر كثير من الشعوب، قادرة على عقد الاجتماعات عندما تتوافق قراراتها مع مصالح القوى الكبرى، لكنها تتحول إلى مؤسسة عاجزة عندما يتعلق الأمر بمواجهة إسرائيل أو الضغط على حلفائها. بيانات الإدانة لا توقف الجرافات، ومؤتمرات القلق لا تعيد البيوت، والحياد بين المعتدي والضحية ليس حكمة سياسية، بل تخلي عن المسؤولية.
السؤال اليوم ليس فقط: إلى متى يستمر الصمت العربي؟ بل: لماذا تمثل الأنظمة مواقفها ومصالحها أكثر مما تمثل شعوبها؟
الشعوب العربية ترى صور الدمار، وتدرك أن لبنان وفلسطين والعراق ليست قضايا منفصلة، بل حلقات في تاريخ طويل من التدخل والاحتلال وتدمير الدول العربية، بينما تكتفي حكوماتها بلغة دبلوماسية باردة لا تعكس حجم الغضب الشعبي.
المطلوب ليس إعلان حرب عشوائية، بل موقف عربي مستقل: وقف العدوان، حماية المدنيين، دعم لبنان، محاسبة مرتكبي جرائم الحرب، ورفض التهجير وتدمير البيوت. كما أن المطلوب مراجعة دور الجامعة العربية نفسها: هل هي مؤسسة تعبر عن الشعوب، أم إطار رسمي لإدارة العجز وتبرير الصمت؟
لقد أظهرت حرب العراق أن الأنظمة العربية قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية عندما تتوافر الإرادة السياسية. وأظهرت حرب لبنان أن المشكلة ليست غياب القدرة على الاجتماع، بل غياب القرار المستقل. فالسكوت عن تدمير لبنان لا يحمي العالم العربي، بل يشجع المعتدي على توسيع عدوانه.
سيحكم التاريخ على من قصف، لكنه سيحكم أيضاً على من رأى البيوت تُهدم تحت حماية الدبابات، ثم اختار الصمت.





